السياسة والرصاصة والجنس في رواية: " وردة " لصنع الله إبراهيم
السرد الأول ـ وردة " الثورة
لـ: محمد عيد العريمي
"بعض الأشخاص والوقائع في الصفحات التالية من صميم الواقع والبعض الآخر من نسيج
الخيال.. لهذا من الأفضل أن تقرأ على أنها.. رواية!" بهذه العبارة صدر الأديب
والروائي صنع الله إبراهيم روايته "وردة" التي صدرت عام 2000 عن دار المستقبل
العربي. وهو بذلك يكبح مخيلة القارئ ويدعوه أن يضع نصب عينه أن ما يقرأه رواية
متخيلة، وإن كان أغلب وقائعها وأشخاصها من صميم الواقع.
وعلى الغلاف يشهد الناشر أنها "بانوراما مثيرة ورحلة عاصفة دموية أحيانا كثيرة،
امتدت من القاهرة إلى بيروت ومسقط وصنعاء وصلالة وعدن وصحراء الربع الخالي، شارك
فيها ملوك وثوار وسلاطين وشيوخ قبائل وعبيد، قوميون وبعثيون وشيوعيون وناصريون، عبر
ثلاثة عقود من الآمال والبطولات والهزائم والخيانات والخيبات والخيارات الصعبة!"
يقول الكاتب والناقد العماني ناصر صالح الغيلاني في سياق قراءته للرواية "تشكل
رواية وردة للروائي العربي صنع الله إبراهيم أهمية كبيرة بالنسبة لنا نحن العمانيين
لأنها تتناول مرحلة مهمة من تاريخنا المعاصر الأمر الذي يفسر سرعة نفاد الرواية من
المعرض مسقط الدولي للكتاب 2000 منذ اليوم الثاني للمعرض. وإذا كان غير العماني لا
يستطيع، إن لم يكن قد عاش وعايش وقرأ التاريخ العماني قراءة عميقة، أن يدرك مدى
نجاح هذه الرواية في تمثيل الإنسان والبيئة والتاريخ العماني، فنحن أبناء البلد
ربما أقدر من غيرنا على معرفة ذلك "1
وقبل الاسترسال في مراجعة الرواية والحديث عن خصوصيتها بالنسبة للشعب العماني، يجدر
التنويه أن هذه الرواية أثارت من اللغط والمناقشة واختلاف الآراء "بين النخب
السياسية والمثقفة" سواء في عمان والخليج العربي أو على مستوى المشهد السياسي
والأدبي في العالم العربي ما لم يسبقها إليه أي عمل أدبي من هذا النوع. هذا
الاهتمام الذي حظيت به الرواية لا يعزى فقط لطبيعة موضوع الرواية والأهداف والدوافع
وراء قيام الكاتب بجهد استمر خمس سنوات قام خلالها بزيارات إلى مواقع الأحداث
والتقى ببعض أبطالها الكثير من الوثائق والمعلومات، وإنما إلى ما لجأ إليه المؤلف
في عمله الأدبي من مشاهد جنسية يظن كثيرون انها أساءت إلى واحدة من تجارب النضال
العربي ضد الاستعمار والتخلف والجهل.. سواء اتفق المرء مع أيدلوجية تلك التجربة أو
اختلف!
تبدأ القصة مع زيارة الكاتب المصري "رشدي" لأقاربه في مسقط بسلطنة عمان في بداية
التسعينات من القرن الماضي، حين يفاجأ أثناء إقامته في المدينة بمن يتصل به لتسليمه
مذكرات مجزأة ومتفرقة وناقصة لفتاة عمانية من إحدى قرى سفح الجبل الخضر اسمها "شهلا"
جمعته بها وأخيها "يعرب" زمالة جامعية في عام 1957 بالقاهرة، ثم التقى خلال زيارته
بأشخاص لهم علاقة بصاحبة اليوميات في ظروف غامضة وملابسات أقرب إلى العمل السياسي
السري.
وقد حاول الكاتب في الصفحات الأولى من الرواية أن يبين أن علاقته بوردة وأخيها كانت
عابرة، لكنه في نفس الصفحات، بل وأحيانا في نفس الفقرات يتحدث عنها بحميمية مفرطة،
وكان حضور هذه الفتاة في قلب الكاتب الذي جاء سائحا لا باحثا أكثر من مجرد صداقة
جمعته بالاثنين على مقاعد الدراسة، حيث يقول في مذكرة كتبها قبل سفره إلى عمان )عام
1992) "عندما أزمعت السفر، كفت عن المجىء إلى أحلامي. وكانت تتردد عليّ بصفة مستمرة
في الآونة الأخيرة.. دوما ألقاها وسط حشد من الناس.. وفي كل مرة تلتفت نحوي وفي
عينيها نظرة غامضة، تجمع بين التساؤل، والتواطؤ، والإغواء.. كان تجليها دائما قويا
بالغ التأثير، يلاحقني بعد اليقظة، فأضل تحت تأثير حضورها الفعال.. وأعجب للملابسات
التي جعلتها هي بالذات، تطفو فوق سطح ما مر بي من أحداث ونساء منذ آخر مرة رأيتها
فيها، قبل أكثر من ثلاثين سنة.. رغم أن معرفتي بها لم تكن وثيقة بل عابرة، ولم
تتوطد أبدا بالصورة التي تراءت لي في الحلم. ولماذا اختارت، أو اخترت أنا في حقيقة
الأمر، أن تتجلى فجأة وبقوة في هذا الوقت بالذات، الذي أخطو فيه حثيثا إلى العقد
السادس من عمري.. "2"
وإذ ذاك، كانت ذاكرته شديدة الحضور حين يقرر استرجاع علاقة قديمة، فها هو يتذكر
يعرب من خلال حركات شاب شاهده في مطار الدوحة وهو في طريقه إلى مسقط ورأى في حركاته
ما ذكره بحركات صديقه القديم. "استعرضت شريط الرحلة.. مطار القاهرة.. حمام مطار
الدوحة عندما وقفت اغسل يدي إلى جوار شاب ممتلئ القامة.. ذكرتني حركاته الهوجاء بـ"يعرب"
الذي كان في نفس السن عندما تعرفت عليه منذ أكثر من ثلاثين عاما.. 3
علاقة الكاتب بالأخوين وإن شابها بعض التناقض بين الملموس والمخفي، وبين الواقع
والحلم، وبين الماضي والحاضر، إلا أنها كانت المدخل التي شكلت نقطة البدء لإحياء
قضية غابت في ذاكرة النسيان، وتم تغييبها من التاريخ العربي المعاصر وكأنها جنين
غير شرعي اتفق الجميع حينئذ على وأده قبل ولادته حتى!
من هذه البداية انطلق رشدي في سفر لكشف المكان والإنسان العماني وإظهار المخفي
وتمزيق الصمت.. سافر في جغرافية المكان وتاريخ الإنسان.. وزار مواقع الأحداث
العاصفة التي عرفتها المنطقة خلال فترة الستينات والسبعينات. ويأخذ الكاتب القارئ
عبر رحلة بانورامية مثيرة لتلمس الأبعاد المادية والمعنوية التي تزخر بها عمان التي
غابت طويلا خلف ستار حديدي حتى مطلع السبعينيات. وكان الإنسان العماني دائما هو
البطل الذي قطع القيود وأنار الظلام و"بعث" الحياة في وطن غاب خلف أسوار العزلة
والجهل والشعوذة والمرض.. هو ذاك الإنسان الذي منع عليه لبس النعال والنظارات
والتجول ليلا وحرم من التعليم واستخدام وسائل الحياة المعاصرة!
حفلت الرواية بمشاهد ترسم للقارئ صورا تنبض بالحياة عن تلك الفترة من نضال الإنسان
العماني خارج وطنه على أكثر من صعيد. فهو لم يترك وطنه للهجرة والبحث عن أوطان أخرى
توفر له مستوى أفضل للحياة، وإنما حمل هم وطنه بين كفيه. إنها ملحمة الأب الذي لم
يركن إلى الخنوع ولم تثنه قوائم التحريم والممنوعات من السفر إلى مناطق بعيدة على
ضفتي المحيط الهندي بحثا عن رزق لإعاشة أسرته. إنها قصة ذلك الفتى الذي ذهب سعيا
وراء فرص للتعليم فعاش متسكعا في محطات القطارات ومساكن طلاب العالم الثالث في
عواصم دول أوروبا الشرقية والدول العربية، ولم يثنه عوز الحال عن مواصلة التعليم
وكسب المعرفة والتفاعل مع الأوضاع السياسية والفكرية.
فها هو يعرب ينقل لزملائه شدة المعاناة التي يتعرض لها شعبه "تصوروا! قائمة
الممنوعات..: التدخين، ركوب الدراجات، كرة القدم، فتح مطعم، قصر الشعر، ارتداء
الحذاء، امتلاك راديو، الهجرة..". 4
وكانت شهلا وأخوها ارتبطا سياسيا وأيدلوجيا بالمشروع القومي العربي الذي شكل حينئذ
أولويات حركة الضباط الأحرار في القاهرة. ويتذكر رشدي ما دار من حديث بينه ويعرب في
أول لقاء بينهما "القاهرة، 1957ـ أسرّ إلينا يعرب أن المخابرات المصرية أشرفت على
إحضاره هو وأخته وعددا آخر من الشبان العمانيين واليمنيين ليتعلموا ويشعلوا الثورة
ضد الاستعمار..". 5
ولقد شكلت رواية "وردة" فضاء خصبا لسبك كثير من الوقائع والأحداث الواقعية في قوالب
روائية مثيرة ابتعدت عن النمط المقالي الجاف الذي عادة ما تكتب به مثل هذه
المواضيع. ورغم أن المؤلف نوه في صدر الرواية إلى أن "الأفضل أن تقرأ على أنها
رواية"، إلا أن الذين عايشوا تلك المرحلة من تاريخ المنطقة ـ ممن تفاعلوا مع بعض
أحداثها أو تابعوها، سواء اتفقوا مع رؤية صنع الله ابراهيم أم اختلفوا يعترفون أن
الواقع في يوميات "وردة" يطغى على الخيال!. ويؤكد الناقد والكاتب العماني ناصر
الغيلاني في سياق قراءته لرواية "وردة" أن صنع الله إبراهيم كان حريصا ودقيقا في
جمع المعلومات وفي طرحه وتناوله الروائي إلى حد أنه جعل البعض ممن قرأوا الرواية
يصل إلى قناعة شخصية بأن المذكرات التي كتبتها وردة بطلة الرواية مذكرات حقيقية
أصلا.
ويشكل الميل التوثيقي "مذكرات وردة" في السرد الروائي العصب الذي تقوم عليه العلاقة
بين الروائي والمتلقي. فعن انطباعها الأولى عن بيروت، بعد أن انتقلت "شهلا" وأخيها
للدراسة هناك، كتبت في مذكراتها ما يلي: "فيها حركة ثورية نشطة.. تقريبا كل شخص
منضم لجماعة ما". ولم يطل بها المقام هناك حيث التحقت بحركة القوميين العرب وشاركت
في أنشطتهم. ".. نظمنا مظاهرات كبيرة تأييدا لنضال الشعب الجزائري.. استفسرت عن اسم
المتحدث.. إنه جورج حبش. لم أصدق أني رأيته بعيني".
ثم التحقت بدورات عسكرية خلال الإجازات الصيفية، بالإضافة إلى مساهمتها في أعمال
تطوعيه "مجموعتنا مؤلفة من 16 عنصر. هناك ثلاث فتيات غيري. واحدة لبنانية واثنتان
فلسطينيتان. ذهبنا للتدريب في مزرعة نائية في البقاع.. زرنا مخيمات النازحين..". 5
وتبدأ المشاهد في يوميات "شهلا" تتصاعد مع تصاعد المد التقدمي والثوري خلال فترة
الستينات. كانت سنوات زاخرة بانتصارات الحركات النضالية في العالم من الجزائر
واليمن إلى فيتنـام وكوبا. وتأتي متابعة "وردة" لأهم الأحداث والتحولات العربية من
خلال يومياتها منسجمة مع تحولاتها الشخصية، فقد تحدثت عن الثورة في اليمن وفلسطين
الجزائر، وعن حلم الوحدة العربية الذي تجسد في الزعيم الخالد جمال عبد الناصر
ومشروع الوحدة العربية بين مصر وسوريا.
ونستعيد كل هذا من الذاكرة ونحن نقرأ متابعة وتفاعل هذه الفتاة مع أحداث تلك الفترة
"استفسرت عن اسم المتحدث.. إنه جورج حبش. لم أصدق أني رايته بعيني.. أسبوع حافل
بالمؤتمرات والمظاهرات في بيروت وطرابلس وصيدا.. زرنا مخيمات النازحين. تطوعت مع
عدة رفيقات لتدريس اللغة الإنجليزية لتلاميذهم.. أريد أن أكون جميلة بوحريد الجزيرة
العربية..". 6
وحين بدأت الثورة في جنوب عمان كانت "شهلا" في مقدمة من انظم إليها لتكون بذلك أحد
الكوادر الطليعية في حركة النضال ضد الوجود الإنجليزي في بلدها. ونقرأ من يومياتها
التالي: " تشكلت جماعة باسم الجمعية الخيرية الظفارية.. غرضهم الحقيقي هو تنظيم
معارضة مسلحة.. جيفارا في القاهرة.. حلمت بالأمس أني مع جيفارا وسط الجبال.. تشكلت
جبهة تحرير ظفار.. طلبت الذهاب إلى عدن للاشتراك في الكفاح المسلح.. تقرر أن نسافر
إلى ظفار لبدأ الكفاح المسلح.. قصصت شعر رأسي وداعا للأظافر المصبوغة.. اخترت اسما
سريا جديدا "وردة..". 7
ومن بيروت تبدأ رحلة وردة مع العمل المسح في ظفار، بعد أن التحقت بحركة تحرير ظفار
التي كانت تستعد عام 1964 لشن عمليات عسكرية ضد الوجود الإنجليزي والمرتزقة
الأجانب.. الرحلة شاقة من البصرة في قارب إلى دبي.. وخصوصا الجزء الذي تم بالسيارة
فالطرق غير معبدة.. كنا أربعة غير يعرب. أنا وغزال الكويتي ورفيق من البحرين وآخر
عماني.. أقمنا يومين في الجبل الأخضر.. واصلنا الرحلة بعد أن استخدمنا الطريق الذي
يربط نزوى بصلالة في أقصى الجنوب ويمتد قرابة ألف ميل.. حلمت بالأمس أني أحلق بجسدي
فوق ظفار.. تسللنا في الظلام إلى جبال..". 8
وهناك كانت المفاجأة أكبر من التوقعات، فقد أسند إلى "ورده" قيادة فرقة عسكرية تضم
عددا من رجال تباينت نزعات ودوافع التحقاهم بحركة نضال تتبنى الكفاح المسلح وسيلة
لإنهاء الوجود الاستعماري، فمنهم أبناء قبائل مستضعفة وأسر فقيرة وعبيد، وشيوخ
قبائل أيضا. "سأتولى قيادة خمسة وعشرين مناضلا.. كنت الوحيدة في ملابس عسكرية..
أغلبهم شبان صغار السن عراة الصدور تماما.. بينهم صبي صغير أسود يدعى مسرف. عمره
بالكاد 12 سنة.. أمرت بتجريد واحد من سلاحه لعدم إطاعة الأوامر.. اتفقت مع مسرف على
أن يعلمني اللغة الجبالية*: تث امرأة وغيج رجل. يو هت: كيف الحال. من هولن هت: من
أين أنت؟". 9
والجدير بالإشارة أن بدء الصراع في ظفار يعود إلى عام 1963 عندما اعترضت مجموعة
مسلحة من الظفاريين في الجبل لقافلة مركبات تابعة لشركة نفط كانت في طريقها إلى
الصحراء العمانية في المنطقة الجنوبية حيث قتل أحد حراس القافلة من العسكر بالإضافة
إلى إعطاب عدد من المركبات والقاطرات. لكن البداية الفعلية للثورة في ظفار كانت في
9 من حزيران عام 1965 عندما أعلنت "جبهة تحرير ظفار" رسميا العمل المسلح ضد الوجود
البريطاني في ظفار.
تقول وردة في مذكراتها "بدأت الثورة في ظفار.. قدت الهجوم على طريق حمرين. كنا
جميعا متوترين نتصبب عرقا. أصدرت الأمر بفتح النار على الموقع.. الإنجليز تركوا
الموقع وهربوا.. انكسرت هيبة العدو.. سيكون هذا هو عيد ميلادي الحقيقي.. وقررنا أن
نزرع شجرة لبان بهذه المناسبة في موقع معسكرنا . "10
".. انتصاراتنا تتواصل.. تسوير مدن ظفار الرئيسية بالأسلاك الشائكة.. أمشي حافية
بعد أن تمزق الحذاء الكاوتش. في البداية امتلأت قدماي بالبثور ثم تصلبت.. عام جديد
للثورة ولي. أشعر بالاكتئاب مازلنا بعيدين عن النصر النهائي.. مواجهة كبرى في
رابضات الكلاب. خسرنا مقاتلين ونسفنا سبع عربات عسكرية وقتلنا وجرحنا 58 من العدو..
". 11
لقد نجح صنع الله إبراهيم من خلال اليوميات السياسية والشخصية التي سجلتها هذه
الفتاة رصد واقع حال مسيرة الثورة في جبال ظفار خلال الفترة ما بين عام 1964 إلى
عام 1975 واستطاع توثيق مرحلة هامة من مراحل التاريخ العماني الحديث حيث رسم مسيرة
الكفاح المسلح ضد الاستعمار في ظفار وتصاعد عملياتها العسكرية التي بلغت ذروتها
بتحرير أكثر من 80 في المائة من أرض المنطقة.
كما سلط الضوء على التحولات الفكرية الأيدلوجية التي رافقت مسيرتها، وطموحات
أبطالها الممتلئة بالأحلام والأوهام والرغبات متأثرة بما كان يجري على ساحة العمل
القومي العربي التي تميزت بتحولات من مذهب فكري إلى آخر.. فمن الناصرية، والقومية،
إلى البعث والاشتراكية واليسار بشكليه المتحفظ والمتطرف ومن ثم اللجوء إلى الدين
بعد أن أثبت الكثير من تلك الأفكار عجزها عن تحقيق الأهداف التي تبنتها.
ولم يكتف الكاتب في فصول روايته برسم رؤية شاملة ليس من حيث تناوله بالتفصيل لتجربة
نضال عربية ضد الاستعمار، وإنما من خلال رصد دقيق لحركات النضال التقدمي في أماكن
كثيرة من العالم بالإضافة إلى متابعة أهم القضايا العالمية والشخصيات التي لعبت
أدوارا مؤثرة في مسيرة العمل النضالي العالمي. فتحدث عن الثورة الفيتنامية والكوبية
وحركة حقوق الملونين في أمريكا، وذكر شخصيات عالمية دخلت التاريخ من خلال نضالها ضد
الهيمنة الاستعمارية مثل ماوتسي تونج وهوتشي منه وتشي جيفارا>
ولقد مرت الثورة في ظفار خلال فترة لا تزيد عن عقد من الزمن بتحولات جسام سواء على
صعيد تحديد أهداف العمل العسكري أو تبني فكر ثوري قادر على قيادة العمل النضالي
وتحقيق النصر في المجال العسكري والاجتماعي أيضا. فلقد تأسست الثورة من أجل تحرير
ظفار من الوجود الإنجليزي وأتباعه من المرتزقة الأجانب.
وشكل الظفاريون الموجودين في دول الخليج العربي ممن ينتمون سياسيا إلى حركة
القوميين العرب ومنظمة الجنود الظفارين النواة الأولى لجناح الحركة في الخارج
والذين دعموا الثورة ماديا وبشريا وذلك من خلال جمع الأموال وشراء الأسلحة وتدريب
المقاتلين. أما في الداخل فقد اعتمدت الحركة في بداياتها على عناصر لها أهداف
مختلفة، وإن تباينت في المضمون، إلا أن رقعتها الجغرافية كانت محدودة.
وبعد ثلاث سنوات فقط انتقل زمام المبادرة إلى عناصر التحقت بالثورة من الخارج وهي
مسلحة بفكر أيدلوجي يساري. وكان من الطبيعي أن يواكب هذا التحول الفكري تغير في
الأهداف أيضا، فأصبح تحرير "الخليج العربي" هو هدف النضال الأبعد والأش
وكان من الطبيعي إزاء هذا التحول أن تظهر صراعات تغذيها المصالح الشخصية، المتمثلة
في عناصر كانت أهدافها مرتبطة بمساحة معينة وغاية محددة، يساندها في ذلك ضعف تجذر
الفكر الثوري لدى مقاتلين يعتبرون أن الانتماء للقبيلة يأتي فوق كل اعتبار. زد على
ذلك أن الصراع بين القوى الثورية جاء في بعض حالته من أجل التسيد والقيادة. ونقرأ
في يوميات وردة التالي: "عقدنا المؤتمر الثاني لجبهة تحرير ظفار.. ستون مندوبا
يمثلون جيش التحرير والمليشيا والتنظيم السري في مختلف أقطار الخليج.. استمرت
المناقشات.. تبني الاشتراكية العلمية، اعتماد المرشدين السياسيين. قرار هام: تحقيق
المساواة بين الرجل والمرأة.. انتخب المؤتمر قيادة جديد.. لم يتبق سوى 3 فقط من
القيادة السابقة.. أدى إلى انشقاق جماعة "....( وعدد من شيوخ القبائل.. هاجم يعرب
القرارات. قال إنه سيواصل الكفاح مع المنشقين. دعاني إلى الانضمام إليه. علق أحد
الرفاق بأنه غاضب لأنه لم ينتخب لعضوية اللجنة التنفيذية.. ". "12
في مقالة له عن رواية "وردة" يقول د. مصطفى عبد الغني "الأهرام 23 يوليو 2001 عن
تحول بعض المناضلين من النضال ضد الاستعمار والجهل والتخلف إلى الاكتفاء بما تحقق
من مكاسب مادية "الانكفاء من المبادئ التي خرجوا إلى انتهازية تبحث عن الانتماء
للقبيلة لا الوعي الدني المطرز بقيمة التغيير والتعبير عن الواجب. وهذه الثنائية
بين النضال والإحباط، أو بين النضال والانتهازية أو ـ حتى ـ بين الستينات
والتسعينات ـ تمثل أهم خيوط هذا النص الروائي.
هذا الصراع لم يستثني ورده نفسها، فهي وإن كانت مؤمنه بالفكر الثوري العالمي
المتمثل في جيفارا، إلا أنها لم تتطرف ثوريتها إلى درجة الموافقة على اعتبار الثورة
في جبال ظفار جزاء من حركات النضال العالمي وبالتالي يجب إلغاء أية خصوصية يفرضها
المكان والإنسان. فها هي تقول في مذكراتها: "تكونت هيئة باسم "لجنة حل مشاكل الشعب"
تتألف من خمسة اعضاء.. انتخبت لأمانة اللجنة.. أقامت الفرقة حفل توديع لي. أعددت
لهم لقمة القاضي.. مشاعر متناقضة. لقد قضيت ثلاث سنوات من عمري مع هذه المجموعة من
المقاتلين..". 13
ولم تتوقف "وردة" عن ممارسة نضالها وإن اختلف شكله. فنراها الآن وقد جعلت من الكتاب
والقلم سلاحها الجديد لمحاربة الاستعمار وذلك من خلال التوعية ومحاربة الأمية.
"بدأنا حملة تعليم جماهيري ذات شقين: مكافحة الأمية وتعليم العربية مع التربية
السياسية.. زرت مدارس النساء. كلهن بلا استثناء لا يعرفن القراءة والكتابة. أخوة
وأمهات وزوجات رجال في المعارك..". "14
التحول الجديد في إدارة الصراع العسكري والاجتماعي وانتهاج المبادئ الاشتراكية أسفر
عن تطبيق أساليب جديدة لإدارة المناطق المحررة:".. أنشأت الجبهة ثلاث لجان زراعية.
أعلنت إلغاء الملكية القبلية للأرض والإيجار المفروض عليها.. عادت بعثة الصين.
وتولى أفرادها قيادة عدة وحدات. يرددون أقوال ماو في كل مناسبة.. بدأت حملة لتشجيع
التوطين من أجل تحويل الزراعة إلى الفعالية الاقتصادية الرئيسية.. أصبحنا نسيطر على
معظم الجبل بما في ذلك طريق ثمريت صلالة..". "15
وبدعم من جمهورية اليمن الجنوبية الديمقراطية، والاتحاد السوفيتي والصين، وبعض
الدول الشرقية واصلت الجبهة تحقيق انتصارات عسكرية وأصبحت بحلول شهر يوليو من عام
1970 تسيطر على إقليم ظفار بكاملة تقريبا. وبعد اندماجها مع المجوعة التي أعلنت في
شمال عمان عن تأسيس ما عرف بـ "الجبهة الديمقراطية لتحرير عمان والخليج العربي"
كامتداد للكفاح المسلح في إقليم ظفار تخلت الجبهة بذلك عن توجهها الأصلي كحركة
إقليمية انفصالية هدفها تحرير إقليم ظفار، وأصبحت تدعو إلى تحرير "الخليج".
كتب جندي بريطاني حارب في ظفار خلال الفترة ما بين عامي 1970 و 1973 في مفكرة يومية
يقول: "بحول شهر يوليو 1970 أصبح إقليم ظفار بكامله تقريبا تحت سيطرة المتمردين
الشيوعيين من عناصر الجبهة الشعبية لتحرير الخليج المحتل". "16
وكان تهديد الجبهة في سنواتها الأولى محدودا على الوجود البريطاني في المنطقة كلها،
بيد أن تغير استراتيجية الجبهة وشمولية أهدافها ـ من تحرير ظفار إلى تحرير عمان ومن
ثم الخليج، والانتصارات العسكرية التي حققتها في ظفار والتي تزامنت مع التوجه
الماركسي في خطابها بالإضافة إلى ما كان يشهده العالم من حرب باردة اندلع لهيبها في
مناطق كثيرة من العالم، والتنافس المحموم بين الدولتين العظميين "الاتحاد السوفيتي
والولايات المتحدة الأمريكية للاستحواذ على المناطق ذات الاستراتيجيات الجغرافية
والاقتصادية ـ نقل المنطقة إلى بؤرة سباق التنافس بين الكتلتين الشرقية والغربية.
وأصبح التغيير مطلبا ملحا.. والسبب لا يعزى للتقدم الذي كانت الجبهة تحققه على
المستوى الداخلي فقط وإنما أملته الظروف الإقليمية والعالمية. فقد كانت بريطانيا
تستعد لمغادرة الخليج "عسكرا"، ولكنها تعلم جيدا أن نجاح الثورة في ظفار سينعكس
سلبا على دول الخليج الصغيرة التي أصبحت أهميتها كمصدر رئيسي للطاقة في العالم
تزداد يوما بعد يوم.
وإزاء هذا الوضع الخطير كان لا بد من حدوث تغيير يوقف زحف الجبهة في المنطقة
الجنوبية وتوسعها في مناطق شمال عمان. وكتبت وردة في يومياتها ".. أنباء متضاربة من
صلالة.. سقط الطاغوت..". "17
"أخاطبكم كسلطان مسقط وعمان، حيث خلفت والدي على العرش في 23 تموز "يوليو 1970، فقد
لاحظت باهتمام كبير وغضب شديد عدم قدرة والدي على الحكم. لقد أقسمت عائلتي وقواتي
المسلحة على الطاعة والإخلاص، وغادر السلطان السابق السلطنة، وأعدكم بتكريس نفسي
لإنشاء حكومة حديثة في أقرب وقت، وأول أعمالي ستكون إلغاء كل القيود غير الضرورية
التي أثقلت عليكم. شعبي، سأعمل بأسرع ما يمكن على تأمين حياة جيدة ضمن مستقبل جميل،
وكل واحد منكم سيشارك في هذا الواجب، بلدنا كان في الماضي مجيدا وقويا، وإذا عملنا
بتعاون وتوحد سيكون بمقدورنا على إعادة مجدنا واستعادة دورنا المميز في العالم
العربي". بهذه الكلمات خاطب السلطان قابوس بن سعيد شعبه معلنا انتقال السلطة إليه
في 23 يوليو عام 1970 بتأيد من الجيش والأسرة الحاكمة.
وفي يوم 16 أغسطس كتبت وردة في دفتر يومياتها التالي:".. صرح قابوس لجريدة كويتية
انه لا يعتقد ان الثوار شيوعيون حقا وانه يستطيع كسبهم إلى صفه.. ناقشنا دعوة قابوس
في اجتماع موسع للجنة المركزية وقادة الجيش. اجمعت الغالبية على أنها محاولة
للتضليل. رافع يرى أن هناك تغييرا ما وعلينا أن ننتظر لنحكم18
".. منشور غريب وزعته السلطة: "يا أبناء ظفار. لقد اشترى السلطان قنبلة ذرية لكنه
لن يستخدمها كلها وإنما سيرمي عليكم ربعها فقط! لتدميركم أيها الشيوعيون.. عملاء
موسكو وبكين وتل أبيب وواشنطن! عملاء آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.. استجاب
البعض للعفو العام الذي أعلنه قابوس وهربوا إلى الجانب الحكومي. 19
تعبت ما معي قدرة... م السير والجية
كان الكبت الذي فرضه السلطان سعيد على شعبه وراء التمرد الذي لجاء إليه أبناء ظفار
أولا، فرغم أن عوائد النفط بدأت تتدفق إلا أن هذه الأموال لم تجد طريقها إلى تطوير
الحياة في السلطنة. وكانت قطاعات الخدمة كالتعليم والرعاية الصحية شبه معدومة.
فعندما تولى السلطان قابوس قيادة بلاده، كان في البلاد مدرستان فقط ومستشفى واحدة
لا غير.
كما ورث السلطان الجديد حكومة تمارس إدارة البلاد بأسلوب متخلف لم يطرأ عليه تغيير
منذ قرون، باستثناء الجيش الذي كان يتولى قيادته ضباط بريطانيون.. وأمام هذه
التحديات الداخلية وتلك التي فرضها الصراع في المنطقة الجنوبية، كان على القيادة
الجديدة للبلاد أن تنهض بأعباء كثيرة وأهمها تسخير المال إلى جانب القوة العسكرية
لمواجهة الوضع الحرج في منطقة ظفار.
وقد استجابت الحكومة الجديدة، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط ومساعدات الدول
المجاورة التي كانت تعتبر أن السلطنة تحارب نيابة عنها أيضا في صد التوسع اليساري
المدعوم من روسيا، للمطالب الاجتماعية والاقتصادية لسكان ظفار مستهدفة بذلك شرعية
الأسس التي قامت عليها مطالب الجبهة. وقد خصصت الحكومة حوالي 25% من ميزانية الدولة
لتنمية منطقة ظفار. وفي عام 1972 وضعت الحكومة خطة لتنمية ظفار تضمنت بناء المدارس
والمستشفيات، وتعبيد الطرق وإنشاء مطار، وإقامة محطات طاقة وسواها من مشاريع البنى
التحتية. هذه المشاريع وما صاحبها من احتواء لشيوخ القبائل وتعزيز مكانتهم عمل على
تقويض الفكر الثوري والتقدمي الهش بين بعض عناصر الجبهة التي انضمت إلى الجبهة على
خلفيات قبلية واجتماعية.
تتحدث الباحثة اليمنية إلهام مانع عن الإجراءات والأساليب التي استخدمها السلطان
قابوس بن سعيد للسيطرة على المجتمع والدولة وإنشاء دولة قوية، وتري مانع أن عمان
تمثل مثالا جيدا الإطار النظري الذي تبنته، ذلك أنها قامت بالسيطرة على الحيز
المكاني أو الأرض، كما أن التحديات التي واجهت عمان في عقد السبعينات من القرن
الماضي، والطريقة التي تصدي لها السلطان قابوس تشير لقصة نجاح خاصة. "النظرة
الأولية والخاطفة للطريقة التي تم فيها قمع ثورة ظفار ستؤكد ملمحا متواصلا في تاريخ
عمان الحديث: لو لم تقم الدول الأجنبية الصديقة بتقديم عونها، فإنه لم يكن بمقدور
السلطان الانتصار. لكني أعتقد في الوقت ذاته أن نجاحه في قمع الثورة يعود أيضا
للطريقة التي أدار بها المساعدات الخارجية، ولتطبيقه نظام تطوير وتنمية شامل في
ظفار. فهذه الجهود التي قام بها ساعدته على الانتصار عام 1976 وإعادة دمج الإقليم
في عمان، والحفاظ على استقلال البلاد". 20
فقد استطاعت حكومة السلطنة، مستفيدة من المخاوف التي أثارها احتلال الجبهة لمعظم
إقليم ظفار وتوجهها الأيدلوجي بين الدول المجاورة والتي أصبحت مستهدفة أيضا من قبل
عناصر ومجموعات محلية مرتبطة بالفكر اليساري الذي تتبناه الجبهة في ظفار.. استطاعت
تدويل الصراع "أو أقلمته إن صح التعبير" بإشراك الدول المجاورة التي أخذت تشعر
بالقلق من المد الثوري اليساري في المنطقة، حيث حصلت من عدة دول على معونات
اقتصادية وعسكرية مختلفة. فقد ".. أرسل شاه إيران إلى منطقة ظفار قوات برية قوامها
3 آلاف عسكري بالإضافة إلى وحدات جوية لنجدة قوات السلطنة، بينما دفعت إمارة ابوظبي
حوالي 200 مليون دولار أمريكي للمساهمة في تعزيز المجهود الحربي وتطوير المشروعات
المدنية، وأرسلت السعودية معونة اقتصادية بقيمة 2.5 مليون دولار، في حين تولت مصر
والأردن وباكستان وبريطانيا تدريب القوات العسكرية العمانية في مدارسها العسكرية...
21
وبحلول عام 1974 أصبح موقف الجبهة في أضعف حالاته، خاصة بعد تعزيز القوات
البريطانية في المنطقة ، فقد وصل إلى السلطنة اللواء جون أكهارست لتولي قيادة قوة
عسكرية قوامها 10 آلاف جندي. وانضـــمت لهذه القوات، كتيبة القوات الخاصة 91
الأردنية إلى جانب القوات الإيرانية التي جاء ذكرها سابقا.
كتبت وردة في يومياتها في شهر فبراير عام 1974 تصف التحول في ميزان القوة بعد وصول
القوات الأجنبية الأخرى "... نجحت القوات الإيرانية في فتح طريق ثمريت. 22
".. عقدنا المؤتمر الرابع للجبهة في بلدة الحوطة اليمنية.. لم يتمكن عدد من أعضاء
اللجنة المركزية الحضور إثنان منهما اختفيا تماما وفي الغالب انضما إلى السلطة
وثلاثة محتجزين في مسقط..". وفي جانب آخر من يومياتها كتبت عن انخفاض المعنويات
التي سادت فعاليات المؤتمر والتي تجلت في قصيده نظمها أحد المقاتلين حيث تقول:"...
أقمنا حفلة سمر في ختام المؤتمر. ارتفع صوت عوض بشعر جمعان:
بعدت يا صولي... قرب حمران بشوية
تعبت ما معي قدرة... م السير والجية
مسا قلبي نتحول... إلى الديرة الشرقية
لعمامي وصهوري... كل واحد جنبية 23
وزادت وتيرة الهزائم العسكرية وتساقط عناصر الجبهة حيث بلغ عدد المنظمين إلى قوات
الحكومة 700 عنصر بحلول يناير عام 1975. "الساعة الخامسة صباحا أيقضتنا طلقات
الرشاشات دوشكا. اندفعت طائرتان إيرانيتان من البر وأطلقت صواريخها.. سحابة من
المظلات، ثم سحابة من الرجال ثم سحابة من دخان البنادق والرشاشات ثم أكوام من
الجثث.. أصدرنا الأمر بإخلاء البلدة والانسحاب نحو الحدود اليمنية. 24
أعددت تقريرا طالبت فيه بإعلان وقف العمل العسكري والتركيز على العمل السياسي...
هناك تردد كبير بين زملاء اللجنة المركزية التنفيذية... توصلنا إلى حل وسط هو إعادة
بناء الحركة في الشمال على أساس العمل السياسي. سنتولى أنا ودهيمش ويعرب المسئولية.
يقول يعرب إن الطريق الساحلي مستبعد، وبالمثل الطريق البري الذي يمتد من صلالة إلى
نزوى.. الاثنان تحت سيطرة الحكومة والقبائل الموالية لها، لم يبق إلا عبور
الصحراء.. 25
الرحيل عن ظفار
جسد المؤلف انكسار الثورة في عام 1975 برحيل وردة من جبال ظفار إلى الشمال بعد أن
تعذر السفر عليهم عبر المطارات العربية حيث كان اسماهما هي وأخيها في قائمة المطلوب
القبض عليهم من قبل أجهزة الأمن في دول عربية عديدة. ولم يكن أمامها سوى عبور الربع
الخالي بصحبة زوجها دهيمش وأخيها يعرب ودليلين من البدو بهدف إعادة بناء الحركة في
الشمال على أساس العمل السياسي وليس العسكري.
".. أكملنا استعداداتنا. خيمتان صغيرتان. ذخيرة احتياطية. بطاطين".. دهيمش في قرية
مجاورة. يبحث عن نياق نشتريها أو نستأجرها".. أشعر بالغثيان. أعتقد اني حامل… أعددت
كيسا من الجلد لدفاتر يومياتي. حملنا أسلحتنا.. ربطت ناقتي في ذيل ناقة دهيمش..
يعرب غارق في التفكير. لا يتكلم كعادته.. قلت لدهيمش اني حامل.. ألح على أن أعتلي
ناقتي. يبدي نحوي رقة شديدة.. ذهب دهيمش يبحث عن ربيع.. اختفى يعرب طول اليوم..
أحضر يعرب دليلين.. اقترح عليّ يعرب أن أعهد إليه بدفتر يومياتي كل ليلة.. قلت إني
أعرف كيف أعتني بنفسي ويومياتي.. الماء يوشك على النفاد.. سمعنا عواء ذئب بالليل.
الصوت مخيف في هذا الفضاء". 24
وتصحو وزوجها في صباح أحد الأيام على اختفاء أخيها والدليلين وأسلحتهما ومؤنة
الغذاء. وهكذا تهيم وردة في الصحراء مع دهميش التي حملت منه.
".. نمنا أمس منفصلين. في الصباح شعرت أن هناك شيئا غير عادي.. قفزت واقفة. ناديت
على دهيمش.. لم نجد أثرا ليعرب والمرافقين ونياقهم.. هل اختطفوا يعرب؟ لم نجد أية
آثار تشير إلى عراك أو مقاومة. نبشوا الأرض ، الأركان التي تعودت أن أدفن فيها
دفاتري.. لا نكف عن نقاش ما حدث. تذكرت عدة مواقف ليعرب.. معقول؟ استيقظت شكوك
دفينة.. غاصت قدماي حتى الركبتين في الرمل.. بدأ قلبي يخفق وعطشي يزداد. وجدت صعوبة
في الابتلاع. شعرت بانسداد أذني. أحاول إيجاد لعاب أرطب به فمي. 25
وينتهي المشهد هنا على هذا الحوار الذي دار بين الزوجين عندما تحققا أن الهلاك ـ لا
سواه ـ هو نهايتهما.
".. حتى الآن أراه متماسكا. لكن عندما لجأت إلى يومياتي سخر مني.. قلت له إن
اليوميات هي الطريقة الوحيدة للمحافظة على الوقائع ودراستها واستخلاص الدروس منها.
سلاحنا ضد الغدر والهيمنة. قال إنها ستفنى معنا. قلت إننا يجب أن نصونها بأي شكل.
من سيحول دون يعرب وإحداث مزيد من الأضرار؟ طلبت منه أن يعدني بالمحافظة عليه إذا
ما حدث لي شيء. قال مقلدا لهجتي: وإذا حدث شيئا لنا نحن الإثنين؟. تطلعت حولي في
الصحراء الخالية. قلت إني سأجد طريقة لإخفائها. خطر رشدي على بالي. يمكنه أن يصنع
منه شيئا مفيدا.. يونيو 1975.. يوم مغبر كئيب ومثقل بكتل من الغيوم.. مشينا إلى
جانب ناقتين بمعنويات واهنة. شعرت أن ناقتانا لن تعيشا ليوم آخر. 25
ورغم أن اختفاء وردة وزوجها دهيمش يرمز إلى نهاية الثورة وفقدان الأمل في مواصلتها
حتى وإن تبنت العمل السياسي بدل الكفاح المسلح أسلوبا لتحقيق أهدافها، إلا أن
الجنين الذي في بطنها والذي ظهر بعد 17 عاما في شخصية "وعد" ابنة وردة وشبيهتها
يستدعي وقفة أخرى!
تاهت وردة.. انتهت الثورة
إن المصير الذي آلت إليه وردة "المرأة" يدفع القارئ إلى إعادة قراءة الرواية بحثا
عن خيوط قد تكون فاتته في خضم الاستغراق والتشويق المفعم بكثير من الانفعالات التي
تجعل القارئ يستعجل النهاية.
ويظل السؤال الحائر "ماذا حدث لورده؟" معلقا بلا إجابة نهائية، إلا إذا عرفنا أن
"وردة" المرأة ليست سوى "الثورة".. أحبها من أحبها، وخانها من خانها.. الثورة
"المرأة" التي أصرت على أن "تعتلي" المرافق الروسي، والمرأة "الثورة" التي رضخت
لإصرار "الجبالي" على اعتلائها.. إنها الثورة التي أشتهاها أقرب الناس إليها.. إنها
المرأة التي تخلى عنها حتى أخاها! ويعزز هذا الرأي غلاف الرواية: فتاة في ملابس
عسكرية.. لا يظهر من وجهها إلا العينان في إيحاء إلى أهمية التخفي ليس لوردة
"المرأة" وإنما لوردة "الثورة".
السرد الثاني
من خلال الماضي والحاضر "يوميات ورده ـ الستينات، وملاحظات الكاتب خلال زيارته
لعمان ـ التسعينات) وازى الكاتب في السرد الروائي بين خطين زمنيين يباعد بينهما
فاصل يتجاوز ربع قرن. ففي الخط الأول صور الروائي ـ كما شاهدنا ـ مسيرة الثورة في
ظفار منذ انطلاق الرصاصة الأولى، ونجاحاتها على المستوى الاجتماعي والإنجازات التي
حققتها في جبال ظفار في مواجهة الجهل والمرض والأمية والفقر والمتمثلة في بناء
المدارس والمستشفيات وحفر آبار المياه وإقامة مشاريع اجتماعية لتفعيل دور المرأة في
المجتمع والثورة وغيرها من البنى التحتية البسيطة، وما رافق ذلك من انتصارات
وهزائم، صراعات وحروب صغيرة داخلية، وتبني الفكر اليساري لقيادة نضال "الجماهير"..
وصولا إلى نكوص الثورة وهزيمتها عسكريا بل واستبعادها كطرف سياسي، والذي تمثل في
اختفاء وردة وزوجها في الصحراء، أمام التحديات التي فرضتها المتغيرات الجديدة إثر
تولي السلطان قابوس السلطة في عمان!
أي أن السردين، وإن كان يفصل بينهما بون زمني، إلا أن الكاتب استطاع أن يربط "بين
الماضي المتمثل في ظفار والثوار ومطالبهم، والحاضر الذي تمثل في عهد السلطان قابوس
وتحديداً في التسعينيات من القرن العشرين، ومن خلال ما شاهده من عمران وتطوّر في
عناصر التحديث والتمدين راح بفكره إلى تلك المطالب التي كانت تنادي بها القوة
الثورية في ظفار، والمتمثلة في القضاء على الجهل والمرض والمطالبة بإنشاء المدارس
ورصف الطرقات، وشق مجاري المياه وغيرها من ملامح التطور في أي بلد.
البحث عن الجزء الخامس
وخلال سعيه للعثور على الجزء الخامس من المذكرات يتعرف رشدي على ابنة وردة بعد 30
عاما من تاريخ لقائه بأمها، حيث تسلمه "وعد" خلال زيارته لصلالة الجزء الأخير من
المذكرات الذي كان يحتوي على معلومات خطيرة تكشف الكثير من الغموض والملابسات التي
دارت حول بعض أهم رموز الثورة الذين كانت لهم أدوار أساسية "إيجابية وسلبية) في
مسيرة الثورة منذ أن أطلقت الثورة رصاصتها الأولى وحتى اختفاء وردة تحت الرمال
المتحركة.
ويبلغ السرد الروائى ذروته حين تتسارع الحبكة في الجزء الأخير من الرواية في محاولة
تشويقية بارزة استطاع صنع الله بمهارة فائقة تصعيد وتيرتها حين يلتقي الصحفي المصري
"رشدي" ـ الذي جاء إلى عمان سائحا ثم تحول إلى باحثا عن لغز كبير اسمه "وردة"
الفتاة التي أحبها قبل أكثر من 30 سنة والتي لا زالت تأتيه في منامه ـ وجها لوجه مع
زميل الدراسة الجامعية "يعرب"، ضابط الأمن الحالي، في المطار والذي ظل يراقب ويتابع
حركة الكاتب الضيف "صديقه القديم) منذ وصوله إلى المطار وحتى مغادرته.
ويتحول هذا اللقاء إلى مناورة وشد حبل لعبة كان الضابط يظن أن صاحبه لم يفقه لها
ألا وهي الحصول على الجزء الخامس من يوميات "وردة"، الذي كان يسعى وراءه ناس كثر
ومنهم يعرب وأبو عامر، عم "وعد" والمتكفل برعايتها، أحد رموز الثورة الذي تخلى عنها
قبل انتهائها، وآخرون كانوا أطرافا مهمة في تلك المرحلة. بيد أن "وعد" احتفظت بهذا
الجزء لتحقيق رغبة أمها "وردة" التي كتبت بخط يدها على رأس الصفحة الأولى من هذه
المذكرات تطلب تسليم المذكرات إلى الصحفي المصري رشدي عله يجد فيها ما ينفع للنشر!
لماذا ولمن كتبت وردة؟!
ينفي صنع الله ابراهيم من الأساس أنه خطط لكتابة الرواية، وإنما الصدفة، حسب قوله،
قادته إلى ذلك: "كنت عام 1992 بالصدفة في عمان ولمست عمليات التحديث التي تجري على
قدم وساق بالسلطنة وتذكرت حركة ظفار.. وفكرت في العلاقة بين أهدافها وما تم تنفيذه
فأحسست بأن الفكرة يمكن أن تجر إلى مناقشة تيار القوميين العرب والتحولات التي مروا
بها حيث بدأوا معادين للشيوعية مع المزايدة على عبد الناصر والبعثيين والشيوعيين
لينتهوا إلى خندق الشيوعية. "26
ورغم أن المؤلف يعتقد أن دوافعه كانت وجيهة حسبما جاء على لسانه "هناك مجموعة تجارب
يمكن مناقشتها اليوم من أجل المستقبل منها آلية السلطة والصراع عليها والسؤال
الرئيسي عن إمكانية تخطي مراحل معينة في النمو الاقتصادي الاجتماعي والموضوع يمتد
إلى ما هو أشمل من تجربة ظفار إلى التحالفات والصراعات بين القوى الوطنية من أجل
السلطة"، إلا إنني أعتقد أنه يتحدث عن فترة تم تجاوزها، فلم يعد ثمة على أرض الواقع
ما دعاه إبراهيم بـ "آلية السلطة والصراع عليها" في ظل المتغيرات العالمية الراهنة.
ويعزز هذا الرأي صنع الله نفسه حين قال .. فأثناء الزيارة الأخيرة لسلطنة عمانشاهدت
طرقا ومستشفيات وجامعة حديثة.. وهو ما كانت تطالب به جبهة تحرير ظفار".
بيد أن أهمية رواية "وردة"، بالإضافة لما ذكره ناصر الغيلاني، لا تنبع فقط من
قيمتها الأدبية والتاريخية وإنما من كونها قصة أبطال وتجربة نضالية ضد الاستعمار
بأشكاله المختلفة. فلقد رصد الروائي من خلال يوميات الفتاة "وردة" المراحل التي مرت
بها الحركة وأبطالها منذ تشكيلها وحتى اختفائها! "إنها قصة الانبعاث القومي العربي
على مساحة العمل السياسي العربي بكامله وتحول بعض أطرافه إلى اليسار.. متمثلة في
تجربة ثورة ظفار منذ صعودها في الخمسينات وهبوطها في مطلع السبعينات". 27
ويجدر بالإشارة أن بعض أبطال هذه التجربة ومن عايشوها سواء بالمشاركة أو المشاهدة
لا يزالون على قيد الحياة، وتشكل "وردة" لبعضهم حرجا أمضوا سنوات وهم يحاولون
التخلص من تبعاته، رغم أنهم وظفوا أفكارهم القديمة لصالح أوضاعهم الجديدة. فالمواقع
تبدلت واختلفت الروئ وتحولت الأفكار وفقا لذلك من جهة إلى أخرى مضادة بدوافع عدة
تتراوح بين المبدئية والمنفعية!
محمد الدبيسي رسم هذه الصورة في مقالة له نشرت في جريدة الجزيرة السعودية:".. ولا
يفلت من التحولات السلبية في الرواية سوى "وردة" التي تلقى مصيرا غامضا نتيجة
تمسكها بالطريق الذي اختارته.. أما بقية الشخصيات فتزلزلها الأحداث والتحولات
التاريخية لتجد نفسها في نهاية المطاف في صف العدو القديم.. هو التحول من اليسار
إلى اليمين.. من المعارضة إلى كراسي السلطة مع توظيف الأفكار القديمة لصالح الموقع
الجديد..". 28
الجنس.. "الأخلاق الجديدة"
لجوء الكاتب في عمله الأدبي إلى الوصف التفصيلي المكشوف للجنس أثار الكثير من اللغط
وتباينت الآراء واختلفت حسب معطيات كثيرة: منها أن المخابرات الإنجليزية في المنطقة
كانت تركز في حربها الدعائية ضد الثورة على التفسخ الخلقي لعناصرها. تقول وردة في
جانب من مذكراتها: "منشورات ... تتهمنا بأننا شيوعيون ملحدون، نساؤهم وبناتهم
عاهرات منحرفات، لا يعترفون بالله ولا بالإسلام أو أية تقاليد وقيم وطنية أو
دينية". فضلا عن الاتهامات الأخرى ذات علاقة دينية مثل "كفار وملحدين.." وبالتالي
فإن الروائي يؤكد هذا الاتهام ـ وهو "شاهد من أهلها" إذا أخذ في الاعتبار الفكر
الأيدلوجي لصنع الله إبراهيم.
ولعل المؤلف كما ذكر في مقابلة خاصة تعمد اقحام تلك المشاهد ضمن رؤيته لما سماه
"الأخلاق الجديدة". وهو مصطلح عجزت خلال بحثي عن إيجاد تعريف له، إلا إذا كان يقصد
إن الحديث عن الجنس بمناسبة أو دون لا يعتبر في الوقت الراهن من المحرمات الأخلاقية
هذا إذا افترضنا أن هناك أية محرمات أخلاقية أسواء من ذلك. وهناك من يقول أن صنع
الله إبراهيم أراد افتعال "إثارة" خلافية من أجل "تسويق" الرواية. وهو مبرر يسيء
لتاريخ صنع الله إبراهيم الأدبي والفكري أكثر من إساءته لثورة جسدها في صورة امرأة.
وهنا تصبح كتابة صنع الله البورنوغراية استفزازية ولا تفيد العملية الإبداعية بل
تسويق لكتابته وجل الجنس فيها سلعة للبيع كما تفعل العاهرات!
ومن وجهة نظر متواضعة، أعتقد أن صنع الله أفسد أهمية الرواية الأدبية والتوثيقية
بعدد من هذه الإيحاءات الجنسية التي أقحمها في سياق السرد دون ضرورة "على حد فهمي)!
والسؤال الذي لا مفر من طرحه هو هل كان هناك ما يدعو إلى تصوير فتاة مناضلة ضحت
بزهرة شبابها من أجل قضية وطنها في مواقف جنسية لا تنسجم تماما من روحها الثورية
التي تخلت عن طيب خاطر عن كل المتع الحياتية ومن ضمنها الجنس المشروع: الزواج.
والسؤال أيضا: هل يمكن الربط بين فتاة كانت تتصرف على نحو أقرب إلى العهر وبين فتاة
كتبت تقول "جيفارا في القاهرة.. حلمت بالأمس أني مع جيفارا وسط الجبال.. تقرر أن
نسافر إلى ظفار لبدء الكفاح المسلح.. قصصت شعر رأسي.. وداعا للأظافر المصبوغة..
اخترت اسما سريا جديدا: وردة".
يرى البعض أن التوقف عند هذه المشاهد اقتضتها ضرورة التمهيد للتعرف على بطلة
الرواية ووعيها وتمردها وأفكارها وغرائها المكبوتة، ولا يجب بالتالي أن ينصب الحديث
على "المشهد" نفسه وإنما يجب ربطة بالتكوين النفسي لوردة في تلك الفترة . فهي شخصية
مقدامة وجريئة ومتحدية ثم أنها ثالثا غير ناضجة تماما وأخيرا فإنها تحمل جرحا يتصل
بمعاملة أبيها والمجتمع لأمها ".. كانت حاملا للمرة العاشرة.. كانت تشكو من متاعب
في منطقة الحوض.. حذرها الطبيب من الحمل والولادة لكن أبي لم يعبأ.. أجرت العملية
وولد الطفل وسعد الجميع إلا أمي التي قضت الأيام التالية مستلقية غير مكترثة إلى أن
توفاها الله".
وهذا ربما، حسب آراء بعضهم، جعلها ترغب دون وعي في إذلال سامر، رائد الخلية التي
كانت وردة عضوا فيها، وبطريقة تتوافق مع الجو العام الذي كان سائدا في تلك الفترة،
بيد أن هذا التبرير يصح لو أن الروائي لم يلجأ إلى الإثارة الحسية ومنذ الصفحات
الأولى في روايته عندما وصف لقائه الأول بشهلا "وردة) وهي تفتح له الباب مرحبة
بزيارته "الشفة المكتنزة والأنهاد البارزة".
ورغم أن بعض من قراء "وردة" يظن أن بعض الإشارات الجنسية التى تضمنتها الرواية هي
إسقاطات ضرورية، إلا أن بعضها يمثل إهانة كبيرة للمرأة عامة ناهيك عن فتاة
"استثنائية" ذات مبادئ نضالية سامية. فهي تخلع ملابسها وتدعو رفيق لها إلى مضاجعتها
لا لشيء سوى رغبتها في الانتقام منه بإثبات قصور فحولته.
ولم يكتف المؤلف إلى اختزال الحاجة الفسيولوجية "الضاغطة" ـ حسب تصوره ـ في مشاهد
جنسية مقبولة، وإن كانت محرمة، أو تقديم مشهد جنسي تقتضيه ضرورة الحبكة بل تعداها
إلى تصوير مشاهد جنسية مريضة. ومرة ثانية أساء صنع الله إلى نفسه أكثر من إساءته
لوردة "الثورة" حين يتأمل القارئ المطلع التناقض الصارخ بين الفكر التقدمي الذي
يدعو إليه والنزعة "الرأسمالية" في استغلال مشاهد رخيصة لا تثري العمل ولا تضيف
إليه شيئا بقصد زيادة التوزيع من خلال دغدغة الغريزة الحسية لدى القارئ!
الأفضع أن إيحاءات الكاتب الجنسية لم تقتصر على "وردة" وحسب، بل أورث هذا الشبق
الجنسي لابنتها التي التقى بها الصحفي بعد أكثر من 30 عاما منذ لقائه بأمها. فخلال
بحثه عن الجزء الأخير من اليوميات يذهب رشدي إلى صلالة حيث يلتقي بـ"وعد" ابنة وردة
في بيت عمها "أبو عامر" ـ المتكفل برعايتها ـ وهو أحد قادة الثورة الذين انضموا إلى
قوات الحكومة. فقد علم أبو عامر بوجود الكاتب المصري والهدف من زيارته، خاصة أنه
كان يعلم أن وردة أوصت بتسليم المذكرات لهذا الشخص بالذات، وهو ـ أي أبا عامر ـ
أيضا أحد المطالبين لهذا الجزء من المذكرات، ودعاه إلى منزله لتناول العشاء. وعندما
تعذر ذهاب رشدي إلى الفندق بسبب المواصلات اضطر إلى النوم في بيت أبي عامر نزولا عن
رغبة مضيفه! وفي جنح الليل تسللت الفتاة ذات الـ 17 ربيعا إلى غرفة الضيف، وهناك
تبدأ الفتاة قبل أي حديث بفتح أزرار ثوبها لتعري صدرها. "استقرت عيناي على أصابعها
وهي تنتقل إلى الزر التالي، وعندما فكته انحسر الثوب عن صدر عار لا يستره شيء، بسطت
ذراعيهـا جانبـاً فتجلـى نهداها في كامل بهائهما ".. جذبت يديّ في عنف ووضعتهمـا
فوق نهديهـا ..".
ويبدو أن الكاتب أراد الانتقام من أنوثة وردة في ابنتها، فإذا كانت الأم استعصت على
غريزته وهو في ربيع العمر، فإن البنت انجذبت لذات الغريزة حتى ولو كانت ـ أي
الغريزة ـ في خريف العمر! وفي محاولة متعقلة للبحث عن إسقاطات معينة تبرر هذا
التصوير "الفاجر والفاحش" أجد نفسي عاجزا عن إدراك ما كان يرمي إليه الكاتب إلا إذا
كان صنع الله أراد أن يعلن هنا عن إفلاس أيدلوجية اليسار العربي وهو أحد أقطابه
وذلك من خلال الاستسلام لإغراءات الأوضاع الراهنة وتأكيد فشكل تلك التجارب بسبب
صبيانية أولئك الذين تبنوا هذا الفكر إيمانا منهم أن خلاص الشعوب وتحريرها لا يتأتى
إلا بالفكر الثوري العلماني!!
الخاتمــــة
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع رؤية المؤلف لوردة "المرأة والثورة إلا أن عمل الأديب
العربي الكبير صنع الله إبراهيم يظل الأبرز وله الفضل في توثيق مرحلة هامة من تاريخ
عمان الحديث. فهو يقول عن روايته "وردة ليست عودة إلى الماضي واستغراقا فيه بل هي
مراوحة بين الماضي والحاضر في جغرافيا واحدة "سلطنة عمان" من خلال البحث عن مصير
البطلة "وردة" إحدى مقاتلات حركة تحرير ظفار في الستينيات والسبعينيات".
ويؤكد محمد الدبيسي أهمية هذا السفر الروائي في تجذير مفهوم مضموني حضاري لمعنى
القومية ونشوئها في ظروف كالتي جاءت في بعض إلماحاتها في روايته والتي تتعامل مع
مساحة جغرافية معينة، تمثل "ظفار" بؤرتها وجادة توترها. والحواضر العربية التي شهدت
ولادات حركات التمدن والقومية، تداعياتها وأبعادها المناخية بقدر ما مثلت من جهة
أخرى عناصر داخلية مؤثرة فيها. وعمل يتوخى شرعيته التاريخية بدقة وأمانة، مثلما
يعتمد الإبداع نصا وجودياً لفحواه ومضامينه. إنما ينهض بهكذا مهمة، مستلهماً قدرات
كاتبة وخبراته، في ربط التاريخ بتفاصيله الداخلية، ومكوناته الأولى ويعطي "للإنسان"
في مناخ نائي ومنسي هذه الأهمية والقيمة الحضورية". "29
اكتفي بهذا القدر من قراءتي المتواضعة لرواية وردة لصنع الله ابراهيم، التي كانت
ولا تزال تثير الجدل وتثري النقاش كلما جيء على ذكرها!
هـــوامـــش
1. ناصر صالح الغيلاني ، قراءة في رواية وردة لصنع الله إبراهيم "صورة الإنسان
والمكان بلا إحساس " ، جريدة الوطن / العدد 7555 /7 فبراير 2002
2. رواية وردة، صنع الله ابراهيم، دار المستقبل العربي، 2000، ص 7
3. لمصدر السابق، ص 12
4. المصدر السابق، ص 55
5. المصدر السابق، ص 79،81، 82،83، 84،96.
6. لمصدر السابق، ص82، 85، 87
7. المصدر السابق، ص93، 99، 105
8. المصدر السابق، ص115،
9. المصدر السابق، ص 121..
10. المصدر السابق، ص 143ـ 148.
11. المصدر السابق، ص 165، 168
12. المصدر السابق، ص179
* اللغة الجبالية : لغة قديمة لا يزال يتحدث بها سكان جبال ظفار، وتعود جذورها إلى
اللغة الحميرية