بينما تستنطق بعض الدول الحجر لكتابة تاريخ كان أو لم يكن، تضيق الأرض ببعض أصحاب
المال في وطننا، فلا يجدون مكانا آخر لكسب مزيد من المال إلا على أنقاض تراث عمان
وتاريخه! ففي موقع أثري بمنطقة رأس الحمراء يعود تاريخه إلى سبعة آلاف عام، تستعد
جرافات "الجشع" لإزالة أدلة على وجود مستوطنات تمثل حقبة من تاريخ عمان البعيد أطلق
عليها اسم "حضارة الصياد العماني القديم" لإقامة قواعد إسمنتية لمستعمرات من نوع
آخر.."فلل"، لا أدري أي اسم سيطلق عليها من سيأتي بعدنا غدا أو بعد سبعة آلاف عام
أخرى، لكن بالتأكد لن يكون اسما يخلد وجودنا، مثلما خَلَدَت بقايا تلك المستعمرات
سـكانها الذين عاشوا هنا قبلنا منذ آلاف السنين.
والمفارقة أن الاستهتار بأحد أهم المعالم التراثية في مدينة مسقط يأتي في الوقت
الذي تستعد فيه عمان.. الأرض والإنسان ممثلة في وزارة التراث والثقافة للاحتفاء
بإعلان مسقط عاصمة للثقافة العربية 2006.
ولعل المفارقة الأشد أن يتألم خبير آثار أوروبي ويدق ناقوس الخطر محاولا لفت
الأنظار إلى خطورة الأمر مؤكدا أن عقد من الأصداف كانت تلبسه امرأة من سكان تلك
المستعمرة لا يضاهي بمال. فأثقال الشباك الحجريه والمطارق والازاميل الحجريه وعظام
السمك وعقد الأصداف تمثل أهمية تاريخية وقيمة أثرية لعمان وتؤكد عراقة شعبها.. وهذا
ما تعجز عن تحقيقه كنوز الدنيا!
ومن هنا أضم صوتي إلى صوتي الزميلين حاتم الطائي وناصر المنجي اللذين أثارا ـ
مشكورين ـ قضية هذا الموقع في عدد المجلة السابق، مناشدا وزارة التراث والثقافة
التدخل السريع لوقف "مشروع" هدم تاريخنا وهي التي أخذت على عاتقها، منذ تأسيسها،
مسئولية الحفاظ عليه من خلال حماية المواقع الأثرية وصيانتها وترميم القلاع والحصون
العمانية وسعت إلىإدراج بعض منها ضمن قائمة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو، فضلا
عن مبادراتها لتأكيد صدق رواية التاريخ للتراث العماني العريق من خلال أحياء بعض
الرحلات التاريخية مثل رحلات سفن مجان ومن قبلها رحلة السندباد.
إن العمل على وقف مشروع تدمير موقع رأس الحمراء الأثري مسؤولية وطنية تقع علينا
جميعا أفرادا ومؤسسات لاسيما أن النظام الأساسي للدولة ينص على أن ترعى الدولة
التراث الوطني وتحافظ عليه.
ــــــــــــــ
مجلة الرؤيا