|
"لا"

استقبلتنا
ابتسامته.. متخشبة كابتسامة ممثل فاشل يكر
الدور نفسه على خشبة مسرح بالِيَة.. ليلة تلو
أخرى؛ فتشبثت بوجهه وأبت أن تفارقه.
تململ
على كرسيه الدوار.. خلف طاولة ارتفاعها يصل
إلى مستوى كتفيه.. أسند ظهره على ظهر المقعد
وغاص في بطنه، وبتهذيب مصطنع أقرب إلى التعالي
منه إلى الترحيب، قال:
ـ
تفضلا بالجلوس.
خرجت من فمه متحشرجة كصوت المختنق.
بعد لحظة صمتْ، أخرج سيجاراً من صندوق خشبي
وضع بعناية مفتعلة على جانب من سطح المكتب
وأشعله بولاعة ذهبية.. أخذ نفساً، وزفر الدخان
بقوة في أكثر من اتجاه.. مصحوباً بتأفف لا
يناسب ملامح وجهه المليء بالتجاعيد وأثاليل
الشيب. شتتُّ الدخان ونَفَسَه ومعهما تأففه
بكفي.. كأني أهش عن وجهي ذبابة ملحاحاً، ولم
أخفِ تقززي!
***
غطت صوره معظم مساحة الجدار على يمين مكتبه،
فبدا كسماء مكتظة بغيوم متفاوتة الألوان
والظلال: واحدة له مع مسئول
كبير لا تكف الصحف ولا نشرات الأخبار في
التلفزيون عن نشر صوره ومتابعة أخباره: يوقع
عقداً هنا، ويفتتح مشروعاً تجارياًُ أو
"سياحيا" هناك، ولا تتوقف عن متابعة تصريحاته
المطمئنة دوماً،
ولازمته التي لا تفارق لسانه "كل شيء على ما
يرام!"..
لاسيما في أيام الكوارث والأزمات
الاقتصادية.
وثمة صورة أخرى مع تاجر أخف وزناً عن الذي
سـبقه، وثالثة كسرتْ حدة التجهم التي طغت على
مجموعة
صوره السابقة: كانت تتأبطُ ذراعه فتاة شقراء ـ
وخلفهما بدا برج "إيفيل" يعانق السحب ـ ممثلة
مغمورة
أو لعلها فتاة ليل من شارع
"بيغال"؛
فثيابها تكشف أكثر مما تستر من جسدها، وقد
تحرر وجهه من
تلك الابتسامة
الجامدة، وبدا إلى جانبها كمتسول اشتد جوعه..
يتوسل إلى لعوب كي تسد رمقه!
وهناك صورة أفرد لها مكاناً خاصاً.. بعيدا عن
سواها من وجوه، وكأنه أراد أن يقطع كل صلة لها
ببقية الصور. حجمها الكبير وإطارها الذهبي
ووضعها منفردة يشي بأهميتها!
توقف نظري عليها. عدلتُ وضع نظارتي، وشمرتُ عن
ساعد ذاكرتي: بوابة يقف أمامها رجل يرتدي زياً
رسمياً. ركزتُ على تفاصيل المكان وملامح
الرجل؛ فتأكد لي أني رأيت تلك البوابة من قبل،
وأعرف من وقف صالباً طوله أمامها. كان وجهه
مألوفاً.. واضح المعالم؛ فلم أصدق! سحبتُ
عينيَّ بسرعة لترطما بعينيَّ الرجل الجالس
أمامي خلف الطاولة، وكادت تفلت من بين شفتيَّ:
"اللعنة إنه هو!".
كان يبتسم.. ابتسامة شمطاء أكل الدهر عليها
وشرب.. ابتسامة لا تشبه تلك التي حفرتْ في
نفسي وشماً من نار، وقد تغير لونها بعد أن
تغيرت أحوال صاحبها: ترهل وجهه ورقبته، وتغضن
جبينه وأسفل عينيه، واستبدل أسنانه الصفراء،
بفعل التدخين المفرط وشرب القهوة بطقم أسنان
عاجية لا يتناسب لونها مع بشرة تعددت ألوانها،
قابلتها بابتسامة ضاحكة أردت أن يرى فيها
ويسمع بوضوح صارخ تشفي.. نكاية بما آل إليه
حاله!
قلتُ أكلم نفسي بفرحة لم أبذل جهداً
في
إخفائها:
"سبحانه مغير الأحوال.. كنت بالأمس إمبراطورا،
وأصبحت اليوم ناطوراً!".
لو تسنى لي رفع عقيرتي، فقط، لأتلذذ بالحرقة
التي ستلسع وجهه، وكلماتي تخدش أذنيه في
طريقها إلى داخل رأسه.
بيد أني رمقته بطرف عين وألف كلمة.. مثقلة
بذكريات آلام مازالت النفس تئن تحت وطأتها..
عله يرى فيها ويسمع ما لم أقله جهراً. ولم
يخبْ ظني؛ فقد قرأ الرسالة، وأعادها على نفسه
مرات. ظل مُطرِقاً يبحلق من غير هدى..
يُكلِّمُ نفسه. فتلاشت الابتسامة، وحل مكانها
ذبول تجلى في انكسار عينيه، كنار خبت وترمدت
بعد أن بلغ سَعِيرها عنان السماء!
بدا شكله مختلفاً عن ذلك المتغطرس الذي على
هزة عصاه تُجَزُ رقبة: كان هزيلاً.. ضئيل
الحجم، وكان قبيحاً أيضا.. له عينان تدوران
بلا انقطاع: هما ذات العينين، ولكنهما الآن
أصغر وأكثر سرعة.
***
أخفض عينيه عن وجهي بعد أن أطال النظر،
وأدارهما إلى الأوراق التي كانت أمامه،
وقال:
ـ
نعم.. كيف أستطيع خدمتكما؟
شـرح صديقي حاجتي لذلك الرجل، الذي لم يعد
يظهر منه الآن سوى وجه متخشب خال من كل إيحاء.
وظل صاحبي يمد رقبته إلى الأعلى، وهو يكيل له
عبارات الثناء ويبعثر معها، كيفما اتفق،
أوصافا تفخيمية بدت في سياق "تملقه" كأنها
تحقير!
التفت إليّ وسأل، بعد أن أعاد التمعن في وجهي،
بصوت ملك ظالم، واتته الفرصة لاستعادة بعض من
سيرة عهد بائد:
ـ
من أي منطقة أنت؟
صمت، وقلت أكلم نفسي: "ما أقبحك. ألا تعرف يا
ابن القـ.. من أين أنا؟ ألا تعرف كل شاردة
وواردة عني!
وأجبتُ، أشاطره الاستغفال، أو قل أبادله
الدور:
ـ
من "الساقية".
وأضفت.. لا لشيء غير تذكيره أنه كتب اسم قريتي
عشرات المرات في سجل حافل بالأسئلة، والإجابات
المزورة، وملئ بأدق تفاصيل حياتي.. ما عشته
منها، وما حلمتُ به أيضاً:
ـ
قرية مهجورة.. عافها أهلها، ونحن منهم، بعد أن
انقطع واردها.. هربا من العطش والجوع!
ويبدو أني حَمَّلت إضافتي ما أثار فيه حسه
القديم.. قرون الاستشعار في رأسه، فاستوضح
بنبرة تنم عن دراية واسعة في طرح الأسئلة
وإجراء التحقيق:
ـ
من أنتم؟
قلت وأنا أبتسم:
ـ
اقصد أسرتي.
ولمواصلة السير في لعبة التذاكي نفسها، أو
بالأحرى الخداع، التي اختارها سألته، بنبرة
مستخفة:
ـ
هل سمعت عنها يا أستاذ؟
فرد:
ـ
أعرفها.
قال ذلك باستخفاف، ثم رفع صوته بنبرة حادة
يسأل.. تماما مثلما كان يفعل ذات مرة:
ـ
هل أنت متزوج؟
كدت أرد "يا لك من وقح"، لكنني قلت:
ـ
نعم ولي أربعة.
سكتَ، لكن عينيه واصلتا النظر في عينيَّ! أما
أنا فاستطردت لتذكيره بما كان بيننا، وما كان
لا يتقادم بمرور السنين:
ـ
البكر منهم توأمان: بنت وولد!
أردت بذلك توفير السؤال التالي عليه، وإن كنت
أعلم أنه يعرف عني ما لا تعرفه أمي، لكنه
قاطعني:
ـ
ماذا كنت تعمل؟
ـ
عملتُ في ورشة لصيانة المعدات.. أحمل قطع
الحديد ومسننات المحركات على ظهري، ثم اشتغلت
عامل بناء احمل على كتفيّ أكياس اسمنت وقضبان
فولاذ.
وتعمدت الاستطراد، وقد أيقظ سؤاله كماً هائلاً
من كره اعتقدتُ خطأًً أن نعمة النسيان تكفلت
بها:
"أما
الآن فأنا عاطل عن العمل، ولكني أجلس على
قارعة الطريق أكتب رسائل وأملي استمارات،
وأبيع ملابس داخلية، وجوارب، وأحذية مطاطية
أيضا.. ما أكسبه منها بالكاد يكفي لشراء ما
يُمْسكُ رمق الجائع من طعام"،
ثم
ابتسمت كما لو أن وزيري أطاح بآخر بيادقته
ودفاعاته على رقعة شطرنج، ولم تبقَ غير نقله
واحدة للإطاحة بالملك!
وأنا أستطرد في ردي على سؤاله، أجزم أنه أضرم
واشتعل، وحين أنهيت عبارتي الأخيرة، بلغ
الاحتقان في وجهه مداه.. نفخ شِدقيه، وضـ...
أو خرج من فمه صوتا يشبهها!
***
نظر صديقي إليّ برجاء أن تكون ردودي بقدر
الأسئلة، وقال يخفف من شدة الحرج الذي أوقعته
فيه بحديث لا أدري من أين آتى به:
ـ
إنه يجيد التعبير والكتابة.. كان يحرر مجلة
الحائط في المدرسة، ويكتب قصصا، لا بل أنه
يكتب في الجرائد!
فعلق ولم يخفي نبرة الاستهزاء في تعليقه:
ـ
ما شاء الله.. يكتب في الجرائد!
بالغ صاحبي في هذه، فقد تذكر قصة يتيمة نُشرتْ
لي في مجلة من الدرجة الثانية أثناء سنوات
الدراسة الثانوية.. لم أعد أتذكر منها شيئاً
غير عنوانها.
***
ـ
هل لك نشاط سياسي؟
سأل، وظل ينظر في وجهي، وقد توقفت عيناه عن
الدوران، للتحقق من وقع سؤاله عليّ. وبعد صمت
مضنٍ اغتصبت ابتسامة ساذجة.. أردتها نافذة
لتمرير ما كان يعصف برأسي.. رغبة شيطانية أن
أمسك بخناقه حتى تفلت روحه بين يدي.
قلتُ، بعد أن أدرت رأسي ونظرت إلى صورة ذات
إطار ذهبي لرجل أنيق الملبس.. صارم الملامح
احتلت وسط مساحة الجدار فوق رأسه:
ـ
عفا الله عن ما سلف!
ابتسم ابتسامة عريضة، وهزّ رأسه مرات عدة،
وبطريقة لا تخلو من كبرياء مدعي سلطة، قال:
ـ
صدقت يا أخي صدقت.. عفا الله عن ما سلف.
وأعادها مرافقي أكثر من مرة، ومعها كال عبرات
الشكر والإجلال.
***
رفعتُ رأسي إلى الأعلى كَرَّةٌ أخرى، وأطلت
النظر إلى الصورة. دققت وقارنت. بدا التباين
أقل مما اعتقدت: عينان زائغتان، أنف مفلطح،
وشفة سفلى غليظة تشققت كطمي غدير صحراوي حرقته
الشمس وصار بلون الرماد، لكن حينئذ تضافرت
السلطة، والزي الرسمي، ورهبة المكان؛ فأخفت
بعض عيوبه.
كيف لم أعرفه من النظرة الأولى في وجهه؟! كيف
نسيت المكان الذي كنت فيه.. مكان لا يختلف
كثيرا عن القبر حيث الصمت، والظلام، والخوف،
والعدم، ولا شيء غير الانتظار المدمر!
تداعت على رأسي التعب صور الموت التي بلغتها
أو رأيتها وأصوات المعذبين وأنينهم،
فقادتني عيناي
إلى مسدس وُضعَ على قاعدة خشبية في زاوية
الطاولة القريبة مني.. مزينة بحواشٍ فضية ورقع
من جلد فاخر.
زحفت يدي اليسرى
باتجاه المسدس ببطء شديد ورغبة مجنونة.. قبضت
المسدس ورفعته بسرعة، وحينما كنت أهم بضغط
الزناد بعد أن صوبتُ فوهة المسدس إلى رأسه،
انتشلني صوتُ صاحبي وهو يستأذن للخروج،
فتعوذتُ بالله من الشيطان الرجيم.
لملمتُ أشلاء ذاكرتي وشظايا ذكرياتي، ووقفت.
ودعه صاحبي وصافحه بيديه الاثنتين، وصافحته
بيد واحدة، وأنا أرى ثقب الرصاصة يخترق جمجمته
وينفذْ من مؤخرة رأسه، ابتسمت ولم أقل شيئاً.
وعندما كنا على وشك الخروج من باب المكتب أشار
بيده يستبقي صديقي لينفرد بحديث معه.
***
في الخارج قال صاحبي:
ـ
إذا كان هناك أحد يستطيع مساعدتك فهذا الرجل
هو الأقدر على ذلك.
واستطرد:
ـ
قد لا يوحي منظره بالكثير إلا أن له أصدقاء
ومعارف كثراّ.
وقاطعته
حينما كان
على وشك الاستطراد أكثر في حديثه عن الرجل بعد
أن قال: "كان مسئولاً كبيراً في حكومة العهد
السابق، لكنه لم يفقد مكانته لدى رجال العهد
الجديد".
ـ
أعرفه جيداً.. كالرقطاء يجيد تلوين قشرة جلده
على هوى من يعتلي ظهر الجمل!
ـ
نعم.. ماذا قلت:
ـ
لا عليك. ماذا في هذه الورقة؟
رد وهو يسلمها لي:
ـ
وقّع هذا العقد إذا كانت شروطه تناسبك.
ورقة صغيرة بحجم كف اليد.. موشاة بإطار ذهبي
مزخرف اختير بإتقان لتطهير عبارة واحدة فقط
تفوح منها رائحة ابتزاز نجس "أنا الموقع
أدناه:...، أتعهد بدفع ربع راتبي لمدة سنة
كاملة من تاريخ توقيع هذا الإيصال للفاضل:...،
وذلك نظير دين مسمى بيننا".
عمولة عن الوظيفة التي سيتوسط لي بها. ما
أقبحه!
وقال صاحبي:
ـ
وقعها وتوكل على الله وأعدها إليه بعد العصر،
وستستلم الوظيفة غداً أو بعده.
وبدل الانشغال بتلك الورقة، تذكرتُ ورقة أخرى
كنت على وشك توقيعها، ذات يوم، مرغماً بيد
ترتعش.. ثمناً للإفراج عني، والتي تمنيتُ،
حينئذ، لو كان بوسعي إضرام النار فيها وفي من
حاول إجباري على توقيعها.. هو ما غيره: العقيد
سليمان، مأمور السجن، أتعهد فيها "أن أكون
مواطناً صالحاً: لا يرى.. لا يتكلم.. لا
يسمع"، وأعفيه فيها وإدارة السجن من أية
مسئولية عما أصاب جسدي ونفسي نتيجة حبس
انفرادي استمر ثلاثة أشهر.. تعرضتُ خلالها
لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بطشاً لا
لشيء غير أني تجرأت وقلت "لا!".

|