أ و ر ا ق

قراءة في تَجرُبَة كتابة "مذاق الصبر"

قراءة في تَجرُبَة كتابة "مذاق الصبر" وذلك من خلال رؤى نقدية لـ: د. سعادة الفارسي، د. ضياء خضير، د. سليم صابر، والاستاذ ناصر الغيلاني
يقول الناقد والكاتب العماني ناصر الغيلاني في صدر قراءته "سيرة الذات والمكان.. قراءة في كتاب مذاق الصبر":إن الكتابة عن تَجرُبَة مؤلمة مثل تَجرُبَة الإعاقة تشبه مِقصَلة تطوّح بعالم المرء الواسع وتُدخِله في سراديب الألم والعذاب والوحدة.. وتعني فتحاً لأبواب الجحيم من جديد وتأجيجاً للشقاء والمعاناة, أن تُكتُب يعني أن تعيش مرة أخرى على صعيد المُخيّلة الصدمة الصاعقة التي ترج العروق وتخض الروح وتبعث تاليا حالة من البُكاء المتواصل.
لعل الخوف من استرجاع تفاصيل تَجرُبَتي مع الإعاقة وخاصة تلك المرتبطة بمعاناة السنوات الأولى.. الأكثر ألما، والأكثر ترسخا في ذاكرتي، وبالتالي "فتح أبواب الجحيم" كما أشار الغيلاني في قراءته.. لعل ذلك كان بعض أسباب ترَددي وتأخري في بدء الكتابة عن إعاقتي، بيد أن تواضع قدرتي على صياغة هذه التَجرُبَة في قالب أدبي يُتيحُ لي التعبير عن مُختَلف مكامنها دون الوقوع تحت تأثير وجع المعاناة الشخصية والانحراف عن مصداقية البوح.. شكلت هاجسا آخر كان تأثيره قويا ومؤلما أيضا!
يقول الشاعر الإنجليزي كولريدج: إن حياة أي إنسان مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا رُويت بصدق. ومعنى ذلك أن المُتعة تحتاج إلى الصدق والسيرة الذاتية هي استعادة حرفية للوقائع ـ أي أنها الصدق بكل أبعاده. ولكي يكون هذا الصدق مُمتعا لابد من تجسيده في قالب يَرقى به إلى الذائقة الأدبية، وهذه كانت مَهمّة شاقة تطلبت كثيرا من الجَهد بغية الوصول إلى الخطاب أو الأسلوب المناسب لبلورة مُختَلف عناصر التَجرُبَة وبما يَتَلاءم مع خصوصيتها إذا أرَدتُ لفعل الكتابة نقل هذه التَجرُبَة وتبليغ رسالتِها على النحو المطلوب.
ولقد عبرت الأديبة العمانية الدكتورة سعادة بنت خاطر الفارسي في سياق قراءتها "بين مأساة البطل الأسطوري.. وموروث الصبر الأيوبي" عن إشكالية المُرَاوحة بين ألم تَجرُبَة المرض ومعاناة تَجرُبَة "البوح" حين قالت :.. إن اللقطات ذات الوجع والنبْض الإنساني كثيرة ولافتة للنظر, وهذا يتناسب مع الصراع المشحون بالتوتر والقلق الدائر داخل الذات نتيجة لمأساوية الحدث والرغبة في الحديث عنه.
ويؤكد الدكتور ضياء خضير، الكاتب والناقد العراقي المعروف، في قراءته القيمة "حين تصير الكتابة مُعادٍلا للجسد المشلول" أن موضوع الكتابة ومضمونها يمكن أن يصنعا شكلها المناسب ويجعلا النص مقروءاً، بصرف النظر عن طبيعة الجنس الأدبي الذي يُوضَع فيه، إذا ما توفر لصاحبه قدر مناسب من الإرادة والوعي بضرورات الكتابة".
لماذا اكتب، وماذا اكتب، ولمن اكتب؟
لقد جئت في توطئة الجزء الأول من الكتاب على أسئلة ظننت أني أستطيع من خلال طرحها فتح آفاق ورؤى تتيح لي رسم الخطوط العريضة لما أنا بصدده! وكان السؤال الأبرز والأكثر إلحاحا هو ماذا تستطيع الكتابة أن تفعل.. أو بسؤال آخر لماذا اكتب? هل فعل الكتابة قادر على نقل نَبضْ الألم وتَرْجَمة بؤرة التوتر الداخلي? وما جدوى الكتابة عن تَجرُبَة شخصية يفترسها الضنى وتهيمن عليها القسوة ويعتصرها الألم؟ هل في الحديث عنها ونَقلها إلى الآخر وإطلاعه على تفاصيل تَبَعاتِها على الروح والجسد, ومشاركته أوْجَاعَها وتبيان كيفية الانتصار عليها فيه ما يُفيد ويُمتع؟
نعم.. لقد كانت هناك رغبة ضاغطة لإزالة طنين الأسئلة والإجابة على تلك التي تدور في رؤوس الآخرين.. سواء المقربين الذين يجدون في السؤال المباشر تجرعا للألم أو لدى الغرباء الذين تملأ عيونهم الدهشة والرثاء تجاه الشخص المعوق والافتراض أنه لا يحتمل السؤال وليس لديه الرغبة والاستعداد للإجابة عن ما يدور في أذهانهم من تساؤلات يترَددون في طرحها تفاديا للإحراج.
وهكذا قررت أن أكتب في محاولة أردت بها كشف تجربتي مع الإعاقة والأبعاد المختلفة للإصابة وإعادة النظر في طبيعة وضعي الاجتماعي ووجود الآخرين من حولي، والتوضيح أن التصالح مع الإعاقة لا يعني قبول تبعاتها والرضوخ لشروطها، وإنما يعني توظيف تلك التبعات لتعزيز مُقَوِّمات شخصية تصر على حقها الكامل والغير منقوص في الحياة!
وهي ليست رسالة استجدي بها شفقة الآخرين تجاه المعوقين وإنما لإثارة الانتباه ودعوة بعضهم إلى أن تتجاوز نظراتهم للمعوق الأجهزة التعويضية التي يستعين بها للتغلب على القصور الوظيفي في جزء من جسده.. وان كانت تلك الإشارة جاءت في الكتاب بنبرة استشعر بعض الناس فيها شيئا من قسوة وذلك عندما أشرت إلى أن "ثمة أشخاص لا يتجاوز مجال رؤيتهم أطراف أنوفهم ويَصْعَبُ عليهم النظر إلى المعوقين أبعد من الأجهزة التعويضية: كرسي متحرك وأطراف صناعية وسواها".
وليس غريبا ـ يقول للدكتور ضياء ـ أن تُصبح الكتابة مُعَادِلاً حيّاً لجسدٍ مُصَابٍ ومشلول، وبحثاً عن طاقة روحيّة إضافية، وتحريراً لإرادة من شأن امتلاكها أن يَقلُب الصورة، ويُضفي معنىً جديداً على الأشياء والكائنات، ويجعل الاستمرار في الحياة، أو ما تبقى منها ممكناً، ومرغوبا فيه أيضا.
أما الدكتورة سعادة فترى أن هدف الكاتب غير المعلن هو تقديم المعاق وعالم الإعاقة بشكله الصحيح ـ لا بانطباعاتنا "المقولبة". ومن ثم كثرت الجرعة الثقافية في الجزء الأول عن عالم المعاق الداخلي والخارجي, وكيفية التعامل معه, وكيفية تقبله كفرد منتج وسليم عقليا وكيفية تسهيل انخراطه في المجتمع من قبل المؤسسات والأفراد وهي جرعة ثقافية غاية في الأهمية, ونحن في أمس الحاجة إليها, وكلنا ـ حتى من يدعى الثقافة منا ـ تتدنى معلوماته في هذا المجال.
ماذا أكتب؟
أحد الأصدقاء بسط الموضوع، قال: الأمر لا يتعدى كتابة ما حصل لك، وما ترتب عليه فيما بعد! ولعل الكتابة عن تجربتك تشبه "الفضفضة" عن كرب ومتنفسا لإراحة البال. لكن صديقي هذا لم يوفق في نصيحته تلك، لأن الكتابة ـ لمن لا يملك مُقوِّماتها ـ ليست "فضفضة" ولا تريح البال، وكانت بالنسبة لي كابوساً جثم على صدري طوال أشهر عانيت خلالها كثيرا وأنا أعصر محصلتي الأدبية واللغوية ـ المتواضعة ـ لصياغة الجمل وترتيب الفقرات والكلمات في قوالب ترضيني.
كما أن الإقدام على كتابة تَجرُبَة شخصية ذات خصوصية شديدة.. أي كتابة سيرة ذاتية في بيئة مثقلة بقيود ومُحَرَّمات اجتماعية كثيرة وفي ظل غياب موروث اجتماعي ثقافي يُبيح هذا النوع من الكتابة كان مخاطرة لم أدرك اشكالياتها في بادي الأمر. فحياة الإنسان ـ أيا كان ـ نتاج ماض لا يقتصر على تجاربه الذاتية فقط، وإنما تتداخل معها تجارب آخرين. وهذا الشعور دون شك حجب جوانب كثيرة كان ينبغي قولها، ولكن البوح بها يشكل حرجا ليس لي وحسب، بل أيضا لمن كانوا أطرافا في هذه التجربة، وهذا ما جعلني أتحاشى ذكر تفاصيل لا يحق لي الخوض فيها!
ورغم أن بعض من نقد الكتاب يُعزي كتابته إلى الحاجة التي أفرزتها المعاناة الدائمة مع الإعاقة، التي يترتب عليها مواقف اجتماعية تضع المعوقين في خانة المُستحِقين للرعاية والإعالة والمهمش دورهم دون النظر إلى إمكانياتهم الفردية وقدرتهم على العطاء كسواهم من الناس، إلا أن كتابة "مذاق الصبر" لم تكن ـ بالنسبة لي ـ تعويضا عن قصور أصاب جسدي، فأنا لا أشعر بأي نقص ولست مسكونا بهاجس إثبات الذات للآخرين وبالتالي البحث عن بدائل تعوض ما أفتقره. ولا أذيع سرا إذا قلت أني الآن أكثر رضا وقبولا لذاتي من أي وقت مضى‍.
وفي سياق "قراءات من مذاق الصبر" نُشرت في مجلة المنال، يقول الأديب والطبيب اللبناني الدكتور سليم صابر: من الطبيعي أن نشعر ساعتئذٍ بثقةٍ أكبر بالنفس، فما كنا قبل قد انتهى وولى إلى غير عودة، وما نحن عليه الآن هو مُختلِف، ويختلف باختلاف نظرتنا لنفسنا وللحياة. وإن كنا قد تخطّينا الإعاقة بكلّ ما يترتب عليها من رواسب ومشقّات، يصبح إذًا من السهل تخطي الذات باعتماد ثقةٍ أكبر أعطتنا إيّاها الإعاقة نَفْسَها بمجرّد أننا بقينا هاهنا لنقول كلمتنا ولم نرحل!
وفي هذا يقول الدكتور ضياء: ربما كان التناقض بين هذه الروح العلمية والوعي العقلاني من ناحية، والرغبة المشلولة للجسد من ناحية أخرى، هو الذي يؤلف البطانة الداخلية المتفجرة لقوة التعبير في الكتاب.
ولمن أكتب؟
لقد كنت على قناعة ـ ولا أزال ـ أن تَجرُبَتي مع الإعاقة بذاتها ليست مجالا لاستخلاص العبر وإنما تداعياتها وتَفاعُلها مع المحيط الاجتماعي أضفت عليها بعدا عاما وحولت بعضاً من المواقف الشخصية إلى ملامح تتجاوز الإطار الذاتي.. ملامح ربما يلمس بعض الناس فيها صوراً لأشخاص كان جُل ما يَرْبُطهم بهم الشفة والرثاء ليس إلا. وإذا كان الكتاب حسب قول الدكتور سليم قد أعطى الإعاقة موقعًا مميزًا لم يكن معروفا من قبل، وأعطي المعوّقين حقّهم في ما يسعون إليه من تفهّم ومطالبة بالاندماج الكامل في مجتمعهم، فذلك كان جُل ما سعيت إليه وأردته!
وكنت أظن أن الكتابة عن تَجرُبَة شخصية ذات خصوصية تهم فئة معينة في المجتمع (أي المعوقين) ستلقى قبولا وترحيبا أكثر بين أفراد هذه الفئة، إلا أن الرسالة وصلت أيضا وبقوة إلى أفراد المجتمع الآخرين، وهذا ما كنت أطمح إليه ولكن لم أتوقع حجمه والتجاوب الذي حظي به في الساحة الأدبية‍.. ليس لخصوصية مادته وحسب وإنما لشفافية وأسلوب طرحه حسب رأي إحدى القارئات التي تعتقد أن بساطة الأسلوب ساهم في هذا الاستقبال الذي حظي به الكتاب، حيث قالت:" أسلوب سلس مباشر يبتعد عن الغموض وهذا ما أميل إليه بهذه النوعية من الكتب حيث أني أحتاج أن يصلني ما بداخل الكاتب وليس ما بداخلي أنا"
ويقول ناصر الغيلاني عن ذلك:.. قد يذهب البعض إلى أن خصوصية التَجرُبَة التي عانى منها المؤلف كانت عاملا محرضا, إلا أن تَميّز النص, وجمالياته, وما به من إبداع فني هو السر الأول في نجاحه وتزايد الطلب عليه. ويعتقد الغيلاني أن نجاح مذاق الصبر في تقديم سيرة صادقة عن الذات وما حاق بها من تجربة أليمة وقاسية وتوصيف تعاملها الفريد مع هذه التجربة الإنسانية.. حقق لمذاق الصبر مكانة مميزة في الكتابة السردية العمانية المعاصرة, وهذا ما يفسر سر الاحتفاء بهذا العمل منذ صدوره من قبل الجمهور العماني, حيث أنه حظي بقراءة واسعة لم يحظ بها أي كتاب عماني من قبل.
وظني أن صدق البوح في كتابة هذه السيرة أتي في المقام الأول، فقد عَنَت النصوص برواية ما حصل بالفعل بغض النظر عن فخامة اللغة ورنين الكلمات، ولعل هذا يُفسـر ردود الأفعال التي عبر عنها قراء كثر بأشكال وأساليب مختلفة.
ويأتي الدكتور ضياء في سياق قراءته على بعض ما أشرت إليه في توطئت الكتاب من أن الغايات التي عَنَيْت بها أن يجد الناس في نصوص الكتاب ما يفيد ويمتع، حيث يقول: الواقع أن جانبي المتعة والفائدة مندمجان في الكتاب على نحو غريب.. إن خساراة المؤلف وأرباحَه هي خساراتنا وأرباحُنا جميعاً. وذلك لا يحدث فقط أننا نعاني مثله من محنة الوجود، ومـن هشاشة الذات، وخفة الكائن الإنساني، وإنما، لأننا كبشر، معرّضون مثله للخسارة بل لما هـو أسوأ منها، وهوـ الموت في الحياة، اعني فقدان الإحساس بجدَّة الأشياء، وعدم الشعور بمعاناة الآخرين.
ــــــــــــــــــ
ورقة قدمها الكاتب في ندوة "اعاقتنا لن تحد من ثقافتنا" / قطر مايو 2004