|
|
|
|

"
صـور "
قصة الإنسان والبحر
"تجار صور".. كيف نشروا الثقافة العربية
والاسلامية في أفريقيا والهند؟
البعد التاريخي
هناك نظرية تاريخية تقول أن مدينة "صور" كانت
الموطن الأصلي للفينيقيين الذين هاجروا إلى
لبنان واستقروا في منطقة على الساحل الشرقي
للبحر الأبيض المتوسط حيث أسسوا مدينة أطلقوا
عليها نفس الاسم-صور. وطبقا لهذا الرأي، الذي
يستند إلى كتابات المؤرخ اليوناني هيردوتس
(485-425ق. م) الذي يعرف بابي التاريخ، فان
الفينيقيين جاءوا من منطقة الخليج العربي حيث
أتقنوا فنون الملاحة في البحر المتوسط فمدوا
نفوذهم التجاري وبسطوا حظارتهم العظيمة على
طول الساحل المتوسط والشاطئ الأفريقي.
تنطوي هذه النظرية على مصداقية كبيرة فيما
يتعلق بأصل الفينيقيين خاصة إذا ما اخذ في
الاعتبار التشابه الجغرافي والموقعي بين
المدينتين-صور العمانية وصور اللبنانية. ورغم
ذلك ،فلا يزال هناك اليوم عدد من علماء
التاريخ يلقون ظلالا من الشك على صحة هذا
الاعتقاد. وبالتالي. فان اصل الفينيقيين ليس
موضع اتفاق، ولكن نتمنى ان تكتشف ذات يوم
دلائل في طور النسيان.
وسواء كانت صور فينيقية أم لا، فهي بلا شك
مدينة عريقة ومرفا تاريخي هام، يوفر ساحلها
صور العمانية وصور
اللبنانية
للسفن الحماية من الرياح والأمواج ويعتبر
خورها الطويل الهادئ ملاذا أمنا للبحارة من
أمواج المحيط العاتية. بالإضافة إلى ذلك، فقد
أهلها موقعها على مصب وادي الفليج الذي يعد
طريقا سهلا إلى المناطق الداخلية لان تصبح
مدينة هامة على مر العصور، خاصة بعد اندثار
(شقيقتها) قلهات في مطلع القرن السادس عشر.
قلهـــــات
إلى أن يتم العثور على اكتشافات أثرية قيمة
تزيح الغموض، سيظل تاريخ قلهات لغزا محيرا
للمؤرخين والمهتمين بتاريخ هذا الجزء من
عمـان. ويرجع هذا الإحساس إلى صعوبة فهم
الأهمية العظيمة التي اكتسبتها المدينة يوما
ما. فالرحالة الإيطالي ماركو بولو (1254-1323)
ذكر في أخبار رحلاته المدينة ووصف ميناءها
الكبير الذي تؤمه بكثرة سفن التجارة القادمة
من الهند بسب أهمية مركزه لنقل التوابل
والسلع الأخرى إلى مناطق عمان الداخلية. كما
اشتهرت مدينة قلهات خلال عصرها الذهبي بتربية
خيول العرب الأصيلة وتصديرها إلى الهند بعدد
كبير يفوق الخيال.
وأشار الرحالة العربي ابن بطوطة (1304-1377)
في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار
وعجائب الأسفار)، إلى زيارته لقلهات، التي
جاءت بعد زيارة ماركو بولو بخمسين عاما، وأشاد
بجمال المدينة وخاصة مسجدها الذي أقيم على
الطراز الأسباني، فيقول (يوجد في قلهات أسواق
ممتازة ومسجد جميل زين بالقرميد.. يقع فوق
أبية تطل على المدينة ومرفأها. أهلها أصحاب
تجارة تعتمد كليا على التعامل مع السفن
التجارية القادمة من الهند).
والحالة هذه، يصبح من الطبيعي عدم معرفة تاريخ
نشاة مدينة قلهات، ولكن من المثير أن يكون
لها وجود مميز خلال حقبة متأخرة من تاريخ
المنطقة. فلقد ذكر أن "مالك بن فهم" وأفراد
قبيلة "الازد"اتخذوا من قلهات محطة توقف خلال
هجرتهم من اليمن إلى عمان في القرن الثاني
الميلادي، حيث أعادوا تجميع قواتهم وتركوا
نساء القبيلة فيها قبل توجههم لمداهمة الفرس
في قواعدهم بمدينة صحار وذلك بسب رفض الفرس
الشديد لمجى الازد إلى عمان. ولعل الفرس عرفوا
مدينة قلهات من قبل، وربنا طردوا منها، ولكنهم
عادوا إليها خلال الغزو الهرموزي في عام 1300م
وطورها لتحتل مكانة بارزة كأكبر ميناء على طول
الساحل العماني وكعاصمة ثانية لإمبراطورية
هرموز التي امتد نفوذها آنذاك مابين العراق
والهند وشرق أفريقيا. والاحتمال الأخر هو أن
قلهات برزت كمركز تجاري نتيجة ازدهار جارتها
صور، الأقدم تاريخيا والأكثر أهمية آنذاك.
ورغم تعرض المدينة، في نهاية القرن الخامس عشر
لهزة زلزالية أتت على جزء كبير منها، الا أنها
ظلت قائمة حتى عام 1508 حين أتى الفونسو دي
البوركويرك قائد القوات البرتغالية الغازية
على ماتبقى منها وسوى بها الارض. يقول د.
سلطان بن محمد القاسمي في كتابة "تقسيم
الامبراطورية العمانية 1856-1862م"،"بدأ
البرتغاليون في سنة 1906م احتلال المدن
الساحلية العمانية، والتي كانت تحت سيطرة ملك
هرمز. ان العمل الهمجي الذي قامت به القوات
البرتغالية الغازية من تهديم المدن بعد
استسلامها وتقطيع انوف واذان السجناء في المدن
العمانية المختلفة لتخويف ملك هرمز قبل الهجوم
عليه يعد جبنا وخزيا للقوات البرتغالية".
صور.. الاهمية التجارية
ساهمت صور مساهمة فعالة في شهرة عمان البحرية
ولعبت دورا بارزا في تاريخ المنطقة كلها. فلقد
عرف أهل صور منذ القدم بالاعتماد على النفس
والاستقلال وكان اتصالهم بالخليج وجنوب
الجزيرة والهند والسواحل الافريقية قديما حتى
قبل ان يكتسب اليعاربة شهرتهم البحرية في
مسقط. وفي الواقع كان لتجار صور وسكان المنطقة
الشرقية من عمان دورا هاما في استكشاف وفتح
افريقيا.
وتعد تجارة البن ما بين اليمن والبصرة من ابرز
علامات تلك المرحلة، ففي عام 1765 كان "اسطول
البن" السنوي يتكون من نحو 15 سفينة عمانية
أغلبها من مدينة صور.
ولقد كانت صور مركزا تجاريا سوقا وسطية بين
الهند ومناطق عمان الشرقية والجنوبية لمدة
طويلة حتى قبل ازدهار قلهات.. ويعتقد انها
واصلت ممارسة ذلك الدور بعد توسع قلهات ولكن-
ربما- بشكل أقل شأنا. وبعد الدمار الذي اصاب
قلهات في بداية القرن السادس عشر، ازدهرت صور
واصبحت واحدة من اهم الاسواق والموانيء
التجارية في عمان.
ومن جهة أخرى، كانت عائدات الجمارك في منتصف
القرن التاسع عشر تشكل الجزء الاكبر من دخل
الحكومة في مسقط وكانت صور هي المدينة
العمانية الوحيدة الى جانب مطرح ومسقط التى
تغذي خزينة الدولة. فلقد بلغ العائد الصافي من
ميناء صور في عام 1840م حوالي 1800 دولار
بينما بلغت عائدات جمارك مطرح 7000 دولار.
وفي بداية القرن العشرين، كان ميناء صور من
أهم المواني العمانية بالنسبة لصادرات المناطق
الداخلية والساحلية من اسماك وتمور وليمون
وجلود. ففي معاهدة الصلح – المعرفة بمعاهدة
السيب – التي وقعت في 25 سبتمبر 1920 بين
سلطان مسقط وعمان السيد تيمور بن فيصل والشيخ
عيسى بن صالح الحارثي، ممثل بعض القبائل
العمانية، لتنظيم التجارية والتنقل بين المدن
الساحلية والمناطق الداخلية، ذكرت صور في هذه
المعاهدة الى جانب مسقط ومطرح في شروط
الاتفاق التي نص اولها على مايلي :"لايجوز
تحصيل أكثر من 5 بالمائة من أي شخص – مهما كان
جنسه – قادم من عمان الى مسقط او مطرح او صور
أو اية مدينة ساحلية أخرى,,.
وبعد الحرب العالمية الثانية، احتفظت صور
بأهميتها التجارية فكانت أحد أكبر موانيء
السفن الشراعية التجارية وأبرز مراكز صناعتها
على طول الساحل العماني، حيث بلغ عدد اسطولها
التجاري حوالي 100 سفينة عابرة للقارات – تجوب
الموانيء والمدن الساحلية مابين البصرة شمالا
والهند وسواحل افريقيا جنوبا، تحمل التمور
واللبان والليمون والبن والاقمشة والاسماك
والاخشاب والسمن والتوابل ومواد غذائية اخرى،
بينما تقوم السفن الصغيرة بالاتجار مع الخليج
وعدن والحبشة.
وحتى أواخر الستينيات كانت صور تشبة في حركتها
التجارية الى حد ما "مطرح"، فسوقها المفتوحة
نعج بحركة البيع والشراء، حيث يشاهد في ساحتها
عدد كبير من الرجال والنساء يعرضون بضائعهم في
أوان واكشاك مليئة بالملابس والحلىء والمواد
الغذائية واخضار والموز والتبغ.
وفي خور البطح يزدحم المرفأ بالسفن التجارية
الكبيرة العمانية والخليجية والهندية التي
تقصد صور من موانيء افريقيا والهند والخليج
العربي..تفرغ حمولتها من الارز والبن والسمن
والمواد الغذائية الاخرى بالاضافة الى الاقمشة
والاخشاب وكل ماتحتاج اليه المنطقة الشرقية.
وكانت قوافل الجمل تنتظر بالمئات لنقل حمولتها
من هذه المواد الى المدن والقرى الداخلية من
المنطقة الشرقية والوسطى ، حيث كانت صور هي
المركز التجاري الرئيسي الذي تعبر من خلاله
جميع واردات واصادرات المنطقة الشرقية من
عمان. كما كانت قوافل الجمال تدخل صور بالمئات
وهي محملة بالتمور خاصة"البسر" والليمون الذي
تنتجة المناطق الداخلية وتصدره عبر ميناء صور
الى الهند وشرق افريقيا.
واليوم، فمن المفارقات ان يكون الأخذ بأساليب
النقل والموصلات الحديثة سببا في تقليص
استخدام وسائل النقل البحري التقليدية. ففي
عام 1970 كان تجار صور يملكون حوالي 86 سفينة
شحن تعمل مابين موانيء الخليج العربي – خاصة
دبي – ومسقط وصور وبشكل اقل الهند وافريقيا،
في نقل البضائع والمسافرين، لم يبق منها في
عام 1976، بعد عام واحد فقط من افتتاح طريق
مسقط – صور، سوى سفينة واحدة.
وعلى اية حال، لاتزال السفن الاجنبية، خاصة
الهندية، تؤم ميناء صور بأعداد قليلة لتفريغ
شحنات من خشب الساج ومواد بناء السفن الأخرى
فضلا عن السفن التى تصل من دبي محملة ببعض
المواد الغذائية والأسمنت والمحروقات.
صناعة السفن في صور
تمتعت صور منذ القدم بشهرة واسعة في الصناعات
الحرفية التقليدية كصناعة الفضيات والنسيج
والنقش على الخشب، ولعل أهمها صناعة السفن
الشراعية التجارية الكبيرة التي ساهمت بدور
بارز ليس في تااريخ عمان البحري فحسب، بل وفي
تاريخ الخليج العربي كله. وكانت صور خلال
القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من اهم
مراكز صنع السفن في الجزيرة العربية كلها. فقد
اشار الرحالة مايلز، في عام 1874، الى انه
شاهد خلال زيارته لصور بناء ثماني سفن في نفس
الوقت.
ولقد كانت "ورشات" صناعة السفن تنتشر على طول
ساحل المدينة ومدخل خور البطح وضفافه في خيصة
العيجة والبطح والسط والرشة ومصفية.. تصنيع
أنواعا مختلفة الاشكال والاحجام من السفن مثل
البغلة او النموذج الاصغر حجما منها "الغنجة"
و "والبوم" و "والبدن" و "السنبوك" و "الشوعي"
و "الجالبوت" و "الهوري" وانواع أخرى. وعلى
بعد امتار من هذه الورشات تقع مخازن اصحاب
السفن والتجار التي تسمى "العماير" والتي
تستخدم لتخزين عدة السفن من اشرع وقفافي وحبال
وباورات ولوزام صيانة السفن اثناء موسم "التودي".
بالاضافة الى استخدامها لتخزين البضائع ومواد
صناعة السفن من خشب ومسافير وجلفاط وصل وصيفة.
بعد الحرب العالمية الثانية كان في صور 100
سفينة عابرة للقارات!
تتفاةت احجام السفن التجارية وتتبين اشكالها
حسب نوعها والغرض المطلوب من بنائها، فالبغلة
والغنجة والسنبوك والبوم تكون كبيرة الحجم.
حيث يصل طول البغلة الى 135 قدما وتتروح
حمولتها ما بين 175 و 400 طن، وتتجاوز
حمولتها، في حالة نادرة، 500 طن. وتزود
الانواع الكبيرة منها بثلاثة دقالة. وتتميز
البغلة بمؤخرة مرتفعة ويعتقد ان تصميمها تأثر
بسفينة "الغليون" البرتغالية التي استولى
عليها العمانيون خلال مطاردتهم للبرتغالين في
افريقيا في منتصف القرن السابع عشر، ولقد صنعت
اخر بغلة في صور وربما في الجزيرة كلها في عام
1952م.
بينما تتراوح حمولة الغنجة – وهي شبيهة
بالبغلة الى درجة أن اسمها يطلق ايضا على
البغلة – مابين 130 و 300 طن وطولها مابين 75
و 120 قدما. والغنجة من السفن التي طورت في
صور وتميزت هذه المدينة فقط بصننعها.
وتصل حمولة "البوم" مابين 75 و 400 طن
ويتراوح طوله مابين 50 و120 قدما. وقد حل
البوم خلال هذا القرن تدريجيا محل الغنجة
كسفينة للشحن ونقل المسافرين بين الخليج
العربي والهندي وجنوب الجزيرة العربية وشرق
افريقيا، وقد ظل البوم يصنع في صور حتى عام
1977م.
وترتبط "السنبوك" ارتباطا وثيقا بصور وتعد
اكثر السفن انتشارا فيها حتى عام 1960 حين
صنعت اخر سفينة فيها. ويشتهر صناع السفن في
صور ببناء سنابيك اكبر حجما من تلك التي تصنع
في مدن الخليج والتي تستخدم عادة في غوص
اللؤلؤ. تتراوح حمولة السنبوك ما بين 20 و
150 طن ويبلغ طول السنبوك العابرة للمحيط
حوالي 85 قدما. وتزود أحيانا بساريتين. اما
البدن فيستخدم اساسا في صيد السمك ونقل
البضائع بين مدن الساحل العماني وتتراوح
حمولته ما بين 20 و 100 طن، ويبلغ طوله في
المتوسط 45 قدما.
وفيما يلي وصف موجز لمراحل بناء سفن تقليدية
في أحدى ورشات صور. يبدأ صنع السفينة بتحديد
طول الهيراب والمواصفات الأخرى التي تقاس
بوحدة قياس محلية تعرف بالذراع. وعلى ضوء ذلك
يقوم "الاستاد" بالاتفاق مع مجموعة من الصناع
والمساعدين على صنع السفينة وتوزيع مهام العمل
التي تتضمن شق الواح الخشب وشذب الشلمان
والقواعد والاعمدة وتركيبها وحفر الثقوب وضرب
المسامير وزخرفة المقدمة والمؤخرة واعمال
الجلفطة ودهان الهيكل. ويتم تنفيذ بناء
السفينة دون الاستعانة بأي تصميم او رسوم
وانما بطريقة التميز البصري والخبرة. ويجرى
العمل تحت اشراف "الاستاد" المباشر الذي يكون
عادة ذو خبرة طويلة في هذا المجال. يستغرق
بناء سفينة من الحجم الكبيرة حوالي عشرة أشهر،
بينما تستغرق السفينة الصغيرة كالشوعي ما بين
شهر واح وأربعة أشهر.
ورغم التغير الكبير الذي طرأ على جميع
الصناعات التقليدية في عمان منذ بداية
السبعينيات، الا ان صناع السفن في صور حافظوا
على اسلوب صناعة السفن التقليدية مستخدمين نفس
المواد والمعدات التي كان يستخدمها اجدادهم
منذ مئات السنين. فلا يزال الخشب الساج
المستورد من سواحل ملبار بالهند ومن بورما
وماليزيا يستخدم لصنع هياكل واعمدة السفن مثل
الهيراب والميل، بينما يصنع الشلمان وبعض
الاجزاء الأخرى من جذوع الاشجار المحلية
كالسدر والقرط والكافرو. ولايزال اساتدة صور
يعتمدون على نفس الوسائل والادوات التقليدية
البسيطة في صناعة السفن، كالقدوم والمنشار
اليدوي والمقداح والقوس والرنده والمطرقة
والمنقرة والازميل واداة الجلفطة والبطاس
والكوار.
وبالرغم من بساطة – وربما تخلف –الدوات
المستخدمة في بناء هذه السفن الكبيرة، الا ان
المقارنة بين مستوى تقنية هذه الصناعة وضخامة
السفينة المنجزة وتناسقها وقدرتها على عبور
البحار العالية تخلق في النفس اعجابا وتقديرا
دائمين.
وبع اكتمل صنع السفينة، يدهن جسمها بالصل
ويطلى بدنها الغلطس بنادة مكونة من الزيت
والشحم او الراتنج الممزوج بالنورة وذلك
لوقاية السفينة من الخرس الذي تسببه الديدان
والعوالق البحرية.
وكانت المدينة تشهد عرسا كبيرا تزف فيه
السفينة الى البحر وتقام خلالة الاحتفالات
وتقدم الولائم وتحيا الفنون الشعبية مثل "الشوباني"
حيث يتجمع سكان المدينة للتعاون على حسب
السفينة من الورشة الى المياه خلال ارتفاع
المد في صفوف تجر الحبال وهم يرددون الاهازيج
والاغاني على قرع الطبول وزغاريد النساء.
ان رؤية هذه الهياكل الخشبية الضخمة وهي تنتصب
في مياه خور صور، خلال موسم الصيف، في
الستينيات من هذه القرن، تخلق في النفس الزهو
والافتخار بعراقة هذه المدينة واصالة شعبها
والدور العظيم الذي لعبته في التجارة البحرية
خلال قرون عديدة.
بيد أن مجد هذه الصناعة في صور، التي حازت في
يوم ما على شهرة واسعة في المحيط الهندي وكانت
خلال القرن الماضي والنصف الاول من هذا القرن
من اهم وانشط مراكز صناعة السفن في الجزيرة
العربية، اخذ في الافول منذ مطلع الخمسينيات.
فقد توقف صنع الغنجة التي تميزت بالنقوش
الجميلة منذ عام 1952م وذلك عندم دشنت اخر
سفينة من هذا النوع لأحد تجار صور، وبعدها
ببضع سنوات اختفت السنابيك الكبيرة من الورشات،
بينما ظل البوم يصنع في صور حتى عام 1976م.
ولقد كان اسطول السفن التجارية في صور، في عام
1970م، يضم 86 سفينة، لم يبق منها في عام
1977م سوى سفينة واحدة.
ومن المحزن ان صور لم تحتفظ، ولو للذكرى،
بواحدة من هذه السفن لتكون شاهدا على تاريخها
البحري المجيد ودليلا على مهارة صناعتها.
ومع ان الطلب على سفن الشحن ونقل المسافرين
الكبيرة كالغنجة والبوم والبغلة والسنبوك
الكبيرة والبدن شهد تراجعا كبيرا منذ
الخمسينيات نظرا لتطور حركة النقل الجوي
والبحري ولاحقا نتيجة لشق طرق برية سهلت
عمليات نقل البضائع والمسافرين بين المدن
الساحلية، الا ان صناعة السفن في صور اخذت
منحى اخر في السبعينيات، حيث ازداد الاقبال
على السفن الصغيرة المعروفة "بالسماكات"
المستخدمة في صيد السمك.
صور..الانسان والبحر
ونظرا لتمتع صور بموقع جغرافي بحري ممتاز
وقدرة صناع السفن فيها على بناء سفن شحن
تجارية كبيرة، كان ارتباط سكانها بالبحر ازليا
منذ القدم، فاتقنوا فنون الملاحة وعبور البحار
العالية. وقام ملاحوها برحلات بحرية طويلة
مستخدمين مهاراتهم الملاحية المتوارثة في
الابحار عبر المسالك المائية التجارية
ومستفيدين من الرياح المواتية التى استطاعوا
بفضل خبرة وتجارب مئات السنين تكوين معرفة
ودراية ملاحية واسعة عن مواسمها وقوتها
واتجاهاتها ومناطق تأثيرها. واتصلوا خلال هذه
الاسفار بشعوب كثيرة اثروا فيها وتأثروا بها
فانعكس ذلك على جوانب عديدة من مظاهر حياتهم
وخصائص مجتمعهم.
ولقد استخدم نواخذة صور، حتى قبل ظهور الأجهزة
الملاحية الحديثة كالبوصلات المغناطيسية،
وسائل ملاحة معروفة مثل خرائط التعليمات
البحرية او مايعرف محليا "بالنالية" التي توضح
مواقع النجوم وتحتوي على جداول فلكية تحدد
مواقع الموانيء والمدن الساحلية بالنسبة لخطوط
العرض والطول واشارات بحرية أخرى، كما كانوا
يستعينون بأداة قياس فلكي بسيطة تسمى "كامل" -
عرفها العرب منذ القرون الوسطى – وهي عبارة عن
مستطيل صغير من الخشب طوله حوالي اربع بوصات
وعرضه بوصتان تقريبا.. يمر في وسطه خيط..
وتستخدم هذه الاداة لقياس ارتفاع النجوم
لتعيين موقع السفينة على خطوط العرض والطول في
حدود 30 ميلا بحريا. كما شاع بينهم خلال النصف
الاول من هذا القرن استخدام مرشد ملاحي يعرف
باسم مؤلفه "بن قطامى" يوضح الواقع الرئيسية
ويحدد المسافات بينها. وقد استطاع نواخذة صور
بواسطة هذه الوسائل والمورثات الملاحية الاخرى
خلق نظام دقيق لمواسم اسفارهم ووجهاتها تبعا
لموسم الرياح الموسمية – ارتبط الى حد ما
بوفرة العرض والطلب على المنتجات التي يتاجرون
بها في موانيء الجزيرة العربية والهند وشرق
افريقيا ومدنها الساحلية.
وامتدت امجاد تلك الايام السعيدة الى القرن
العشرين، اذ استمر تجار صور في تتبع خطوات
اسلافهم في بناء السفن والابحار بها عبر
البحار والمحيطات.
التواصل الحضاري
اتصلت صور خلال مجدها البحري العظيم بشعوب
الخليج العربي والهند وسواحل افريقيا واكتسب
مجتمعها بفضل ذلك معارف وثقافة وعادات وفنون
جديدة انعكست على حياتها الاجتماعية
والاقتصادية. ولقد ساهم تجار صور مساهمة فعالة
في نشر الثقافة العربية والدين الاسلامي في
افريقيا والهند.
ونظرا لقرب الهند من المنطقة، فان تاثيرها
الاقتصادي والثقافي كان اكثر اهمية ووضوحا صور
– خاصة وان صور كانت مركزا رئيسيا وهاما
لصناعة السفن التجارية الكبيرة في الجزيرة،
لذلك لعبت الهند دورا هاما كمصدر لكثير من
المواد والبضائع المرتبطة بصناعة السفن مثل
اخشاب الساج والمسامير والحبل، فضلا عن المواد
الغذائية والاقمشة والكماليات.
ومع بداية الطفرة النفطية في دول الخليج
العربي في الخمسينيات وتوسع عمليات الانشاء
وتزايد الطلب على اليد العاملة الوافدة فيها،
تدفق رجال صور وشبابها على مدن البترول بحثا
عن العمل وسعيا وراء فرص التعليم.
ويقول ايان سكيت، الذي زار صور عام 1968م، في
كتابة "مسقط وعمان – نهاية عصر" خلال وجودي في
صور اتذكر انني زارت احد الشيوخ الذي كان يفتح
مجلسة لسكان مدينة صور يستمع الى مشاكلهم
ويصلح خلافاتهم. ولقد لاحظت ان الحديث في
المجلس يدور ويتشعب ويخرج عن نطاق هموم
المدينة الى العالم الخارجي، الى الهند
وافريقيا والخليج العربي".
صور... الحاضر
رغم اندثار حركة الملاحة التقليدية التي أعطت
صور شهرتها الأزلية عبر القرون الا ان مشاعل
النهضة المباركة التي اطلت على عمان في بداية
السبعينات اضاءت أسرجة جديدة في حواضر هذه
المدينة العريقة. فلقد شهدت صور خلال العقدين
الماضيين حركة عمرانية واسعة ونفذت في ربوعها
مشاريع تنموية عديدة طالت كل جوانب الحياة
فيها. فمنذ أن اطلق حضرة صاحب الجلالة السلطان
قابوس بن سعيد المعظم عبارتة الشهيرة "سنعلم
ابناءنا ولو تحت ظل الشجرة" توالى على المدينة
والقرى النائية التابعة لها، كغيرها من مناطق
السلطنة، افتتاح المدارس بمختلف مراحلها
الاساسية، فضلا عن افتتاح كلية للمعلمين قبل
حوالي سنتين. ولم يقتصر الاهتمام بتعليم ابناء
المنطقة وتأهيلهم على ذلك، وانما شمل ايضا
الجوانب المهنية التي تمثلت في افتتاح معهد
التدريب المهني ومعهد التمريض والرعاية الصحية
التي لاتخدم أهالي المدينة فحسب، كما عملت
وزارت الخدمات على فتح دوائر لها لتسهيل حاجة
المواطن وتخفيف عناء السفر عنه الى مسقط.
ونظرا لوعورة تضاريس المنطقة الممتدة ما بين
مسقط – العاصمة – وصور التي تكثر فيها الجبال
الشاهقة والوديان السحيقة وكثبان الرمال
المتحركة، يعتبر الطريق الذي يربط المدينتين
بطول 330 كيلومترا أحد أبرز انجازات النهضة
المباركة في بداية عهدها. كما مدت داخل احياء
المدينة شبكة من الطرق المرصوفة وشقت الطرق
المعبدة الى قرى الولاية النائية عبر الجبال
والوديان لتوفير سبل الراحة والامان
للمواطنين.
وشهدت المدينة في اوئل السبعينات بناء محطة
توليد الطاقة الكهربائية بغية تحسين مستوى
حياة السكان ودعم النمو الاقتصادي في المنطقة.
وبذلت الدولة جهودا كبيرة لتوفير حاجات
الموطنين من المياه والمحافظة عليها من
الاهدار والضياع لمصلحة المواطن قبل كل
اعتبار. فلقد شرعت وزارة موارد المياه في
منتصف الثمانينيات في امداد المدينة بمياه
الشرب الى المنازل، وشيدت وزارة الزراعة
والثروة السمكية سد للتغذية الجوفية وأنشئت
محطة لتحلية المياه لتعزيز موارد المياة
الطبيعية.
وتعتبر صور من المدن الساحلية الغنية بثروتها
السمكية. وفي هذا الجانب قدمت الحكومة من خلال
صندوق تشجيع الصيادين قروضا ميسرة لتشجيع
المواطنين على ممارسة هذه المهنة وعدم التفريط
بها.
وتتمتع صور والنيابات التابعة لها بامكانات
سياحية واعدة، فلقد حباها الله بشواطيء خلابة
وخيرات جميلة أصبحت مكانا مثاليا رائعا لهواة
الرحلات البرية الذين يفضلون التمتع بمزايا
الشواطىء البكر النظيفة والطبيعية الخلابة
المتنوعة والامتدادت الساحلية الطويلة ومشاهدة
ماتحتويه البيئة البحرية العمانية من طيور
وأسماك وأحياء مائية وبرية مختلفة مثل السلاحف
وطيور النورس والغداق، ويعتبر الجزء الممتد من
"طيوي" التي تبعد حوالي 30 كيلومترا شمالا الى
راس الحد الذي يقع على مسافة 25 كيلومترا شرقا
بمثابة نافذة تطل على سلسلة الصخور والشعاب
المرجانية. وتضم الترسبات الساحلية البارزة
مابين صور وقلهات وتلك التي الى الشرق من
العيجة أصنافا من المرجان والاصداف التي ترسبت
منذ قرون عديدة والتي لاوجود لها في سواحل
المناطق الشمالية.
وتضم المدينة عددا من المعالم الاثرية التي
اولتها وزارة التراث القومي والثقافة العناية
اللازمة حيث قامت برعاية أعمال ترميم وتجديد
مجموعة منها، أهمها حصن البلاد، الذي كان مفرا
لوالي المدينة، وحصن السنيسلة الذي يطل على
المينة من فوق جبل يتوسط أكثر أحيائها ازدحاما
بالسكان، وبوابة المشارفة فضلا عن بعض ألأبراج
المنتشرة في المنطقة. وقد اخذ في الاعتبار
خلال أعمال التجديد والترميم هذه المحافظة على
سمات الفن االمعماري الأصلي لهذه الحصون التي
أصبحت عامل جذب في حركة السياحة التي تشهد
ازدهارا كبيرا في المدينة الان. كما أولت
الوزارة اهتماما خاصا بتراث صناعة السفن حيث
أفتتح مصنعا لتجسيد انواع السفن العمانية في
نماذج مصغرة حازت على اعجاب وتقدير الكثير من
المهتمين بهذه الحرف التراثية.
وتتميز منطقة رأس الحد – أقصى نقطة الى الشرق
في العالم العربي – بطقس لطيف وطبيعة خلابة
توفر متنفسا هادئا تخلد اليه النفس، فهي عبارة
عن شريط ساحلي يمتد بمحاذات تلال رملية نحو
لسان الرأس الرملي المنبسط والذي تختفي فيه
قبل بلوغ نهايته. وأصبحت هذه المنطقة معلما
سياحيا مثيرا يحرص على زيارتها السواح الأجانب
والمقيمين للتنزه والاستمتاع بشواطئه النظيفة
ورماله الناعمة ومشاهدة السلاحف التي تؤم
المنطقة باعداد كبيرة اثناء موسم التكاثر
لبناء أعشاشها، حيث يكثر نشاط السلاحف الخضراء
لوضع بيضها على الشريط الساحلي الممتد ما بين
رأس الحد ورأس الرويس. وتعتبر المنطقة أهم
الماقع في السلطنة والعالم بالنسبة للسلاحف،
ولذلك وضعت ضمن مشروع ادار المناطق الساحلية
التابع لوزارة التجارة والصناعة بهدف تطوير
امكاناتها السياحية وللحفاظ على بيئتها
وأحيائها المائية.
ويحتضن الساحل قرية صغيرة هادئة يقطنها صيادو
سمك يزاولون مهنتهم على مرمى بصر من أحد أكثر
خطوط الملاحة ازدحاما في العالم. وقد يثير
مرور ناقلة نفط عملاقة اهتمام الزائر للوهلة
الأولى، الا أن المرء يكتشف بعد مضي ساعة
واحدة على وجوده هناك أنه لايمكن أن تمر لحظة
دون رؤية ناقلة نفط أو شاحنة بضائع عملاقة.
 |
 |
|
|
|
|