ندوة القصة القصيرة العمانية.. أفق التحولات
»2001 ـ 2006 «
توظيف المتخيل الشعبي في القصة القصيرة
» دراسـة«
النادي الثقافي »10ـ11 نوفمبر 2007«
إعداد: محمد عيد العريمي
تمهيد
"حين وصلت إلى سلطنة عمان لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام لم أكن أعرف عنها إلا
القليل، لكنني ما لبثت أن وجدتني أمام منجم مليء بالكنوز"‹1›، بهذه العبارة استهل
الكاتب والقاص المصري يوسف الشاروني كتابه "قصص من التراث العماني" الصادر عام
1986، والذي جمع بين غلافيه 45 حكاية شعبية.. سمعها من أفواه رواتها.
وفي مكان آخر من مقدمة كتابه قال الشاروني: "إن من يقرأ هذا الكتاب يتفق معي أن
التراث الأدبي العماني ـ شأنه شأن كل أدب عظيم ـ تكمن عبقريته في أن إغراقه في
محليته هو الذي يهبه إنسانيته وعالميته".‹2›
الملاحظ أن جميع رواة حكايات كتاب "قصص من التراث العماني" تجاوزوا الستين من
العمر... وهذا مؤشر خطير يدل على أن "الإبداعات الأدبية الشعبية لاسيما الحكايات،
التي تنتقل مشافهة من جيل إلى آخر، آيلة إلى النسيان.
***
وإلى جانب كتاب الشاروني "قصص من التراث العماني"، هناك كتاب "الحكاية الشعبية
العمانية" لعبدالله بن حمد الوهيبي، وكتاب "البصراويات والعماني" لعيسى بن حمد
الشعيلي.
وتجدر الإشارة أيضا إلى الجهد الذي بذله الشاعر سماء عيسى حيث أولى هذا الجانب من
تراثنا الشعبي اهتماما خاصا وعمل على إعادة كتابة ونشر عدد من النصوص السردية
استلهمها من التراث الشعبي لاسيما الحكايات الشعبية، وكتب مقالات أخرى تُعنى
بمواضيع التراث المنقول مشافهة ووظف الموروث الشعبي في بعض من الفنون المرئية التي
اضطلع بكتابة نصوصها.
وشهدت المكتبة العمانية هذا العام، 2007، صدور كتابين وثقا الحكاية الشعبية
العمانية في شكلين مختلفين: الأول بعنوان "حكايات شعبية من ظفار.. حكايات جدتي"
قامت بجمعها وإعدادها خديجة بنت علوي الذهب من "مصادر موثوق بها" بحسب إشارتها في
مقدمة الكتاب‹3›.
والكتاب الآخر بعنوان "قالت لي جدتي" الذي جاء على شكل مجموعة قصصية، وإن احتفظت
القصص بشكلها الحكائي مع تصرف طفيف من القاصة فاطمة قلم الهنائي. وضم الكتاب عددا
من الحكايات الشعبية المعروفة في المناطق الداخلية من عمان‹4›.
الدراسـة
تمثل الحكاية الشعبية، بوصفها إبداعا أدبيا، إلى جانب الموروثات الأخرى من حكم
وأمثال شعبية ومعتقدات منهلا خصبا لإمكانية توظيفها فنيا في الأجناس الأدبية
المختلفة وخصوصا السردية منها ليعكس الكاتب من خلالها دلالات رمزية وإيحائية لاسيما
في القصة القصيرة.
هذه الدراسة تسعى، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، إلى تقصي مدى استلهام كتاب القصة
القصيرة لـ"المتخيل الشعبي" وتوظيف عناصر الحكاية الشعبية فنيا في إبداعاتهم
القصصية، لكن قبل الاستطراد في هذه الدراسة لابد أن نسأل: ما هو "المتخيل الشعبي"؟
إذا ما أردنا تعريف المتخيل الشعبي، فيمكن القول أنها حكاية من إنتاج معرفي جماعي
تنتقل مشافهة من راوية إلى راوية آخر، وتتداول من جيلٍ إلى آخر. "وهي حلقة متصلة
متجددة دائما بين ما هو قديم أصيل من التراث الشعبي وما هو حديث يستمد وجوده من
الشعب".‹5› ويشكل "المتخيل الشعبي" مع الإبداعات الأدبية الشعبية الأخرى كـ: الحكم،
والأمثال، والقصيد، والأهازيج، والألغاز، بالإضافة إلى العادات والمعتقدات،
والموروثات الشعبية الأخرى، ما يعرف اصطلاحا بـ"التراث الشعبي".
وعُرِفتْ الحكاية الشعبية في عمان بأسماء مختلفة: كـ"خروفة من زمان".. و"الخرافة".
وهناك أنواع كثيرة من الحكايات الشعبية: الحكايات الاجتماعية والحكايات الدينية،
وحكايات الجن والعفاريت والسحرة، وحكايات الخوارق، وحكايات الحيوان، وحكايات العظة
والاعتبار، وحكايات الفُكَاهَة والتندر. وللحكاية، كالقصة، بداية ونهاية وتمتاز
بالتماسك وقوة الحبك والبناء، وتقوم عادة على حوادث مهمة، وغالباً ما تكون غريبة.
بين الحكاية الشعبية والأسطورة
ثمة من يخلط بين الحكاية الشعبية والأسطورة. تختلف الأسطورة عن الحكاية الشعبية من
زوايا عدة "أبرزها أنها تعود في الأصل إلى الديانات المبكرة وأبطالها هم من
الملائكة والآلهة وأنصاف الآلهة، وهو ما جعل الأسطورة تُطبع بالقداسة، فضلا عن
لغتها الرفيعة"‹6›.
ولعل أهم أوجه الاختلاف أن الأسطورة تنمو وتتشعب لتنتقل من مكان إلى آخر ومن زمن
إلى آخر، بل ومن لغة إلى أخرى عبر تزاوج وتثاقف فكري وحضاري في حين تبقى الحكاية،
على وجه العموم، حبيسة بيئتها ولغتها.
فعلى سبيل المثال نجد أسطورة "أدونيس وعشتار" في التراث البابلي واليوناني
والروماني والفينيقي، وان اختلفت التسميات للشخصيتين الأسطوريتين "عشتار" و"أدونيس"،
واختلفت اللغة المكتوبة بها والحضارة التي تنسب إليها، إلا أن الأسطورة حافظت على
ملامحها وخصائصها وأبعادها الأسطورية، ومدلولات رموزها". و"يلاحظ أن أسطورة "شهرزاد
وشهريار" في ألف ليلة وليلة لها أبعاد اجتماعية وسياسية وفكرية في التاريخ الذي
يمتدّ إلى الحضارات الهندية والفارسية والعربية"‹7›.
القصة القصيرة و وارتباطها بالموروث الحكائي
ارتبطت القصة القصيرة في الآداب الغربية بالموروث الشعبي الحكائي وبالحكاية
الخرافية على وجه التحديد إلى أن ظهر من ينظر إليها وينتشلها من التأثر المفرط
بالموروثات الحكائية في النصف الأول من القرن التاسع على يد إدجار آلان بو “1809 ـ
1849“‹8›. وإن لم تسلم قصص "بو" نفسها من التأثر بالموروث الشعبي الخرافي المتمثل
في الأسطورة أو ما يسمى بقصص الأشباح.
وخلال سـعيهم لإيجاد قالب خاص للقصة القصيرة أقرب إلى الأنموذج الغربي، الذي كان قد
استوى، حينئذ، في قصص الأدباء الروس وعلى رأسهم تشيكوف، والفرنسيين من أمثال جي دي
موبسان، وبالطبع إدجار آلان بو، ابتعد كتاب القصة العربية في بداية نشأتها عن
الموروث الحكائي خوفا من التباسها بالحدوتة الشعبية أو تأثرها بالحكاية الشعبية،
التي كانت، حينئذ، أعلى صوتا وأكثر تأثيرا في حياة الناس.
ويرى الدكتور عبد الحميد يونس، الذي يعد على رأس المدرسة المصرية المهتمة بالتراث
الشعبي أن القصة القصيرة العربية ظلت بعيدة لما يربو على أربعين عاما عن الموروث
الشعبي.
***
ابتعد كتاب القصة القصيرة العمانية خلال التسعينيات من القرن الماضي، وهي الفترة
التي شهدت تحولا من الشكل التقليدي للقص إلى محاولات قص حديثة في الشكل والمضمون،
عن الاستفادة من "المتخيل الحكائي" في تجاربهم القصصية.. اعتقادا أن تطوير أساليب
السرد والحداثة بمفهومها "اللفظي"، وحداثة التجربة بما تمثله من بحث دائم عن
التميز، وخرق القواعد المتعارف عليها، ومعانقة المغامرة والأفق المفتوح للإبداع
والتألق" لا تتماشى مع طبيعة الحكي الشعبي الذي يمثل، في نظرهم، موروثا يرتبط على
نحو كلاني بزمنه وبيئته وظروف إنتاجه.
وكان هؤلاء يظنون أن الأدب الشعبي لاسيما الخرافة والحكاية نوع من الجهل وتزييف
للعقل والمنطق، فنعتوه بالجمود والتخلف، وكان رأيهم أنه يمثل مرحلة من مراحل القصة
يجب أن لا نوليه اهتماما.
القصة القصيرة العمانية
تحتل القصة القصيرة في المشهد الأدبي العماني مكانة متقدمة. ومن خلال تتبع تطور
أشكال القص من حيث ابتكار أساليب وأنماط جديدة للسرد، يمكن القول أن القصة القصيرة
غدت خلال العقدين الأخيرين الإبداع الأبرز في كتابة الأجناس الأدبية وأكثرها
إنتاجاً وتنوعاً وغنى، وشكلت معلما متميزا في الحركة الثقافية العمانية.
ويتجلى حضور القصة القصيرة في الفترة الأخيرة من خلال زيادة عدد الإصدارات القصصية،
وظهور أسماء جديدة مقارنة بما كان عليه الحال في العقدين الماضيين. ولعل فوز القاص
سليمان المعمري بجائزة يوسف إدريس يؤكد أن القصة العمانية سجلت أيضا حضوراً قويا في
المشهد السردي العربي.
ولا أبالغ إذا قلت إن عدد المجموعات القصصية التي صدرت خلال السنوات السبع الأولى
من هذا العقد تجاوز عدد ما صدر منها خلال العقدين الماضيين. فما بين "سور المنايا"
للمرحوم احمد بلال، وهي أول مجموعة قصصية عمانية، والتي صدرت عام 1981، و"ما قالته
الريح" لمحمد سيف الرحبي، التي صدرت عام 1999، هناك حوالي 40 مجموعة قصصية في حين
بلغ عدد المجموعات القصصية التي صدرت في السنوات السبع الأخيرة ـ ما بين مجموعة "حد
الشوف" لـ: سالم آل تويه، التي صدرت عام 2000، وعيون الفتى الميت لـ: ناصر المنجي
التي صدرت هذا العام، هناك حوالي 47 مجموعة قصصية.
ويمكن القول أيضا أن هذا العدد تجاوز بكثير ما صدر من دواوين شعر خلال الفترة
نفسها، وتفوق كتاب النص السردي على نظرائهم الشعراء إقبالاً على الاشتغال بالقصة
القصيرة في الآونة الأخيرة، بل أن عددا من الشعراء المتمكنين في المشهد الشعري
العماني، خاضوا تجربة كتابة القصة القصيرة أيضا.
توظيف المتخيل الشعبي في القصة القصيرة العمانية
لا ازعم إني استوفيت في هذه الدراسة، إن صحت التسمية، كل القصص القصيرة التي صدرت
ما بين عامي »2001ـ2006« سواء تلك التي نشرت في مجموعات ورقية أو في المجلات
الأدبية وملاحق الجرائد أو في المواقع الأدبية على الانترنت، لكن يمكنني القول أن
ما وقع بين يدي يمثل معظم ما نشر خلال السنوات الست الأخيرة.. وهي المدة التي تُعنى
بها هذه الدراسة.
تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة تأثير الموروث الشعبي في القصة القصيرة في عمان ليست
جديدة ولا هي بدعة، وترجع إلى بدايات كتابة القصة القصيرة على يد الأستاذ المغفور
له عبدالله الطائي، ونلاحظ ذلك على نحو أوسع وأعمق في قصص أحمد بلال، رحمه الله، في
مجموعاته الثلاث: سور المنايا، وأخرجت الأرض، ولا يا غريب، الصادرة، على وفق
ترتيبها عام: 1981، 1983، و1987.
ولاعتبارات تتعلق بالوقت، وتعذر الحصول على كل ما نشر من قصص خلال الفترة المعنية
بها الدراسة، رأيت أن أقف عند مجموعة من القصص القصيرة، التي يُمثل كتابها ـ حسب
رأيي ـ أفضل من استلهم مناخات الحكاية الشعبية ووظف تقنياتها في قصصه القصيرة.
توظيف المتخيل الشعبي في القصص القصيرة التي سأتناولها في هذا البحث جاءت على
مستويات متعددة من حيث الشكل والمضمون ومرجعية الحكاية؛ فهناك الحكاية التاريخية،
والحكاية الاجتماعية، وحكاية السحرة، وحكاية الخوارق.
ويتفاوت كتاب هذه النماذج فيما يتعلق بنوعية التوظيف، فمنهم من اخترع حكايته الخاصة
وعمد إلى تشكيلها بأسلوبه الخاص كما في تجربتيّ سليمان المعمري ومحمد سيف الرحبي،
ومنهم من لجأ إلى التناص في بث روح جديدة في حكاية استلهمها من التاريخ العماني
ووظفها في نص جمع بين الاثنين كما في قصة "ريا" لبشرى خلفان في حين استثمرت رحمة
المغيزوي حكاية لها جذور واقعية كما هو الشأن في قصتها "كاذية بنت الشيخ".
تجربة رحمة المغيزوي
كتابة "حكايات الجدة" في قالب يقترب من نموذج القصة القصيرة الحديثة.. تجربة أحسبها
رائدة للقاصة "رحمة المغيزوي"؛ فقد ضمت مخطوطتها المعنونة بـ""ذاكرة رائحة الحناء"
خمسة وعشرين نصا استلهمت عشرين منها من الموروث الشعبي بكل زخمه وثرائه: حكايات
شعبية، معتقدات، أهازيج، مأثورات مرتبطة بعادات وتقاليد المجتمع العماني وسواها.
في تجربتها هذه، استطاعت "رحمة المغيزوي" تضييق المسافة بين البناء السردي المعاصر
للقصة وأسلوب رواية الحكاية الشعبية، ونجحت إلى حد كبير، في إذابة الفواصل بين
"الخُرَّافَة"، كما يطلق عليها في الباطنة، والقصة القصيرة بشكلها الحديث.. أي
أنها، وهي تعيد كتابة الحكاية الشعبية، ارتقت بأسلوب "الحكي الشعبي" إلى مستوى
البناء السردي للقصة بتقنياتها الحديثة من دون أن تخل بشخوص ومناخات وأحداث الحكاية
الشعبية. وأكدت باستخدامها المفردات المحلية التي تظهر في نسيج القص أو في حوارات
شخوصها علاقتها الحميمية بالحكي الشعبي.
ويبدو أن القاصة، وهي تستحضر قصص جدتها وتفرغها على الورق، كانت مدركة أهمية ما هي
بصدده. فاسـتلهام الموروث الشعبي وإعادة صياغته بما يناسب أساليب القص الحديث يجب
التعاطي معه بحذر شديد، والكاتب هنا يتحمل مسؤولية أمانة أدبية، فهو لم يعد راويا،
ولم تعد الذاكرة وسيلة لحفظ الحكاية، ولا الحكي الشفاهي طريقة لانتقالها، وإنما
أصبح دارسا وموثقا، وإعادة الصياغة يجب أن تُعنى بالمضمون ، ولكن من دون الإخلال
بروح الحكاية.
رحمة كانت وفية لجدتها وهي تعيد صياغة المشاهد وتحافظ على تفاصيلها الصغير كقولها
في حكاية "بن عامر": »تلك الرائحة تشبه كل شيء: الطين والتراب ورائحة الخشب القديم
الممزوج مع العطور المعدة بطريقة تقليدية«.
وعندما تَدخلتْ لتوظيف الحكاية الشعبية في قصصها، تساندها أدوات "القص الحديث" بما
يمتاز به من إيحاء مكثف ونزعة سردية موجزة على غرار »أخذ يبحث بصوته كما يبحث
بيده«، أضفى هذا التدخل رائحة العصر من دون أن يقفل "باب المندوس" ويبقي رائحة
الحناء حبيسة مكانها.
في قصص مجموعة "ذكرى رائحة الحناء" هناك محاولة جادة لتسجيل ملامح بشر قبل أن
تفقدهم الذاكرة الجماعية، والفكرة التي ينهض عليها هذا العمل هي رسم ملامح وجوه
عاشت حتى ولو في الخيال، ولكنها أثرت في حياة الناس وشكلت جزءاً من معتقداتهم
ومفردات حياتهم اليومية قبل أن يطالها النسيان. وبجهدها هذا يحسب لرحمة المغيزوي
محاولتها حفظ الذاكرة الشعبية في منطقتها الباطنة.
***
لا يتسع المجال هنا لعرض قصص المخطوطة كلها، وهذه الدراسة لا تتقصى ذلك، ولكن حسبي
أن أقف عند قصة "كاذية بنت الشيخ"‹9›، وهي تستحق الوقوف عندها، ومن ثم يمكن قياس ما
جاء في القصص الأخرى عليها.
يُحيل عنوان المجموعة "ذاكرة رائحة الحناء" القارئ إلى الأجواء الشعبية العمانية
أوقات الفرح والأعياد والمناسبات السعيدة. فللحناء عند الجدات رائحة الفرح الذي
كان، وحين استعادت رحمة حكايات جدتها وأعادت صياغتها حافظت على نكهتها الأصلية
مثلما حفظ المندوس رائحة "حناء" جدتها.
في هذه الحكاية، وهي تمثل نموذجا حقيقيا في توظيف الحكاية الشعبية في القصة
القصيرة، وزعت المؤلفة نصها في ستة مقاطع مزجت فيها بامتياز الخيال بالحقيقة
والحكاية بالقصة، وظلت تنتقل برشاقة بين رواية حكاية "كاذية" كسارد بضمير الغائب،
وسرد قصة "تعلق القاصة" ببطلة حكايتها بضمير المتكلم.
***
لقد عمدتْ الكاتبة منذ البداية إلى تأكيد المناخ الشعبي للقصة، حيث يأتي مدخل
الحكاية، أو ما يدعى في لغة القص الحديث "الدهليز"، على شكل مسجوع، فعلى ألسنة عدد
من الرجال يجمعهم مجلس سهر، ويتناوبون كل ليلة على رواية حكاية، أو "خرافة" كما
أسمتها المؤلفة، تبدأ الحكاية: »في خرافات شيوخ الباطنة عن رجلين الأول ضحك وقسموه
نصين ودفنوه مرتين تأكله غيلان الأرض والثاني بكى ويأكل بأصابع رجله«.
ومع تقدم السرد تتضح قصة الفتاة "كاذية بنت الشيخ" بالرجلين؛ فهي تحب رجلا وأرغمت
على الزواج من غيره: »زوجوها منه وهي روحها مع غيره«، ولكنها لم تذعن لما آل إليه
حالها، فحاولت قتل من أرغمت على الزواج منه وقتل نفسها: »في ليلة عرسها حرقت بيت
الطين في رأس التلة وصار الحرق في الطين وفي يد زوجها«.
المفارقة في موقف شيوخ الباطنة، الذين أمضوا سهرة تلك الليلة وهم يستمعون إلى
الحكاية، أنهم أبدو تعاطفا مع بطلة القصة، الفتاة العاشقة، حيث يؤكد أحدهم طهارة
علاقتها بمن تعلقت روحها به: »"ترى الكاذي ريحتها من الجنة«.
***
ولقد أبدت المؤلفة قدرة على المناوبة بين ما نُقل مشافهة من الحكاية الشعبية
والتكوين البنائي للقصة القصيرة الحديثة حيث انتقلت بعد المقطع الذي اختصرت فيه قصة
"كاذية" بلغة وأسلوب الحكي الشفاهي إلى المقطع الذي بعده مستخدمة تقنية السرد
الحديث، كما في قولها: »صرت أتقاسم معك الشمس والغربة« و»من أين لي أن أعرف؟ أنك
وقود حديث السهرات في كل مساء.. وأنك بين الأحاجي والخرافات تتنفسين في ذاكرتي«.
ووظفت رحمة الحكاية في نصها السردي هذا لتعبر عن موقف شخصي تجاه قضية اجتماعية لم
تكن حكاية "الكاذية" غير دلالة رمزية لها، فهي لم تكتفي بسرد الحكاية كما سمعتها
وإضافة ما يخدم المضمون، وإنما شاركت كواحدة من شخوص القصة: »إنني أسكنك وأعيشك..
«مُؤكِّدة أن هناك تَقاطُعا بين الشخصيتين: الكاتبة والمكتوب عنها. وظهور ذلك لا
يقتصر على بنية الحكاية، وإنما تعزز بتقطيع مسار السرد، والمناوبة بين ضميريّ
السارد: الغائب والمتكلم كما أشرت سابقا.
فتعبر بعبارات مجازية عن حبها لـ"كاذية" من خلال تشبيه ما تعرضتْ له أمها على يد
والدها: »صرت أتقاسم معك الشمس والغربة التي بدأت منذ ذلك اليوم الذي ضرب فيه أبي
أمي وأسقطها على الشوك وسال شق من الدم بين نهديها«.
ولجأت القاصة في مقطع آخر إلى عجائز الباطنة وشيوخها، وألقت بعض حملها في أفواههم:
»أنك تعيشين في أحاجي عجائز الباطنة، وتموتين في خرافات شيوخ الباطنة، وأنك بين
الأحاجي والخرافات تتنفسين في ذاكرتي«.
وتقول شريفة بنت الخير: »عن حرمة لبست "الثوب العود" ريحتها من الرويحينه وعطرها من
الكاذي والمسك وشعرها من الليل والآس. عن حرمة حامل وما هي حامل يوم وضعت كان الموت
ولدها«. وقالت ريا مخلفة مصبح: »هذي "الكاذية" يوم مات عشيقها غرقت نفسها في البحر
وصار شجرة يبات فيها روح كل مظلوم فروعها في الهواء وعروقها في الماء«. وقالت أمي "هنية":
»هذي "الكاذي بنت الشيخ" ريحتها في المكان اللي تمر به تبقى شهر«.
ومن الطبيعي أن لا تكون علاقة الكاذية العاطفية بذلك الرجل معروفة لسكان القرية،
إلا أن "الكاذية" قررت حين اختارت الموت أن تضع حكاية حبها وسبب قتلها على كل لسان،
وفي الوقت نفسه، أن يأتي قتلها من قبل أهلها على خلفية "شرف العائلة": »هذي الكاذي
بنت الشيخ يوم بغت من أهلها يذبحوها خلت القماش تحت ثوبها، وقالت للحارة إنها حامل
من عشيقها«.
وبذلك أرادت "الكاذية" أن تُخلّد قصة حبها، وفي الوقت نفسه حفظ ماء وجه أسرتها. فلو
كان طلبها للموت بقصد تدارك الفضيحة التي ستلحق بعائلتها لحاولت الانتحار مرة
ثانية، أو طلبت قتلها سرا من دون أن تعلم الحارة.
لقد حركت القاصة خيوط السرد في اتجاهات تخشى التصريح بها مباشرة، وجعلت من "الكاذية"
واحدة من بنات الحارة: »أمر على بيوت القرية أجمع الأرز لتأكلي من جميع البيوت في
ليلة من السنة كما يأكلون من خرافاتك وأحاجيك«.
في المقطع الأخير نقلت المؤلفة حكاية "كاذية" من محيطها الضيق كـ "حكاية" ترويها
ألسنة كبار السن.. ذكورا وإناثا في قرية من قرى ساحل الباطنة، وأكسبتها زخما شعبيا
وأفقا إنسانيا حين ترتفع أصوات الأطفال، وتغني بنات الباطنة على الأرجوحة في بحث
مستمر عن امرأة لا يعرفن إلا كلامها منظوما.. يرددن بنغم متواصل.. بتكرار أقرب
لمساندة صاحبه الكلام: »وعييت ما أدورك. وعييت ما ناديك، وعييت ما أدورك من السيح
للوادي. وعييت ما أدورك يا راحة فوادي«.
وبذلك حولت المؤلفة حكاية "الكاذية" من كونها قصة فتاة عاشقة مذمومة اجتماعيا إلى
قصة حب شبيهة بقصص الحب الأسطورية »زوجوها منه وهي روحها مع غيره«، بعد أن وضعتها
على ألسنة الناس، وأصبحت جزءا من موروثهم الشعبي.
وعززت القاصة المناخ الشعبي للحكاية من خلال توظيف تلك الأهزوجة التي لا علاقة لها
بحكاية "الكاذية"، وإنما طَعَّمَتْ بها المؤلفة حكايتها وجعلت منها جزءاً من نسيج
النص ومكملة له، وأكدت بها الحس الحكائي للقصة.
***
يمثل هذا النص نموذجا لنشأة الحكاية الشعبية. فلقد عرفتُ من القاصة أن حكاية "كاذية
بنت الشيخ" قصة حقيقية، وإن كان الاسم من إيحاء المؤلفة ولا يمت لأحداث القصة بصلة،
فقد التقطت المؤلفة بعض تفاصيل الحكاية من أكثر من لسان ومن أكثر من مكان.. أي يمكن
تصور أصل القصة بأنها رواية خبر عن حادثة وقعت، لكنها تعرضت، خلال انتقالها الشفاهي
للحذف والإضافة حتى بدا الخبر في أصله غير حقيقي، فاتخذ عندئذٍ طابعه الشعبي. وهذه
أولى مراحل انتقال الخبر من الواقع إلى الخيال ومن ثم إلى قصة كعمل فني.
لعب الخيال الشعبي، فيما بعد وقوع الحدث، دورا كبيرا في تشكيل الحكاية وتحويلها إلى
"خرافة" لها خصائص الحكي الشفاهي: »عن شيء وما هو شي. عن شي يطير وما هو طير وعن شي
يبيض وما هو طير. عشه في حفر الطين«، أو»الكاذية بنت الشيخ خطواتها خطوة للجن وخطوة
للإنس.. ريحتها من الجنة، حرمة تجي مرة في الدهر«.
خلاصة
التوظيف المبتكر للبنية الحكائية والمزج بين الحكاية الشعبية والقصة القصيرة، وبين
تقاليد القص الشفوي وقواعد السرد الحديث، واستخدام النوعين بالتناوب على مستوى
الشكل أو المضمون من دون الإخلال بأي من شروط الجنسين أبرز سمات حكاية "كاذية بنت
الشيخ".
لقد تقمصت رحمة المغيزوي بجدارة دور راوية الحكايات الشعبية ونجحت في إدهاش المتلقي
وهو يتابع السرد ويسمع حوار شخصيات القصة أيضا، ويستمتع في الوقت نفسه بشعرية
وجمالية السرد القصصي الحديث.
كما أظهرت المؤلفة نضجا فنيا في استخدام تقنية القصة القصيرة الحديثة بما يتناسب مع
طبيعتها الحيوية، ونزوعها نحو التجدد والتجريب، مبتعدة عن الإسفاف والثرثرة
والتغريب اللغوي؛ فكتبت نصا سرديا مكثفا ومركزا.. مكتنزا بدلالات قوية في سطور
قليلة، كما في قولها: »من أين لي أن أعرف؟ أنك ذاكرتي، ذاكرة الشمس المعلقة في قدمي
وأنك رائحة "الرويحينة" الممتدة من المزارع إلى حقول الروح فينا«.
حكايات "ذكرى رائحة الحناء" ممثلة بـ "كاذية بنت الشيخ" كُتبتْ بلغة سهلة.. نشم
فيها نكهة الحكاية الشعبية من دون إيغال، وبأسلوب سردي يجمع بين النوعين "الحكاية
الشعبية" و"القصة القصيرة"، ويعبر عن الموقف من دون زوائد لفظية لا حاجة لها.
لقد شممت في هذه المجموعة رائحة الحناء، وعبق الطفولة، واستمتعت بغرائبية حكايات
الجدات الممزوجة بمتعة التجديد.
***
تقول القاصة رحمة المغيزوي في رسالة بعثت بها إلي عن ظروف كتابتها لقصة "كاذية بنت
الشيخ": "كاذية كانت حديث السهرات في مجالس أهل الباطنة، كنت أسمع اسمها يتردد على
أفواه الرجال والنساء والصغار والكبار، ولم يتسن لي أن أحكي قصتها إلا لحدثين وقعا
لي أجبرني كل منهما أن أسعى لمعرفة كل ما تعلق بهذه المرأة، وان كنت أرى أن شخص
كاذية يشبه كل إنسان سار في طريق مخالف للآخرين. أما السبب الأول فهو حادثة ارتبطت
باكتشاف جزء من جثة.. عثرَ عليها أهل القرية أثناء حفرهم لوضع أساس بيت جديد، وأكد
الجميع أن هذه الجثة هي لحبيب كاذية الذي دفن في مكان مجهول. وقد رأيتهم وهم يعيدون
صلاة الجنازة عليه ويدفنونه في مكان معروف في القرية. وكأنهم ينصبون الجثة شاهداً
على حكاية "الكاذية" في وجه كل من يدخل القرية أو يخرج منها ويشعلون بها الكلام على
كل لسان. أما السبب الآخر فقد ارتبط بي بطريقة وثيقة وأغراني دائما شعرا ونثرا وهو
حضور مجلس جدي الممتد في سهرة طويلة تبدأ كل ليلة بحكاية أو قصيدة أو أغنية أو حتى
فك نزاع بين أهل القرية، وكان اسم كاذية حاضرا في كل مساء بمثل عنها أو بوصف لها أو
برائحة تشبه رائحتها أو ترحم يتبعه قراءة الفاتحة على روحها.
تجـربة بشرى خلـفان
كتبت بشرى خلفان نصوص مجموعتها القصصية الأولى "رفرفة"‹10› في مناخات مختلفة مبتعدة
عن القوالب السائدة، ولم تشغل نفسها بما زاد من الكلام بمعناه اللفظي الذي لا يضيف
شيئا على حاجة السرد.. وكانت تميل أكثر نحو عفوية الحكي الشفاهي. ووظفت القاصة، في
ثلاث من قصص مجموعتها المتخيل الشعبي شكلا ومضمونا، وهي: "اسطرلاب" و"البريسم"
و"ريا".
ففي القصة المعنونة باسم بطلتها "ريّا"ص56، عمدت المؤلفة إلى تغييب السارد المألوف
في القصة الحديثة، وصاغت الحكاية بأسلوب القص الشعبي حيث استهلت القصة بقولها:
"يُحكى إن" والتزمت طوال النص بالبنية الحكائية واللغة الشفاهية للحكاية الشعبية،
وظلت تذكرنا طوال النص أنها تروي حكاية شعبية من خلال التكرار اللفظي لكلمة "يُحكى"
في بداية كل فقرة. وهذه إحدى سمات الحكاية الشعبية.
فمنذ البداية استحضرت المؤلفة المخيلة الشعبية لدى القارئ من خلال الإشارة إلى
أجواء خرافية عن مَلِك »أعطي بعضا من مُلْك سليمان«. ص56، فهيأته لما سيأتي من
عجائب وغرائب الحكي الخرافي.
كان لهذا الملك بنت جميلة شعرها يكنس الأرض. وقد وضع الملك قيودا صارمة على حياة
ابنته اليومية إلى أن أتت ليلة خرجت فيها لتجلو شعرها في ضوء القمر. وهناك تفاجأت
بملاحقة احد حراس القصر لها، والذي ظل ينظر إليها خلسة حتى سقط مغشيا عليه من فرط
انبهاره بجمالها. وعندما رأته مسجى على الأرض، أخذت رأسه بين يديها وسالت دموعها
حزنا عليه.
»يحكى إن قطرة من دمعها سقطت على شفتيه فانتفض وفتح عينيه وعندما تلاقت عيناهما
أصابها ما أصابه من الوجد«. ص57.
هذا المشهد يستدعي إلى الأذهان قصة "القبلة الأولى في التاريخ" حيث تروي بعض
الأساطير أن حواء كانت مستلقية تحت شجرة حين كانت هي وآدم في الجنة، فحطَّت على
شفتيها نحلة كما تحط على زهرة لـ"تمتص شهد الرُّضَاب"، فأفاقت وابتسمت ابتسامة
رقيقة لتُسهل للنحلة مص المزيد من رحيق فمها. وكان آدم يراقبها، فغار من النحلة،
وكشَّها، وانحنى على حواء، وحطَّ شفتيه على شفتيها كما فعلت النحلة، فارتاحت حواء
لهذه الملامسة. وكانت تلك "القبلة الأولى" في تاريخ البشرية.
ثم تنقلنا الكاتبة إلى مناخات قريبة من الأسطورية: »يحكى أن جنيا من تلاميذ الملك
أطلع على سرهما؛ فوشى بهما عند الملك الذي كان يتفقد إحدى عواصمه البعيدة وراء
البحر«. غضب الملك وفي لمح البصر عبر البحار إلى غرفة ابنته، فجرها من شعرها وأمر
الجدار أمامه فذاب فألقمه إياها، لكن شعرها ظل خارج الجدار: »تثيره الريح ويسكنه
الوجع وصرختها تشق قلب الموتى«. وبعد أن أنهى الملك حياة ابنته التفت إلى حارسه:
»فوجده قد شقَ قلبه بسيفه، فأمر بإلقائه على سطح القلعة حتى تأكل قلبه النسور«.
ص58.
اتكأت بشرى خلفان في كتابة هذه القصة على ظاهرة التناص، فقد وظفت حدث معروف المكان
والزمان والشخوص، وبثت فيه روحاً جديدة لتكريس جماليات محددة استهدفتها القاصة
لإبراز عملها.
وثمة جزء من هذه القصة يتناص أيضا مع حكاية شعبية غربية هي "حكاية الأميرة النائمة"
أو "سنو وايت" التي كانت في غيبوبة وقبلها الأمير فاستيقظت، ولكن المؤلفة عكست
الآية وجعلت الأميرة هي التي توقظ الحارس بدمعتها. وفي نهاية القصة أرى، أيضا، أن
القاصة اختارت النهاية الشهيرة لقصة روميو وجولييت.
وكما أشرت سابقا، تعود جذور بعض الحكايات الشعبية إلى حدث أو خبر تداولته ألسنة
الناس، وبمرور الزمن وانتقال الخبر من لسان إلى آخر ومن جيل إلى الجيل الذي يليه،
تعرض الخبر إلى كثير من الإضافات والحذف. وهذا ما حدث لحكاية "ريا" التي، كما عرفت
أثناء إعدادي لهذه الدراسة، أن لها أكثر من شكل حكائي.
وأستشهد هنا بما قالته المؤلفة عن ظروف تعرفها على هذه القصة: "سمعت بالحكاية أول
مرة وأنا ما زلت طالبة في المرحلة الابتدائية، إذ كنا في زيارة لحصن الحزم بالرستاق
حيث أبلغنا الشاب الذي تطوع لإرشادنا في متاهات تلك القلعة بتلك الحكاية التي
مفادها أن الإمام، الذي لا أذكر اسمه، كان في رحلة إلى زنجبار عندما بلغه جنوده من
الجان أن هناك رجل يدخل القلعة مرتديا عباءة ويختلي بابنته، فخط بعصاه على التراب
وحال أن نقل إحدى قدميه كان في غرفة البنت وضبطهما بالجرم المشهود، فعاقبها أن
دفنها حية في جدار القلعة وقتل الشاب الذي كان معها. أذكر أن الدليل أشار إلى آثار
من شعر كان باديا من الجدار ليثبت لنا صحة الحكاية، سمعت بعد ذلك أن الأثر أزيل من
الجدار. هذا كل ما أعرف، لكن الحكاية بشكلها الخام ظلت جزءا من ذاكرتي الطفولية
الغائمة لذا خرجت لاحقا في ريا".
تجربة سليمان المعمري
يحضر المتخيل الشعبي في مجموعة "لأنه رجل مهزوم" للقاص سليمان المعمري في قصة "يا
لحزن الدودة حين تفقد الذاكرة"‹13› عن طريق استحضار حلم أو هذيان يتخيل فيه السارد
دخول فتاة غرفته بينما كان نائما إلى جوار زوجته: »دخل شبح أبيض يتضوع الياسمين من
خطواته المتجهة ناحية النافذة«، ثم يأخذ السارد في وصف جمال الشبح الذي دخل عليه
بينما كان يدرب عينيه على الرؤية في الظلام: »رأيت فتاة جميلة كأنها الفجر.. عيناها
نهران يسافر فيهما حزن وألق وأشياء أخرى غامضة« ص26.
وبعد أن يصف السارد الفتاة الشبح وصفا غاية في الدقة والجمال »رأيت فتاة جميلة
كأنما الفجر.. عيناها نهران يسافر فيهما حزن وألق وأشياء أخرى غامضة.. خدها بستان
ورود لم تقطف بعد.. شعرها ثرثرة الريح في ينابيع جبلية«، يكتشف انه أمام وجه لم يكن
غريبا عنه: »كانت تشبه شهد إلى درجة كبيرة«. وبعد بحث في ذاكرته المسوسة، يجد نفسه
في قريته النائمة تحت الجبل: »حيث كان ثمة ملاك يدعى شهد.. فتاة بلون الرغبة ونكهة
المستحيل« ص26.
ومن خلال سرد مسهب للحياة اليومية لهذه الفتاة، كما يستحضر صورتها الآن، يضعنا
القاص وجهاً لوجه أمام جانب من حياة سكان قرية عمانية نمطية. فهي فتاة بسيطة في
حياتها.. غيـر معنية بما يدور خارج حدود قريتها، وينحصر دورها في الحياة بـ: تستيقظ
قبل الديك كل يوم. توقظ أباها لصلاة الجماعة. تصلي مع أمها صلاة الفجر. تحلب
البقرة. تساعد أمها في الطهو والغسيل والكنس. وتنطلق إلى المراعى بصحبة شويهاتها.
حتى ذات »يوم ساقط من أزمنة النسيان الحارقة«، كما قال القاص، عادت شهد من المرعى
مريضة:» هوت على سريرها كشمعة ليل مطفأة«. وكما هي العادة عند سكان الريف، لجأ
والدا شهد إلى رجل: »تبدو على وجهه إمارات العارفين ببواطن الأمور«، قال وهو يمعن
النظر في الوجه الذابل:» لا أرى إلا جذع شجرة موز« ص28.
ماتت شهد.. وكان غيابها المفاجئ مدعاة لتناثر الحكايات: الراعي الذي شاهدها في
المرعى تحمل حزمة حطب، وعن الجيران الذين رأوها تحلب بقرتها في الفجر، وعن أحد
متسكعي الليل رآها تضع إكليلا من الزهور على قبر أمها التي ماتت حسرة عليها.
ومع تقدم السرد نكتشف أن ساحر الفتاة والدها: »صارحني أبي غير مرة بأنه يتمنى لو
يكون ساحرا«. وحين أتيحت للأب الفرصة لتحقيق أمنيته لم يتردد عن التخلي عن ابنته
ثمنا مقابل الانضمام إلى السحرة الذين اشترطوا عليه تقديم: »أحب مخلوق إلى قلبه
ليأكلوه في وليمتهم التي يقيمونها كل أسبوع« ص29.
لكن دندان، وهو ساحر شاب ضخم الجثة، طلب من السحرة استبدال الفتاة بأمه، وقال لهم
وهو ينظر إليها بشهوانية تكاد تنط من عينيه: »هاكم أمي واتركوا لي هذه الفتاة« ثم
تزوجها وحملها معه إلى مغارته.
وتأقلمت شهد مع حياتها الجديدة، لو لا أن دندان دأب على إخفاء ذاكرتها في جيبه
عندما يخرج ولا يعيدها إليها إلا عندما يعود، ولكنها كانت تخرج أيضا: »أصل إلى
قريتي .. أشاهد أبي يحرث الحقل.. أحاول أن أكلمه فلا أستطيع .. بلا ذاكرة لا يستطيع
المرء الكلام .. وعندما ماتت أمي كنت موجودة في القرية ومشيت في جنازتها دون أن
أبكي .. بلا ذاكرة لا يستطيع المرء البكاء« ص30.
وأخيرا تأتي الفتاة / الشبح خلال حديثها على سبب زيارتها للسارد، قائلة: »هذا
المساء، وقبل أن آتيك بقليل، زارنا كادر دندان الذي علمه السحر«. انتحى الساحر
الكبير بتلميذه جانبا، ووقفتْ هي خلفهما من حيث لا يشعران، فسمعتْ الساحر الكبير
يقول لدندان بهمس شيطاني: »إن في أحشاء زوجتك مضغة ستقضي على كل السحرة بمن فيهم
أنت .. فأنظر ماذا ترى« ص31.
غضب الزوج، وتأبط شرا وخرج مذهولا مليئا بالشرود لدرجة أنه نسي أخذ ذاكرة زوجته هذه
المرة. وأثناء محاولتها البحث عن خلاص ينقذها من الموت، فجأة، داهمتها فكرة رائعة:
»أن استنجد برجل أحبه.. وطفقتُ أرددها في شفتي: "رجل أحبه .." وقبل أن أكمل قفزت
أنت إلى ذاكرتي« ص31.
وتعلن الفتاة المغيبة للسارد أنها كانت تحبه، لكنها لم تكن قادرة على البوح،
وتذكره: »كان الحب في قريتنا كما تعلم ـ ولعله مازال ـ من أكبر الكبائر.. كنت
مهووسة بكل شيء فيك مشيتك. وسامتك.. نظرتك الآسرة... كنت مغرمة بك حتى النخاع لدرجة
أنني كنت أتعمد أن أزج بنفسي في الطريق الذي تسلكه لمجرد أن تقول لي: صباح الخير أو
مساء الخير« ص32.
بعد ذلك يخبرنا الراوي أنه رأى نفسه، وهو الجبان الرعديد سليل الرمال التي دفنت
فيها النعامة رأسها، يقتحم مغارة الساحر كرصاصة مجنونة لا تدري من أطلقها.. »أعزل
إلا من رغبة حياة تتسلقني وقارورة زئبق أعطيتها كآخر تميمة ألوذ بها من الاندحار«.
أي أنه تقمص شخصية المخلص المعروفة في الملاحم الشعبية وهو "رجل مهزوم".
ويرى نفسه وهو يصب الزئبق في أذن الساحر زوج شهد بخفة النحلة حين تلسع: »ها أنا
افعلها.. ها هو يتلوى من الألم كشاة مذبوحة .. يا إلهي.. لكأنني انتصرت عليه ..
أكاد أسمع ضجيج روحه وهي تغادر.. من فينا الساحر إذن يا دندان«. لكن الزئبق لم يقتل
دندان الذي زحف كسحلية حتى لامس التراب، فبطل مفعول الزئبق: »يا إلهي.. ها أنت حي
من جديد.. يا لقوة التراب: ها أنت تقهقه بملء شدقيك«.
ويطبق الساحر، بعد أن عاد إلى حالته السابقة: عملاقا ضخما، على رقبة الحبيب الذي
اقتحم وكر السحرة لإنقاذ حبيبته المغيبة، ويحوله إلى دودة، فينهض من النوم وهو في
أحضان زوجته يهذي: »لا..لا..لا..أنا لست دودة.. لست دودة.. لست دودة«.
***
جاءت نهاية هذه الحكاية على خلاف ما نعرفه عن الحكايات الشعبية حيث ينتصر الإنسان
على الجان، ويغلب الخير الشر، لكن سليمان المعمري اختار الهزيمة لـ"بطل" حكايته
الذي وصفه بـ »الجبان الرعديد سليل الرمال التي دفنت فيها النعامة رأسها«، والأنكى
أن المؤلف أشار إلى ذلك في حين كان الرجل يستعد لاقتحام وكر السحرة وإنقاذ "شهد"
الحبيبة "المُغَيَّبَة".
ويبدو أن سليمان أراد أن يوحد ثيمة "الهزيمة" في قصصه، التي عنون بها مجموعته "لأنه
رجل مهزوم" أو أنه أراد أن تكون نهاية الحكاية على غير ما يتوقعه القارئ.. أي شبيهة
بلحظة التنوير كما هو الأمر في القصة القصيرة الحديثة!
وزاد الاشتغال على اللغة، كما في قوله: »فلتمت ولتبق شهد.. وليبق طفل يذيب ثلج
الأحلام وينصب الكمائن للحظات الفرح الهاربة من ليل لا يتقن إلا ترجمة خواء الروح
كما تترجم الشمس النهار«، من المفارقة التي أثارتها نهاية تلك الحكاية.
كما بدأ المؤلف "خرافته" عن السحرة والمغيبين بمدخل لا يؤحي بالمناخ الشعبي
"للحكاية"، فقد قدم مقاطعا ذات مسحة جمالية حديثة في وصف خلجاته النفسية، كما في
قوله: »كنت أسبح في فراغ يسبح في فراغ عندما شممت داخلي رائحة سؤال يحترق«، وهذا
الاستهلال من شأن القصة القصيرة المعاصرة وليس له حضور في بناء الحكايات الشعبية
والخُرافات والأساطير.
في قصته "يا لحزن الدودة حين تفقد الذاكرة"، لم يوظف سليمان المعمري "المتخيل
الشعبي" في قصة قصيرة، وإنما وظف تقنية القصة القصيرة لإعادة صياغة أو تخليق حكاية
شعبية قد لا تكون ذات بعد زمني أو مكاني، ولعلها مجرد تناص مع حكايات السحرة والجان
التي سمعها من أمه أو جدته، حسب قوله: "كوضعهم لجذع شجرة مكان المسحورة وسحبهم لوعي
المسحور بحيث لا يستطيع الكلام أو الصراخ رغم انه يشاهد كل ما حوله"، إلا أنه قدم
حكاية شعبية بامتياز بأسلوب السرد الحديث.
كما اعتمد المؤلف طوال النص على لعبة التقابل بين خطاب القص الحديث كقوله: »شعرها
ثرثرة الريح في ينابيع جبلية« أو»فتاة بلون الرغبة ونكهة المستحيل«، وتقاليد الحكي
الشعبي الشفوي، الذي يتسم بلغة السرد البسيطة الخالية من التعقيدات كقوله: »بعد أن
تفرغ شهد من مساعدة أمها في الطهو والغسل والكنس تنطلق إلى المراعى بصحبة شويهاتها«.
لو استثنينا بداية النص، وتلك الأسئلة المؤرقة التي كانت تتغلغل في دم السارد وهو
الشخصية الرئيسة في القصة، على خلاف الحكاية الشعبية، وبعض التنويهات اللفظية
والمقاطع الحوارية الطويلة التي تعرقل دفق الحكي الشفاهي الذي يتقلص فيه الحوار
لصالح السرد، والنهاية غير المألوفة في الحكاية الشعبية، لقلنا أن سليمان المعمري
حبك لنا "خرافة" شعبية تعود إلى زمن مضى: زمن الأساطير والحكايات.. تلك التي لم
تدون وإنما حفظتها الذاكرة الجماعية ورواها راوية عن راوية عبر مئات السنين.
تجربة محمد سيف الرحبي
ما ذكرته حول "التناص" سابقا يشبه على نحو ما اختراع الكاتب لأسطورته الخاصة
وتشكيلها بأسلوبه "من خلال أسطرة عناصر الواقع وبث روح طقسية أسطورية فيها". وهذا
ما فعله القاص محمد سـيف الرحبي في قصته "أغشية الرمل" التي جاءت في مجموعة قصصية
حملت الاسم نفسه: "أغشية الرمل"‹11›.
في هذه القصة كتب محمد أسطورة ليس بهدف توظيفها في سياق نص أكبر، وإنما لتكون هي
بذاتها نصا منفردا له ما للقصة القصيرة والحكاية الشعبية والأسطورة من شروط.
ينفتح السرد في هذا النص على مناخات غرائبية أقرب إلى مناخات الأسطورة منها إلى
الحكاية الشعبية من خلال أسطرة الأجواء والشخوص.. كاشفة عن سرد قصصي له ملامحه
وسماته الفنية الخاصة. »على السهول الممتدة من حافة الجبل المسكون بأساطير العنقاء،
إلى حافة الوادي حيث الأشجار تصطف حامية ومحمية، تفقد الحاكم بأمر الله جنده« ص27.
وتتجسد الملامح الغرائبية في قصة "أغشية الرمل" في مفارقة تحيلنا إلى مرجعية غير
مرجعية الحكاية الشعبية العمانية؛ فبينما كان الفرسان يعدون العدة للذود عن حمى
القبيلة من غاز جديد، كانت صبايا القبيلة يتمنين الوقوع سبايا في أيدي فرسان
القبيلة الغازية، الذين: »عيونهم زرق أو خضر ووجناتهم حمر أو بيض وقاماتهم سبحان
الخالق فيما أبدع«.
أمنية صبايا القبيلة، بالوقوع سبايا في أيدي فرسان القبيلة الغازية جاء على خلفية
سؤال طرحته إحدى الفتيات »لماذا قبيلتنا محرومة من وسامة ذكورها«، كما قال عنهم:
»ذوي الأفواه الواسعة والأنوف الفطساء.. همجيون في الحرب كما في الحياة، ومتوحشون
مع ملمس السيوف كما هم مع ملمس الأجساد«، بينما هن ـ أي الصبايا»أقمار حالمة، تناجي
الليل سحراً وترسم للصحراء لون الزنابق والياسمين«.
في قصة "أغشية الرمل" نجح محمد سيف في تقديم نص جمع بين الأسطورة والحكاية والقصة
القصيرة، وتمكن من نسج حكاية جديدة تنطوي على ملامح الأسطورة بأسلوب القص الحديث.
وسواء تناص هذا النص مع حكاية قديمة أم أنه اختلاق بحت، فذلك لن يغير من حقيقة أن
"أغشية الرمل" مشبعة بالرموز الحكائية الضاربة بجذورها عميقا في التاريخ، وتشير في
الوقت نفسه إلى محاولة المؤلف اختراق الأنماط السائدة للقص الحديث من خلال استلهام
الماضي واستنطاقه!
تجربة عبدالعزيز الفارسي
أراد القاص الروائي عبدالعزيز الفارسي أن يقدم مجموعته "العابرون فوق شظاياهم"‹12›
للقارئ من خلال تقديم مدينته "شناص"، فاختلق لها حكاية من دون عنوان، ليقول أن كل
الكلمات، سواء ما نتداوله في حياتنا اليومية أو تلك التي تسكن بطون المعاجم، صالحة
لأن تكون عنوانا لقصة خلق "شناص".. المدينة التي كانت ملهمته في كتابة قصص
المجموعة، فقد كتب 12 نصا من بين 15 نصا تضمنتها المجموعة في شناص كما تشير
تنويهاته في نهاية كل قصة!
وهذا ما أشار إليه الناقد والكاتب العراقي الدكتور ضياء خضير في قراءة لأعمال
عبدالعزيز القصصية، بعنوان "جدل الحضور والغياب فـي القصة العمانية القصيرة عبد
العزيز الفارسي.. مثالا:" هذه المجموعة تكرّس عددا من نصوصها لبحث في انثروبولوجيا
مدينة الكاتب "شناص"... على نحو يمكن القول معه إنها محاولة لكتابة تاريخ من نوع
ما، يسجل فيه القاص وفق جماليات سرديّة خاصّة جوانب من واقع المدينة وذاكرتها
الداخلية الخصبة".
فبعد أن حدد موقع "شناص" على الخارطة، سرد الفارسي حكاية خلق شناص: »لم يشأ التاريخ
لشناص أن تكون هنا، فقد اختار لها مكانا بين الجرح والفرح، يظللها غمام الحب
والرغبات. ولكن ما حدث في الأيام الأولى من الزمان غير المسار كثيراً... روى لنا
الثقات أن سيدنا التاريخ في بداية الحياة، كان يطير حاملاً كل المدن والقرى في صرة
كبيرة على ظهره، ليعبر الأرض سهولا وقفاراً وجبالاً وبحاراً... وكلما مر على مكان
أعجبه، أبتسم ثم هبط ليفتح الصرة فأنزل مدينة أو قرية هناك، فصارت المدن والقرى كما
هي عليه اليوم. ويحكي أن شناص سقطت سهواً من صرة التاريخ، وهوت على هذه الأرض،
فأوجعت وتوجعت. وحيث أنه لا يلتفت إلى الوراء، ولا يصحح ما ارتكب من أخطاء، فأن
سيدنا التاريخ تناسى شناص، وتناسته هي أيضاً... « ص9.
تجربة سمير العريمي
وظف القاص سمير العريمي كثيرا من عناصر الموروث الشعبي والمعتقدات والعادات التي
تتصل بالسحر والطاقات الخفية للحيوانات والأشياء والأماكن والأمثال والحكم، واستثمر
الروح الشعبية العمانية ومناخات الحياة اليومية في بيئته الاجتماعية في معظم قصص
إصداره الأول "سفر هو حتى مطلع الشمس"‹14›؛ ففي قصة "صباح.. وجه ذلك البحر" التي
استهل بها المجموعة، ومنذ الوهلة الأولى يعلن العريمي عن فضاءات قصته: »حجرة مظلمة
تحوم في سمائها الخفافيش.. هسهسات وأنات تشق الجدران الرطبة«. ص5
لقد استقى سميرالعريمي موضوعات قصص مجموعته من الواقع المعيش تارة ومن المتخيل
الشعبي تارة أخرى. ومثلما بناء عوالم لا تنهض على أسس واقعية كالخوارق، والمعتقدات
المرتبطة بالخرافات والسحرة والجان، توقف عند هموم الناس اليومية الماضي منها
والحاضر من خلال معطيات الواقع الذي يعيشه. فنقرأ في قصة "صباح.. وجه ذاك البحر":
»رأيت الحمالين.. كانوا منهمكين في إفراغ شحنة إحدى المراكب... يا الله الجواني
ثقيلة عليهم.. قلت متألما: أبوي أكل العيش مر«. ص8
ويمضي الكاتب في سرد غرائبية حياة بطل القصة منذ ولادته، من غير التزام بـ"التتابع
الزمني"، وهي الشخصية التي سيتكرر ظهورها في بعض قصص المجموعة. ويستفيد المؤلف من
لعبة المراوحة الزمنية حين يتساءل بطل القصة المقيد بالسلاسل لأمر لم يتبين للقارئ
بعد: »صحيح لماذا أنا هنا؟! وما هذه السلسلة الضخمة التي تلف قدمي؟«. ص5
ويواصل الكشف عن الوضع الذي وُجد فيه مكبلا بالأصفاد: »جرب تحريرهما.. عجز. بذل
طاقته شد وشد..احمرت كفاه.. انقطع نفسه فأطلق زفيرا ساخنا ثم أرخى القيد.. ماذا
اكتشف؟ "اللعنة حتى يداي مربوطة"«. وهو على هذه الحال، يستحضر صورة من أيام طفولته
الأولى فيذكر أول مرة وثقت يداه فيها بعد الولادة مباشرة وهو في القماط، فقد سمع
سودوه الداية تقول: »اربطيه الصياح عن يعور عمره« ص5 ، ليعود للحاضر ويكمل وصف
الوضع الذي وجد نفسه فيه كسجين أو مجنون لا يعرف جريمته أو كمن فقد عقله؛ فتراوح
نفسه بين الحكمة والجنون.
ومن تلك القصة إلى أخرى يبحر بنا المؤلف في سفر حافل بعوالم السحرة والجن والمغيبين
إلى مجاهيل خرافية خارج نطاق المرئي. ففي قصة "قم وهبش"، نتعرف على إسحاق، معلم
القران الكريم، ذي العينين الحادتين والجسد الضامر واللحية الشعثاء. وهو يحرك عصاه
الغليظة بين حين وآخر ذات اليمين وذات الشمال فوق رؤوس الصغار، يروي لهم حكاياته
الآسرة للألباب: »الضبعة.. أتدرون ما الضبعة؟ إنه مخلوق شيطاني بشع يفضل السحرة
ركوبه.. هل رأى أحدكم الضبعة؟« وفي مكان آخر يقول: »لا أحد غيري يقوى على تخليص
المغاصيب من سجنهم الأبدي.. صرعت عتاة العفاريت بوادي الجن.. ولم يهزوا مني شعرة..
أقسم بالله العظيم«.
ونسمع المعلم أيضا يخيف تلاميذه ويحذرهم عن الخروج ليلا كي لا يراهم أبو السلاسل
الذي ينشر الهلع في قلوب أهالي الحارات والقرى الآمنة، ويلتهم من يصادفه هائما في
حنايا الأزقة والسكك: »أبو السلاسل وحش عملاق أسنانه دامية له ثلاثة أعين لا يمشي
إلا حافي القدمين متسربلا بالقيود جارا خلفه سلاسل وأغلالا لا حصر لها« ص 64.
وللواقع الشعبي في قصص سميرالعريمي نصيب كبير وذلك من خلال استحضار وجوه عمانية
تقليدية من صميم الواقع: »اتكأ أبوك في "الليوان" على وسادة صوفية مسدلا طرف مصره
على صدره«، ويرسم لنا المؤلف في عدد من قصصه صورا دقيقة للحياة اليومية في بيت
عماني أصيل.. بيت يمكن أن يكون واحدا من كل البيوت العمانية التقليدية التي نعرفها
أو سمعنا عنها: »أسطح البيوت المبنية من الطين والسعف«، ونسمع بوضوح تام صوت البنت
وهي تلعب على "المرجيحة" في جانب من "حوش" البيت: »سيل سيل سيليه.. وحمامة فوق
لوميه«. ص20
قصص العريمي زاخرة بالصور الجميلة لمفردات الحياة العمانية التقليدية في أكثر من
جزء من أرض الوطن، ففي قصة "بدران" ينقل لنا مشهدا لصبية من قرية عمانية تنام هادئة
على سفح أحد الجبال، يلعبون ويرتعون: »طيور الحجل والحبارى والسحالي الكبيرة قرب
حقول النخيل.. وفي السيوح المجاورة للقرية كانوا ينبشون جحور الأرانب البرية
ويقتنصون الجراد الصحراوي ويستمتعون بأكله نيئا«. ومن مكان آخر في البادية العمانية
ينقل لنا استعداد جماعة من البدو لركوب مطاياهم: »أعدوا نوقهم وتزينوا بالخناجر
والعصي.. متوجين بالمصار الجميلة انطلقوا على صعيد رطب طهره ماء المطر«. ص20
وعزز سمير العريمي حضور البيئة الاجتماعية العمانية في قصصه حين أغرق بعض حواراته
في محليتها: »بو يتشوف العسل .. ما كما بو يلحسه«، وأورد بعض الأمثلة على لسان شخوص
قصصه، كما في قصة "أبو غنيم وبنت البيدار": »الرجال باللحى.. والحريم بالسحاء«.
الخاتمـــة
تحتل الإبداعات الأدبية الشعبية وبخاصة الحكايات والأقوال المأثورة والحكم أهمية
قصوى في تاريخ الشعوب وتعكس مظاهر الحياة والجوانب الثقافية والمستوى الفكري الذي
بلغته. وفي ظل غياب وسائل التوثيق المتطورة قامت هذه الموروثات بدور أساس في نقل
جانب من أخبار وتجارب الأجيال السابقة إلى الأجيال المعاصرة، وكانت إلى وقت غير
بعيد الوسيلة الأولى للترفيه والتعليم، والعظة.
ومن الطبيعي ونحن نتحدث عن "توظيف المتخيل الشعبي في القصة القصيرة" أن نسأل: ما هي
الحاجة لتوثيق الحكاية الشعبية سواء تضمينها في نصوص سردية: قصة قصيرة، رواية، أو
نص مسرحي، كما رأينا في موضوع هذه الدراسة، أو توثيقها كما فعل القاص والكاتب يوسف
الشاروني وفاطمة الهنائي وخديجة الذهب؟
ما من أمة من الأمم إلاّ ولها حكاياتها وأساطيرها التي تعبر على نحو ما عن طبيعة
الحياة والناس في تلك الحقبة من الزمن. ومن هذا المنطلق، تشكل الحكاية الشعبية مادة
خصبة ومرجعا للدراسة الاجتماعية والتاريخية والدينية والثقافية والإنسانية.. تتيح
للباحث استنطاق الماضي والتعرف على بعض ملامحه.
وإذا كانت وزارة التراث والثقافة قد أولت اهتمامها للآثار والمباني الأثرية
القديمة: كالقلاع والحصون والمساجد و"الأبراج التي تشكل أهمية تاريخية ولعبت دورا
بارزا في العصور الماضية" بترميمها وحمايتها من عوامل الطقس وجعلت منها نقاط جذب
سياحي وموردا للمهتمين بهذا الجانب من تراث وطننا، بالإضافة إلى عنايتها بالفنون
الشعبية في مجالات الرقص والموسيقى والأغاني وتوثيقها صورة وصوتا، علاوة على حرصها
"على إحياء التراث الفكري العماني بتحقيق ونشر أمهات المخطوطات في الفقه واللغة
العربية والتاريخ والأدب والطب والفلك وعلوم البحار"‹15›، فإن الموروث الشعبي
الحكائي لا يقل أهمية عن تلك الآثار، ولعله أكثر حاجة للحفظ قبل أن يُنسى ويندثر،
فنخسر بذلك تراثا لا يمكن تعويضه، فهو إلى جانب كل ذلك يمثل دليلا على تأثر الشعب
العماني على مر التاريخ بتراث وحضارات الشعوب المجاورة كالهند وأفريقيا وبلاد فارس.
لقد نضجت القصة القصيرة العمانية وتنوعت موضوعاً وأسلوبا، وحققت منجزا يمكننا
القياس عليه بأقلام تجاوزت شهرتها المحلية ولحقت بالقصة القصيرة العربية وغدت
تنافسها وتتفوق عليها، كما حصل في مسابقة "جائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة" التي
فاز بها القاص سليمان المعمري عن مجموعته القصصية "الأشياء أقرب مما تبدو في
المرآة"، من بين 40 مجموعة قصصية من مصر والبلدان العربية".
أما وقد حققت القصة العمانية القصيرة هذا الانجاز، فآن لنا أن نلتفت إلى الخلف
قليلا، ونستلهم من الموروث الشعبي الحكائي ونوظفه فنيا في الإبداع القصصي ونشره في
الخارج للتعريف بأصالة تراثنا وغناه وتقديمه للعالم بلغة يفهمها.
حفظ وتوثيق الموروثات الشعبية، ومنها الحكاية، يعني التواصل واللقاء، ولا يعني
البتة شيئاً من الانغلاق، وحسب الحكاية الشعبية أنها إنتاج وجدان شعبي صادق وعفوي،
ومثل هذا الإنتاج جدير من غير شك بالحفظ والتدوين، بل جدير بالقراءة والإفادة منه.
وبذلك نساهم في حفظ تراثنا العريق ونقله للأجيال القادمة، فهو معين لا ينضب لمن
أراد استلهام عبق الماضي في إبداعه الأدبي.
ـــــــــــــــــــــــ
هوامش
1. يوسف الشاروني: "قصص من التراث العماني" مسقط 1987، ص7.
2. يوسف الشاروني: المصدر نفسه، ص7.
3. خديجة بنت علوي الذهب: "حكايات شعبية من ظفار.. حكيات جدتي"، النادي الثقافي ـ
مسقط، ودار الانتشار العربي ـ بيروت 2007""
4. فاطمة الهنائي: "حكايات جدتي". مجموعة قصصية. وزارة التراث و الثقافة، مسقط 2007
5. سعيد يقطين: الواقع والمتخيّل في التجربة القصصية العماني
6. حسين سالم باصديق: "في التراث الشعبي اليمني"، إعداد وتوثيق مركز الدراسات
والبحوث اليمنية ـ صنعاء، يناير 1993م .
7. محمد عبد الرحمن يونس: الحوار المتمدن ـ العدد: 1271، 30/7/2005
8. صفوت كمال: المأثورات الشعبية علم وفن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة
2000، ص 27
9. جريدة الوطن، 3 من ديسمبر 2006م. العدد"8533". السنة الـ36.
10. بشرى خلفان: "رفرفة".. مجموعة قصصية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
2004.
11. محمد سيف الرحبي: أغشية الرمل.. مجموعة قصصية، أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان
2002
12. عبدالعزيز الفارسي: العابرون فوق شظاياهم.. مجموعة قصصية، دار الانتشار العربي،
بيروت 2005.
13. سليمان المعمري: "لأنه رجل مهزوم".. مجموعة قصصية، دار الانتشار العربي، بيروت
0200.
14. سمير العريمي: "سفر هو حتى مطلع الشمس".. مجموعة قصصية، وزارة التراث والثقافة،
مسقط 2006.
15. مقتبس من موقع وزارة التراث والثقافة « www.mhc.gov.om»