الحديث عن استخدام العامية في النصوص السردية نحتاج إليه الآن أكثر من أي وقت مضى..
في هذا الزمن الذي تواجه فيه اللغة العربية الفصحى تهميشا لدورها في الارتقاء
بالأمة والحفاظ على وحدتها ومستقبلها. إننا اليوم بأمس الحاجة إلى ما يعزز مكانتنا
بين الأمم كعرب ومسلمين والعل المحافظة على اللغة العربية الفصحى وتعزيز مكانتها
أهم هذه الأسباب.
قضية الكتابة باللهجات العامية ليست جديدة في حقيقتها، في الجاهلية كانت القبائل
العربية تتحدث بلهجات عربية مختلفة، ولكن عرب تلك الفترة كانوا يعتبرون لهجة قريش
لغة الأدب والشعر والخطابة رغم أن كل منطقة لها لهجتها المحكية، ولكن الجديد هو
استثمار الدعوة للكتاب بالعامية من قبل من يتربص بالعرب ويعمل على ضرب لغتهم وتشتيت
كل ما يعزز وحدتهم.
هل مزج العامية يثري النص الأدبي أم يربكه؟!
لا أظن أن استخدام اللهجة العامية في السرد يخدم النص، ولكن يمكن حين تستدعي
الضرورة استخدام بعض المفردات العامية في الحوار بحيث يفسر سياق الحوار دلالة هذه
المفردة من دون الحاجة إلى "تفسيرها" في الهامش، وان لا تكون موغلة في محليتها.
واعتقد أن موضوع النص وبيئته وزمنه وشخوصه تحددا المساحة التي تصبح فيها المفردة
العامية إضافة تخدم النص وتعزز من قيمته الأدبية. فكاتب الرواية يمكنه تطعيم الحوار
ببعض الألفاظ العامة التي تعكس طبيعة الحوار والمتحاورين والتي يتفاوت فيها مستوى
اللغة حسب المستوى الثقافي والعلمي للشخصية، بينما يصعب ذلك في القصة القصيرة التي
تقوم على مبدأ التركيز والتكثيف والترميز والتي لا مجال فيها للجمل الحوارية
المطولة.
أما إقحام اللهجة العامية في السرد والحوار لا لشيء غير تأكيد خصوصية بيئة النص،
فهذا كما أظن سيغرب النص ويجعله حبيس مكانه. عدد سكان العالم العربي يتجاوز
ثلاثمائة مليون نسمه يفهمون ويقرؤون لغة واحدة.. هي العربية الفصحى، ويتحدثون عشرات
إن لم يكن مئات اللهجات العامية. فماذا سيحدث لو كتب كل منا بلهجته العامية فلن
يتعدى نصه حدود منطقته الضيقة. ألا يكفي أن النص الأدبي العربي يواجه، مثلما تواجه
لغته، تهميشا وإقصاء.. من بينها سوء التوزيع إلى حد القطيعة بين ما يصدر في أطراف
العالمي العربي وفي مركزه أو مغربه ومشرقه.
الادعاء أن النص المكتوب بالعامية يعبر عن واقع الحال والمكان والإنسان بلغة
متداولة يتكلمها الجميع لا ينطبق على كل اللهجات العربية. فالعامية المصرية أصبحت
لهجة يفهما معظم العرب نتيجة للسطوة الإعلامية المصرية من أفلام ومسلسلات وبرامج
إذاعية وتلفزيونية، وبالتالي أصبحنا نقرأ لشعراء العامية المصرية أمثال عبد الرحمن
الابنودي واحمد فؤاد نجم بينما لا نعرف شيئا عن الشعراء الشعبين في المغرب أو
الجزائر. كما أن العامية الخليجية تعزز وجودها في الشعر النبطي الخليجي، إلا انه لا
احد في العالم العربي يعرف شيئا عن الشعر النبطي في الخليج، بينما يقرأ الموريتاني
والسوداني عبده خال وسيف الرحبي وغيرهم من المبدعين الخليجيين.
لقد كرم الله العرب وانزل القران بلغتهم، واثبت التاريخ العربي منذ الجاهلية أن
اللغة الفصحى باقية ما بقي الناس وان اللهجات فانية، فلماذا نعمل ونتعامل على
الانتقاص من اللغة العربية وتعجيزها. إن ما يثير الاستغراب هو أن ينادي بعض الأدباء
إلى استخدام العامية لكتابة النصوص الأدبية وهم يدركون أنهم بذلك يحدون من انتشار
إبداعاتهم في حين أن أمنية كل مبدع توزيع نتاجه ونشره ليصل إلى أقصى مكان يمكن
الوصول إليه