أ و ر ا ق

الدَّمْج الكامل للمعوقين بين العوائق الاجتماعية والحواجز المادية

(المنتدى الوطني للمعوقين: مابين 1 أكتوبر ـ إلى ـ 3 أكتوبر 2005 ـ فندق قصر البستان).
 

ثمة أشخاص لا يتجاوز مجال رؤيتهم أطراف أنوفهم، ويَصعب عليهم النظر إلى المعوقين أبعد من الأجهزة التعويضية: كرسي متحرك وأطراف صناعية وسواها! ويفترض هؤلاء سلفا قصور القدرات العقلية والمهارات المهنية لدى الإنسان المصاب بعجز وظيفي في جزء أو أكثر من جسده، سواء كان القصور: حركياً، بصرياً، أو سمعياً.
يُعَدُّ هذا النوع من التفكير من أهم السلبيات التي تُعيقُ دمج المعوقين في مجتمعاتهم، وتحول دون إزالة الحواجز المادية التي تزيد من معاناتهم وتعزز عزلتهم!
ولا تزال شريحة كبيرة من مجتمعاتنا العربية تواجه متاعب في التعامل مع المعوقين لأسباب مختلفة لعل أهمها تلك المرتبطة بالثقافة النمطية تجاههم والتي تولدت نتيجة للعزلة الاجتماعية المفروضة على هؤلاء الأشخاص.
هناك تمييز ضد المعوقين لا شك فيه، فحتى وقت قريب كان وجودهم مهمشاً وطاقاتهم مهدورة، وكانت حقوقهم في الحياة لا تتعدى حق المُستَحِق للصدقة والإحسان.
هذا القول لا يقلل، على أية حال، من الجهود الكبيرة التي تبذل من اجل تحسين أوضاع المعوقين على كافة المستويات الاهلية والرسمية، فقد نالت قضية حقوق المعوقين، في السنوات الأخيرة، اهتماما متزايدا سواء من ناحية تأهيلهم أو إدماجهم في المجتمع، وإن كان تأثير هذه الجهود لا زال محدودا ودون آمال شريحة من المجتمع عانت ولا زالت تعاني من التمييز في جوانب كثيرة من الحياة!
إن جهود تطوير مجتمعاتنا لن تكتمل إذا لم يواكبها تغيير نظرة أفرادها تجاه المعوقين، فلقد أصبحت قضية الإعاقة في البلدان المتطورة تشكل تحديا رئيسيا للمُجْتَمَعات والأفراد معا، وغدت مسألة دمج المعوقين وحصولهم على حقوقهم على غرار غيرهم سمة من سمات التحضر الإنساني.
العوائق الاجتماعية في سياق الحديث التالي تعني مفاهيم وأحكام اجتماعية خاطئة تجاه المعوقين وطبيعة الإعاقات، أما الحواجز المادية فهي تلك المتصلة بالمواصفات المعمارية للمباني والمرافق العامة أو تلك التي تفرضها البيئة المحيطة والتي تحد من حركة المعوقين وتحول دون استمتاعهم بالفرص والحقوق أو الاستفادة من الخدمات العامة على قدم المساواة مع الآخرين.
ورغم ما يبدو من اختلاف بين العوائق الاجتماعية والحواجز المادية، إلا أن الثانية منهما مرتبطة بالأولى بل هي نتاج طبيعي لها! فالمرافق التي لا توفر التسهيلات المُنَاسِبة لدخول مستخدمي الكراسي المتحركة ـ على سبيل المثال ـ تعزى إلى غياب الوعي الاجتماعي بأهمية دمج المعوقين في المجتمع وبيئة العمل لدى القائمين على هذه المرافق.

المواقف السلبية والانطباعات النمطية تجاه المعوقين يمكن تلخيصها فيما يأتي:
* يبدي بعض الناس توترا أو انزعاجا، في بادي الأمر، إذا ما جمعتهم مصادفة أو مَصلَحة أو عمل مع شخص معوق ـ لاسيما إذا كانت إعاقته واضحة كمستخدمي الكراسي المتحركة ـ لعلهم لا يعرفون ماذا يقولون له أو كيف يتصرفون معه!
* الشعور بالشفقة والأسف والرثاء تجاه الشخص المعاق والذي يُسْفِرُ عنه تصرف أقرب إلى التعالي أو التفضل بهذا الشعور.
* الافتراض أن الإعاقة الجسدية تنسحب على القوى العقلية.
* الافتراض أن الشخص المعوق يحتاج دائما لمد يد العون وبالتالي يتم تجاهله.
* الاعتقاد أن من فقد ذراعا أو بصرا وسواها من إعاقات هو ناقص.. والناقص في العرف لا يقود حتى وإن كان فكره أرجح وعقله أقدر ورؤيته أوضح!
إن "التسامح" ـ إذا صح التعبير ـ مع ذلك النوع من السلوك وفهم الأسباب التي تدفع بعض الناس إلى التصرف على ذلك النحو يستدعي النظر إلى قضية الإعاقة في سـياقها الاجتماعي والتاريخي.
فحتى وقت قريب، فرضت عوامل اجتماعية كالجهل والعصبية والخُرَافة عزلة قهرية على الشخص المعوق، فكان يواجه التهميش والإهمال ويُصْبِحْ وجوده خزيا على أسرته، ويتعرض لكثير من أشكال التمييز بين إخوته وأفراد أسرته ناهيك عن المجتمع ككل، وكان محيط حياته يقتصر على جدران المنزل الأربعة، فهو محروم من التعليم وممارسة حياته كأي إنسان آخر في المجتمع.
سأختصر حديثي حول الدمج الكامل في أهم ثلاثة جوانب مـن حياة الإنسان ألا وهي: التعليم، والعمل، والزواج
1ـ التعليم
لقد أصبح التعليم في العصور الحديثة ضرورة للإنسان كالهواء والماء، وإلزامي حتى سن 16 في معظم الدول! وهو حق للإنسان لا يجب المساس به.. حق يتساوى فيه البشر جميعا.. الغني منهم والفقير.. المعوق وسواه من الناس.
ولعل المعوق أشد حاجة للتعليم من غيره! ففي حين يستطيع الإنسان السليم الجسد القيام بأعمال بدنية لا تتطلب مستوى معينا من التعليم، فان الإنسان الذي ابتلاه الله بإعاقة يحتاج إلى اكتساب مهارات تتيح له انجاز عمله دون الحاجة إلى استخدام قوته البدنية!
ورغم ازدياد الفرص المتاحة أمام المعوقين للحصول على التعليم المناسب لقدراتهم، إلا أنه يفرض عليهم باختلاف إعاقاتهم الدراسة في مدارس متخصصة، وهذا نهج تعليمي ـ حسب ظني ـ يعزز من عزلتهم ويزيد من صعوبة إدماجهم.
ويُعتقد ـ خطاء ـ أن وجود مدارس خاصة تُعنى بتعليم كل فئة من المعوقين على حده، تتيح لهؤلاء الطلاب الاستفادة القصوى من برامج التعليم المعدة لهم وفق ما يناسب طبيعة إعاقاتهم وإمكاناتهم الذهنية والبدنية، وهي ـ حسب الاعتقاد السائد ـ أقل كلفة أيضا.
هذا الأسلوب يعزل الطلاب المعوقين عن أقرانهم من الطلاب ويحول دون إعطائهم فرص اكتساب مهارات اجتماعية تُسَهِّل عليهم الاندماج في المجتمع وأماكن العمل جنبا إلى جنب مع أفراد المجتمع الآخرين، بل أنه يكرس عزلتهم ويزيد من معاناتهم.
بيد أن "دمج الطلاب المعوقين في نظام التعليم العام".. أي توفير خدمات ومرافق تعليمية مدمجة تجمعهم مع سواهم من الطلاب تحت سقف واحد وتسمح باستيعابهم في نظام التعليم العام تحقيقا لهدف الدمج الشامل لين يتحقق إلا بوضع خطة واضحة تشمل إعداد كوادر متخصصة وإدخال تعديلات في البرامج التعليمية ومصادر التعلم وتوفير أجهزة تناسب طبيعة الإعاقات، بالإضافة إلى تأهيل المدارس وإنشاء بعض المرافق، مثل المدارج لمستخدمي الكراسي المتحركة وإنشاء بعض الخدمات الضرورية كدورات مياه خاصة بالمعوقين. ورغم أن ذلك يستدعي صرف الكثير من المال إلا أن المردود الاقتصادي الطويل الأجل ـ والغير ملموس حاضرا ـ هو أكبر بكثير!
ولعل أهمها استفادة المجتمع من طاقة بشرية كانت ستصبح ـ لو لا تلك الإجراءات ـ في تعداد العاطلين، وبدل من أن يكون هؤلاء الأشخاص إضافة اقتصادية إلى مجتمعاتهم سيتحولون إلى عبء اقتصادي واجتماعي على الدولة والمجتمع.
والى جانب المكسب المادي، هناك مكسب معنوي يحققه دمج طالب معوق في مدارس عامة. فمن خلال الاحتكاك والإطلاع المباشر على التحديات التي يواجهها هذا الطالب في حياته اليومية، يغدو بالنسبة لزملائه نموذجا حيا على قدرة الإنسان على تجاوز المحن ومثالا يمكن التعلم منه ما لا تستطيع المدارس تعليمهم إياه.
2 ـ العمل
العمل نشاط بشري مقدس يكفل للمرء المردود المادي الذي يحول دونه والعوز، ويبعد عنه شبح الفقر والبطالة، ويتيح له ولأفراد أسرته حياة كريمه. وحاجة الإنسان المعوق للوظيفة أشد من حاجة الآخرين لها!
فالعمل بالنسبة للمعوق يعني تحقيق الذات والثقة بها والإيمان بقوة النفس وقدرتها على مواصلة الحياة دون الاعتماد على أحد سواء كانوا أقارب أو مؤسسات معنية بالرعاية والتنمية الاجتماعية.
بيد أن الواقع لا يدعو إلى الارتياح. فالإحصائيات تشير إلى أن معدل البطالة بين المعوقين في الغرب أعلى ثلاث مرات مقارنة بمعدل البطالة بين غير المعوقين. وهذا في الغرب ناهيك على العالم الثالث! وإذا ما حالف الحظ الإنسان المعوق وحصل على وظيفة فإنها لا تناسب مؤهلاته، وهي قليلة الأجر وغير مرضية ذاتيا وفرص الترقي فيها محدودة إن لم تكن معدومة!
إن الشخص المعوق يمكنه المساهمة بفاعلية في الحياة العملية كغيره من الناس، وعزله يكبد المجتمع اعباءاً مالية وأثاراًً سلبية، ومن هنا تَبرْز أهمية تحقيق الدمج الاجتماعي والاقتصادي للمعوقين.
ومن تجربتي الخاصة، لم تكن تبعات الإعاقة هاجسي لأني كنت أخاف الموت ـ وذلك بأمره سبحانه وتعالى ـ لا، بل لأني كنت أخشى الفقر. فقد مضت عليّ فترةٌ قبل عودتي إلى عمان من بريطانيا ـ بعد العلاج والتأهيل ـ وأنا أفكر في اليوم الذي سيأتي فيه زائر ـ قريب أو صديق ـ ويَُخْرِجُ من جيبه بضعة ريالات يدسها تحت وسادة فراشي!
ولعل هذا الهاجس كان له دور رئيس في إصراري على مواصلة العمل وتأمين حياتي من الفقر والعيش بكرامة توفر لي الحصانة وتمنحني القوة لأقول "لا" أو "نعم" متى شئت ولمن شئت بقناعة لا يفرضها مركبِ نقص أو تحكمها حاجة!
3 ـ الحق في الزواج (هذا الجانب يعني المعوقين حركيا أكثر من غيرهم)
يعتبر موضوع القدرة على الاتصال والإنجاب، سواء للرجال أو النساء، من أهم الأمور التي يشعر الإنسان بفداحة خسارتها عندما يتعرض لحادث يفقده الإحساس في مواضع كثيرة من جسده، وخاصة تلك المرتبطة مباشرة بالجهاز التناسلي.
وفي مجتمعات ما زالت تخطو خطواتها الأولى ثقافة وممارسة نحو قبول الشخص المعوق كعضو لا يختلف عن غيره من أفراد المجتمع، يُعْتِبر التفكير في المعاشرة الزوجية بل ـ حتى ـ الحديث عنها من الموضوعات الشائكة والمستبعدة للجنسين. ويتم تناول موضوع الزواج بتحفظ وإيجاز شديدين، لذلك يتفشى الكثير من سوء الفهم والجهل عن هذا الجانب الهام من حياة فئة المعوقين حركياًً.
وقبل الاسترسال في هذا الجانب من الحديث، يجب التأكيد أنه لا صِحَة للاعتقاد أن معظم المعوقين حركيا مصابون بعجز أو غير قادرين على الإنجاب. إذ أن اختلاف موضع الإصابة في الظهر يحدد مدى شدة الضرر الذي يَلَْْحَقُ بالجهاز التناسلي ومن ثم القدرة على الزواج والإنجاب.
وثمة ثوابت لا يمكن تَجَاهُلََها وأنا أتطرق إلى موضوع مثل هذا ترددت كثيراً قبل الخوض فيه. فأنا لست طبيباً، ولكن يشفع لي أنني قرأت كثيراً في هذا الموضوع وخرجت بمُحَصِّلة من المعلومات عززها اطلاعي على تجارب خاصة ويمكن إيجازها في النقاط التالية:
* إن فقد الحركة لا يعني عجز الإنسان عن القيام بواجباته الزوجية.
* إن غياب الإحساس لا يعني غياب الحواس.
* إن غياب القدرة على القيام بواجبات الزوجية كسابق عهدها لا يعني غياب الرغبة في ممارستها.
ويشكل زواج المعوقين عنصرا هاما في مسيرة العمل نحو تحقيق الدَّمْج الكامل. فمن الأهمية بمكان مناقشة هذه القضية من كافة الجوانب دون الارتهان إلى ما قد يسببه الحديث المباشر من حرج لمن هم اطرافا في الموضوع.
إن غياب الدمج الكامل سواء في المدارس او اماكن العمل، بالإضافة الى العزلة الاجتماعية سواء كان سببها المحيط الاجتماعي او تلك التي تفرضها البيئة المادية، تساهم كثيرا في منع الانسان المعوق عن الوصول الى الاماكن التي يلتقي فيها الناس حيث يصبح وجوده مألوفا ولا يقع عليه أي نوع من التمييز.
وتشكل القوالب النمطية للتفكير والمفاهيم الخاطئة عن قدرات المعوقين الذهنية والجسدية وعجزهم عن القيام بحقوقهم الزوجية او عدم قدرتهم على العناية بالأطفال وتربيتهم التربية الحسنة على غرار أي أبوين صالحين، عقبة في طريق ممارسة المعوقين لأبسط حقوقهم الآدمية! فكيف لمن تكون حياته عبئا على اسرته، وعاجزا عن تامين الطعام لنفسه ان يفكر بالزواج ويطالب بتكوين أسر خاصة به؟!
بيد أن الأبحاث والدراسات الاجتماعية والتجارب المعاشة لكثير من المعوقين، تؤكد أن "الإصابة في العمود الفقري" لا تحول دون الإنجاب أو اكتساب المهارات الأبوية للاعتناء بالطفل وتربيته. صحيح أن بعض المعوقين ونتيجة لشدة إصابتهم يتعذر عليهم حمل الطفل والعناية به جسديا كإطعامه وتغسيله، لكن يمكن التغلب على ذلك في المجتمعات العربية بمساعدة الأهل والأقارب.
إن تغيير المفاهيم الاجتماعية السلبية تجاه المعوقين يمكن أن يبدأ بالطفل في البيت مرورا بالتلميذ في المدرسة والصبي في الحديقة والشاب في الجامعة وأماكن العمل.. هذا إذا أردنا فعلاً تأسيس مجتمعات متحضرة تسمو بأعرافها وتقاليدها إلى فضاءات إنسانية رحيبة من اجل مستقبل واعد يكفل العدالة للجميع ولا ينتقص من إنسانية فئة من أبناء المجتمع ولا من حقهم في الحياة الكريمة.
شكرا لحسن إصغائكم..


من واقع تجربة شخصية


وحتى لا يكون الكلام ضربا في الهواء.. اسمحوا لي قبل الاستطراد فيما أنا بصدد الحديث عنه ألا وهو "تكافؤ الفرص.. بين العوائق الاجتماعية الحواجز المادية" ذكر بعض المواقف الشخصية التي تعرضت لها في بداية تجربتي مع الإعاقة والتي تعزى إلى افتراضات خاطئة عن المعوقين وطبيعة الإعاقات.
عندما عدت إلى عمان بعد أن أمضيت تسعة أشهر في بريطانيا للعلاج والتأهيل، لا شيء كان يقلقني أكثر من لقاء أهلي، وخاصة والديي، الذين أعرف أن عيونهم الحزينة ستلاحقني في كل كلمة أو حركة.
ظني كان في محله، فقد اختلط الأمر عليهم أول ما رأوني.. كانوا سعداء بعودتي، ولكن أيضا حزينين لمشاهدتي على كرسي متحرك! فكان عليّ بذل جل جهدي للسيطرة على توتر مشاعري الذي أثارته تلك النظرات المتفحصة.. المحتارة، والمتسائلة!
وحاولت قدر ما استطعت التقليل من وطأت تأثير مظهري الصحي الجديد عليهم، وأنا أبين لهم: أني لم ولن أعترض على قضاء الله وقدره، وليس بوسع أحد أن يبدل من الأمر شيئا، ولكن سأحاول، وبمساعدتهم، أن أعيش بهذا الوضع هانئا بما قدر الله لي في هذه الدنيا، وأن أستفيد بما يتاح لي فيها بأفضل شكل ممكن، ولا خيار آخر أمامي غير ذلك.
لقد كنت مدركا أن التغيير المفاجئ في وضعي الصحي سيثير ردود أفعال مفهومة ومتوقعة بين أفراد أسرتي وأصدقائي.. فهم جزء من المجتمع ولربما لديهم نفس الأفكار المشوشة عن المعوقين.
وكنت تعلمت خلال فترة التأهيل في بريطانيا أن أكون تلميذا يحسن الإصغاء، وتعلمت بعد عودتي إلى عمان أن أكون "معلماً" يجيد الشرح والإجابة على الأسئلة لكي أساعد أهلي وأصدقائي والناس المحيطين بي على فهم إعاقتي ومن ثم إعادة صياغة مواقفهم من الإعاقة والمعوقين!
فأمضيت الأسابيع الأولى بينهم أحاول التعبير عن شعوري تجاه إعاقتي من خلال مناقشة تبعاتها الصحية والنفسية والاجتماعية دون مواربة أو تردد! وأؤكد لهم، بالتصرف حيناً والحديث حيناً آخر، أنه لم يطرأ عليّ تغيير لمجرد أني فقدت القدرة على المشي واستخدم الكرسي المتحرك للتنقل من مكان لآخر بدلا من قدميّ، وليس هناك أي سبب يدعو للافتراض أن شخصيتي ونظرتي لنفسي وللآخرين، وقدراتي الذهنية أو أية صفات أخرى تغيرت نتيجة لوضعي الصحي الجديد!
كما واجهت في الفترة الأولى من سنوات تجربتي مع الإعاقة بعض مصاعب المعاملة الخاصة ـ أو ما يطلق عليه التمييز الايجابي ـ حيث كان أهلي يتحاشون المواقف التي قد تزعجني وتثير أعصابي. فانا ككل الناس، أغضب وأحزن لسبب أو لآخر، لكن غضبي أو حزني كان ينعكس سلبا على المحيطين بي. ورغم أني أدرك تماما أنه لا يجب أن اخفي شعوري أو وجعي، وليس المطلوب مني أن أكون قويا أمامهم، فهم أهلي وأصدقائي، إلا أن ردود أفعالهم ـ المبالغة فيها ربما ـ تجاه مشاعري العادية كانت تضاعف من الإحساس أن وطأت إعاقتي عليهم لن تقتصر على متطلباتي المادية وحسب، بل ستشكل لهم عبئا نفسيا يتجاوز في تأثيره كل شيء آخر!
"النظرات المستغربة".
وعندما بدأت أخرج إلى الأماكن العامة (مركز تجاري، مطعم، حديقة، وسواها) تعرضت كثيرا لمواقف يمكن تسميتها "النظرات المستغربة". فقد كانت حركة بعض الناس تتوقف فجأة حالما أدخل المكان وتسلط الأنظار نحو وكأني نزلت للتو من مركبة فضائية لكائنات غزت الأرض من كوب آخر.
كان وقع تلك النظرات والمواقف في البداية مزعجاً.. وكان مربكاً، وبغيضاً أيضا. وكنت لا أجد خيارا آخر غير ترك المكان وأنا أجر خيبتي، وأخفي ضيقي.. واستر كآبتي!
وعلى عكس ذلك، يتفادى بعض الناس "النظرة العابرة" إليّ ظنا أن ذلك قد يسبب لي حرجا أو أني سأسي تفسير تلك النظرات.