|
|
|
|

مجان كانت تبحر من مجان
لم تكد سفينة "مجان" التراثية العمانية تبتعد
عن حلق خور الـ"بطح" الافعواني بمدينة صور
العمانية حتى تسرب الماء من هيكلها وفقدت
السفينة التراثية توازنها فانقلبت. كانت
"مجان"، وهي سفينة بنيت طبق الاصل لسفن مجان
التاريخية من مواد تقليدية محلية على غرار سفن
الالف الثالث قبل الميلاد، في طريقها إلى
الهند إحياءً لذكرى جولات تاريخية كانت تقوم
بها سفن "مجان"، وحفاظا على الأساليب
التقليدية ولأصالة التاريخية لهذه الرحلات
البحرية.
وتجدر الإشارة أن "مجان" هو اسم "بلاد عمان"
القديمة، والتسمية تعود إلى فترة النصف الأول
من الألف الثالث قبل الميلاد. ويربط علماء
الآثار بين اسم "مجان" وشهرة عمان في صناعة
السفن ويؤكدون ذلك بتفسير كلمة "مجان" التي
تتألف من جزئين: "ما" وتعني سفينة و"جان"
وتعني هيكل، وهذا يرمز ـ إذا صدق التفسيرـ
إلى"هيكل السفينة".
فكرة بناء نموذج لسفينة مجان لم تأت من عدم،
ولا كانت مجرد هوس لاستنطاق الماضي من أجل
قراءة تاريخ لم يوجد يوما لكي يُكتبْ، وإنما
هي وليدة اكتشافات عمليات تنقيب أثرية شارك
فيها إلى جانب وزارة التراث والثقافة العمانية
معهد البحوث الأثرية في فرنسا، والمعهد
الايطالي للدراسات الشرقية في روما.
وعلى مدى خمس سنوات جُمعت معلومات مهمة من
خلال عمليات التنقيب في مستوطنة رأس الجنز
وموقعي رأس الحد والسويح بالمنطقة الشرقية حيث
توفرت الأدلة الأثرية التي أكدت الصلات
التجارية المباشرة للإنسان العماني القديم مع
مراكز الحضارة في بلاد الرافدين والسند
وأفريقيا، فقد احتوت غرف البيوت الطينية في
رأس الجنز على ألواح وكتل من القار كانت
تستخدم لطلاء أو سد الفراغات في القوارب التي
كانت تصنع من حزم القصب، وظهرت على بعض قطع
القار آثار طبعات حزم القصب والقش والحصير
والحبال والعوالق البحرية
وقد كان للرياح الموسمية الأثر البالغ في
تنشيط الملاحة البحرية في تلك الفترة، فقد
ساعد هبوب الرياح باتجاه الجنوب الغربي خلال
شهر سبتمبر بحارة سفن مجان من عبور بحر العرب
مرورا بالمحيط الهندي ووصولا إلى ميلوخا في
الهند. كما ساهمت الرياح الموسمية التي تهب
باتجاه الشمال الغربي خلال فترة شهري أكتوبر
ومارس في تسهيل رحلة العودة من الهند جنوبا
وصولا إلى مجان.
ويبدو أن هذا النوع من السفن لعب دورا رئيس
في التبادل التجاري بين عمان وبلاد الرافدين،
التي كانت مركزا رئيسيا للصناعة، وكانت تستورد
احتياجاتها من مواد الخام من "مجان" لاسيما
النحاس الذي كان الطلب عليه كثيرا.
وفي ضوء النتائج العلمية والبحثية التي خرجت
بها الندوة العلمية التي استضافتها الوزارة عن
مجان عام 2004م، ومن منطلق الاكتشافات الأثرية
في مستوطنات رأس الحد، تولدت فكرة إعادة بناء
نموذج لسفينة مجان التي كانت تبحر إلى بلاد
الرافدين (العراق) والسند وأفريقيا خلال الألف
الثالث قبل الميلاد.
وعلى أرض مدينة صور تم بناء سفينة طبق الأصل
لسفن مجان التاريخية بطول 12متر، واستغرق
بناؤها ستة أشهر حيث جمعت المواد التي دخلت في
صناعتها من مناطق مختلفة في السلطنة، فجلبت
أعواد القصب والجلود والحبال ونسيج الشراع من
مختلف الولايات العمانية، فيما استورد القار
الذي يدهن به هيكل السفينة لعمل طبقة تمنع
تسرب من مدينة البصرة العراقية.
وتزامن مع مراحل بناء السفينة، دراسة وإعداد
متطلبات الرحلة، حيث تقرر تشكيل طاقم ملاحة
يضم في صفه ثمانية رجال من جنسيات مختلفة: من
سلطنة عمان والهند واستراليا وايطاليا وفرنسا،
وتقرر أن يعتمدوا في غذائهم أساسا على الأطعمة
القديمة مثل السمك المجفف ودبس التمر المعجون.
وكان من المفترض أن يعتمد طاقم السفينة على
أساليب الإبحار التقليدية وذلك بمراقبة النجوم
والأفلاك والأمواج ومعاينة لون السماء والماء
ونوع الطيور.
وتذكر النصوص المسمارية أن المراكب كانت تصل
من مجان إلى بلاد الرافدين وهي محملة بسبائك
النحاس والذهب والأحجار الكريمة وبأصناف من
القصب وألواح الخشب والتمور والزيوت المعطرة.
ورغم أن رحلة السفينة كانت بغرض تأكيد حدوث
مثل هذه الرحلات والاحتفاء بالعلاقات التي
كانت قائمة بين شعوب المنطقة، إلا أن القائمون
عليها أرادوا لها أن تقترب من الواقع قدر ما
أمكن، فشحنت السفينة بمواد كالسمك المجفف
والمملح والليمون المجفف، والسمن الذي وضع
بداخل جرار فخارية، إضافة إلى اللبان والنحاس
والجلود ومواد أخرى يعود تاريخها إلى فترة
الألف الثالث قبل الميلاد.
وفي 11 سبتمبر 2005م سحبت السفينة إلى البحر،
ورفعت أشرعتها، وأدار قبطانها الدفة نحو الشرق
حيث كان من المخطط لها أن تعبر بحر العرب
مرورا بالمحيط الهندي مستعينة بالرياح التي
تهب خلال شهر سبتمبر باتجاه الجنوب الغربي
للوصل إلى مدينة دواركا في مقاطعة جوجرات
الهندية، لكن رياح بحر العرب وتياراته جرت بما
لا تشتهيه سفينة "مجان".
يذكر أن علاقة العمانيين بالبحر تعود إلى آلاف
السنين قبل ظهور الإسلام، وكانوا من طليعة
رواد المحيطات في العالم على مر العصور بدءا
من حضارة "مجان" كما أشارت إليه الاكتشافات
الأثرية والكتابات المسمارية، ومرورا
بالفينيقيين الذين سيطروا على حوض البحر
الأبيض المتوسط. وهذا ما أكده المؤرخ والرحالة
اليوناني هيردوتس ( 484 - 425 قبل الميلاد)
المعروف بأبي التاريخ، حيث ذكر في كتابه
"التاريخ » أن الفينيقيين هاجروا من مدينة صور
العمانية إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض
المتوسط قبل 0 350 سنة واستقر بعضهم في لبنان
حيث أسسوا على ساحلها مدينة أطلقوا عليها نفس
الاسم. ويذكر أن سكانها قالوا له أن أجدادهم
نزحوا من الخليج حيث كانت لهم مستوطنات على
طول سواحله وجزره ونقلوا معهم فنون الملاحة
التي برعوا فيها في البحار العربية فتمكنوا من
مد نفوذهم التجاري وبسط حضارتهم العظيمة على
الساحل المتوسطي والشاطئ الإفريقي.
 |
 |
|
|
|
|