عـودة سفينـة فتـح الخيـر

الدكتور محمد رضا بن باقرين بن حبيب
ترجمة: محمد عيد العريمي

تفيض مشاعر أهل صور حيا وشوقا وشيئا من الحسرة كلما تناول الحديث موضوع البحر والابحار.. في المقال التالي يحدثنا الدكتور بن مراد اللواتي عن مكنون هذه العلاقة الازلية!

ستظل حركة المد والجزر، بلا شك، تثير حنينا قويا للبحر في نفوس الرجال في صور، وخاصة من تجاوزت أعمارهم الخمسين والذين خاص معظمهم تجربة السفر والإبحار بشكل أو بآخر عندما كانوا شبابا، ولا يزالون يعودون إلى الماضي بتوق شديد كلما سنحت الفرصة لاستعادة الذكريات. فهناك أمام عتبات منازلهم تنتصب "فتح الخير" الغنجة الوحيدة المتبقية في عمان، التي بناها أجدادهم قبل حوالي 60 عاما، بمحاذاة واجهة مدينتهم البحرية بعد سحبها على رمال الشاطئ لتبقى تذكارا لتراثهم الملاحي الخالد وتقاليدهم البحرية العظيمة التي يرى البعض أنها اندثرت إلى الأبد.

وتقف السفينة "فتح الخير" يوم شامخة على ضفاف حي الرشة بمدينة صور.. عملاقة وكل ما عداها أقزام. فهي ليست سفينة كسائر السفن والمراكب التقليدية التي يعرفها معظمنا وتشاهد كثيرا، حتى اليوم، في المواني العمانية. إنها سفينة ركاب وشحن عملاقة من نوع"الغنجة" ذات مؤخرة تزينها النقوش والنوافذ المزخرفة وطول يمتد 70 قدما.. سفينة عبرت، في الماضي المحيطات، وجابت البحار في مواسم الرياح التجارية الموسمية ما بين ساحل صور وزنجبار والهند. وهناك على ضفاف الخور حيث لا تزال أهازيج النجارين تتناغم وطرقاتهم على المسامير التي يتردد صداها بين أخاديد الجبال المطلة على الضفة الأخرى من الخور، كانت تجثم كنورس عظيم بمقدمة تشبه المنقار أضفى على المشهد حسا خياليا.وحولها، دائما، يتجمع أبناء صور يتأملون هذا العملاق من السفن في صورة سريالية تذكر المرء بأقزام جزيرة ليليبوت الخيالية وهم يحدقون برهبة في "جاليفر العملاق" الذي قذفت به الأمواج على شواطئ جزيرتهم. ومما زاد المشهد تأثيرا، هو حقيقة أن تلك السفينة هي النموذج الوحيد المتبقي من حوالي مئة غنجة بدأت حياتها في صور قبل 60 سنة فقط.
وقد اختفت "فتح الخير" من خور البطح اثر افول نجم الملاحة التقليدية والنقل بالمراكب الشراعية بسبب انتشار وسائل النقل الحديثة وتراجع نشاط النقل البحري التقليدي، حيث ابتاعها عام 1975 تاجر من دبي يدعى سيف بن سعيد الجرواني ثم باعها فيما بعد لتجار يمنيين. وكانت السفينة لا تزال في اليمن في عام 1993 عندما تبلورت فكرة إعادة آخر سفينة من نوعها إلى موطنها الأصلي في أذهان أهالي صور.
وبدعم مالي من قبل تاجرين صوريين، هما الشيخ سهيل بن سالم بهوان، صاحب مجموعة شركات بهوان، والشيخ سالم بن سعيد الفنه العريمي، صاحب مجموعة شركات جلفار، وبتكلفة قدرها 31.500 ألف ريال أو نحو 83 ألف دولار أمريكي أنيطت بالنوخذة محمد بن حمد بن ناجم الغيلاني مهمة قيادة السفينة "فتح الخير" واعادتها الى مسقط رأسها صور. وقد ارسيت بعد وصولها في خور صور قبالة الحي الذي شهد مولدها الأول، وأنتهى المطاف بها الآن على أرض مستصلحة بجانب كورنيش حديث يحيط بالمدينة القديمة، حيث ستكون نواة متحف بحري يعتزم أهالي صور إقامته كشاهد هلى عراقة المدينة وعظمة تاريخها البحري.

تميز سكان صور، دون سواهم من الملاحين العمانيين، بشهرة واسعة ومهارات فائقة في صنع السفن الشراعية. ولعل المراكب العابرة للمحيطات كانت تصنع في صور بشكل أو آخر منذ أيام "صناع سفن مجان" قبل أربعة آلاف سنة خلت وإلى النصف الأول من القرن العشرين باستخدام الأخشاب المحلية كالسدر والقرط أو المستوردة كالساج والميط والكرنج التي كانت تجلب من ملبار إلى الشرق أو من الصومال إلى الغرب. ولقد ذكر العمانيون في القرن العاشر، ربما من صور، أنهم كانوا يسافرون إلى جزر المالديف واللاكاديف في المحيط الهندي لبناء سفن من خشب أشجار جوز الهند ويعودون بنفس السفن محملة بشحنات كاملة من ثمارها.

لكن مجد صناعة السفن في صور أفل ولم تعد تحظى المدينة بالأهمية والشهرة التي كانت عليها والتي وضعتها على قائمة أهم وأنشط مراكز صناعة السفن في الجزيرة العربية. فقد توقف صنع سفن "البغلة" العابرة للمحيطات منذ عام 1952 وذلك عندما دشنت آخر سفينة من هذا النوع. أما آخر سفينتين من نوع الغنجة، إلى جانب فتح الخير، فيقال أنهما صنعتا في مطلع هذا القرن. ورغم ذلك فإن صناعة السفن لم تندثر تماما. فلقد كان بناء سفينة "صحار" عام 1980 في صور، وهي نسخة من البوم العربي، التي أبحرت في الرحلة المشهورة "رحلة السندباد" إلى مدينة كانتون الصينية مثار احتفاء عظيم بين أهالي المدينة.

واثارت عودة "فتح الخير" الى صور في بداية عام 1993 اهمية كبير، وانتاب أهالي صور القلق على السفينة خوفا من أن تواجه نفس المصير الذي واجه سفينتين من نفس النوع في الماضي القريب وخاصة انها آخر ما تبقى من هذا النوع من السفن. فلقد عرفت المدينة مشروعا آخر مماثلا في الثمانينيات عندما أعيدت سفينة أخرى عملاقة عابرة للمحيطات، اسمها "جاد الكريم" يعود تاريخ صنعها إلى بداية العقد الثاني من هذا القرن، إلى صور.

وكان أحد أفراد أسرة القاسمي من صور قد اشترى تلك السفينة، التي كانت تبلغ حمولتها 200 طن وطولها 70 قدما. في أوائل الثمانينيات من آل الحشار. وآلت ملكيتها فيما بعد للنوخذة محمد بن حمد بن ناجم الغيلاني وذلك قبل أن تقتنيها في نهاية المطاف وزارة التراث القومي والثقافة. الا أن عاصفة مباغتة حطمتها إلى جزءين بينما كانت راسية في خور صور. وحولها، دائما، يتجمع أبناء صور يتأملون هذا العملاق من السفن في صورة سريالية تذكر المرء بأقزام جزيرة ليليبوت الخيالية وهم يحدقون برهبة في "جاليفر العملاق" الذي قذفت به الأمواج على شواطئ جزيرتهم. ومما زاد المشهد تأثيرا، هو حقيقة أن تلك السفينة هي النموذج الوحيد المتبقي من حوالي مئة غنجة بدأت حياتها في صور قبل 60 سنة فقط.

وهناك على ضفاف الخور حيث لا تزال أهازيج النجارين تتناغم وطرقاتهم على المسامير التي يتردد صداها بين أخاديد الجبال المطلة على الضفة الأخرى من الخور، تجثم "فتح الخير" كنورس عظيم بمقدمة تشبه المنقار أضفى على المشهد حسا خياليا.

وحولها، دائما، يتجمع أبناء صور يتأملون هذا العملاق من السفن في صورة سريالية تذكر المرء بأقزام جزيرة ليليبوت الخيالية وهم يحدقون برهبة في "جاليفر العملاق" الذي قذفت به الأمواج على شواطئ جزيرتهم. ومما زاد المشهد تأثيرا، هو حقيقة أن تلك السفينة هي النموذج الوحيد المتبقي من حوالي مئة غنجة بدأت حياتها في صور قبل 60 سنة فقط.