حيّ الله المبروك                                      

 

 

قيل لي أني ولدتُ في الليلة نفسها التي وَلَدَت ْفيها شاتنا الحكلية(1) أول بطونها. ولا ريب أن فرحة الأسرة، تلك الليلة، كانت مضاعفة، بيد أن فرحة أبي بابن الحكلية فاقت فرحته بـ"بن سعدية": أنا. لقب لم يكف عن مناداتي به منذ اليوم الأول لي في الدنيا وحتى بعد أن نبتت أول شعرة بين الذقن والأذن!

كان يناديني "بن سعدية" ويتعمده.. سواء كان غاضباً مني وأراد توبيخي أم راضياً عني وطلب مني إحضار إبريق الغسيل، وسكب الماء على يديه وفركهما "باللومي" والتراب بعد تناول الطعام!

مرآة أمي تقول لي أني أكثر إخوتي شبهاً به كلما وقفتُ أمامها أبحث عن إشارة.. تؤكد لي أني فعلا "ابن أبي"، ويتجلى ذلك في شفتي السفلى التي بدأت أجد صعوبة ـ بمرور الأيام ـ في إبقائها مضمومة إلى شقيقتها العليا!

***

أول محاولة علنية لتسجيل موقف احتجاجي تجاه نعت أبي لي بـ"بن سعدية"، كانت يوم تسجيلي في المدرسة؛ فحين سأل الموظف المسئول عن تسجيل بيانات التلاميذ الجدد أبي: "اسم التلميذ؟"، أجبته دون أن أنتظر رد أبي: "عوفيت".

نظر إلىّ ثم إلى الموظف.. مسّد شاربه ولحيته بأطراف أصابعه. ابتسم فخوراً بجراءتي، وما خطر له على بال أن ردي التالي سيقلب ابتسامته رأساً على عقب؛ فعندما سأل الموظف: "ابن من؟" أجبت وأنا أنظر إلى أبي لا إلى الرجل، وأزيد عن عمد تدلي شفتي السفلية: "عوفيت بن سعدية"، فهوى كفه على وجهي بسرعة فاقت تلك التي قطعتها إجابتي إلى أذن موظف المدرسة!

ورغم أن ألم الصفعة لازم وجهي لأكثر من يوم، إلا أن نجاحي في منعه من مواصلة نعتي بذلك اللقب لعدة أيام عوّض ما أصابني من وجع! واعتقدت أني نجحت، بيد أن نجاحي المزعوم لم يستمر طويلاً فقد عاد أبي يقلل من شأني كلما واتته الفرصة!

***

تشاجرت خلال الأسبوع الأول من حضوري إلى المدرسة مع صبي من قريتنا، في صفي، عندما ناداني "ابن سعدية". وفي طريقي إلى البيت بكيت، لكني مسحت دمعي قبل أن يراه أحد إخوتي.

 وأمام حيرتي، ووطأة الإحساس بما ينعتني به أبي، طلبت من أمي أن تحلف بأغلى الناس إليها ـ جدي ـ أني أبن أبي! فلطالما سمعتها تبجل اسمه حين تقول: "ورأس الغالي"، وتكررها بلغة سكان الجبل (2): "بريش إيي". ولأن لا أحد في بيتنا يأخذني على محمل الجد، ابتسمت أمي، وقالت: "أنت ابن أبيك!"، ولكنها لم تحلف برأس الغالي ولا قالت "بريش إيي".

***

خالفت أمر أمي، وأنا الذي ما عصيت يوماً أمرها ولا تقاعست عن مساعدتها في تنظيف الزريبة، وسقي الحيوان، ولم يحدث أن نمت متأخراً يوم الجمعة مثلما يفعل أخوتي، فقد كنت أنهض مبكراً وأسوق قطيع الحكليات إلى المراعي. وأنا في نظرها أفضل إخوتي وأنفعهم لها، وهذا بشهادتها؛ فقد سمعتها ذات يوم تقول عني أمام أبي وعلى مسامع من إخوتي: "المبروك أرحمكم لأمه"، وأفشت سراً لم تُطلعه على أحد غيري حين قالت لي أني أقرب، في طباعي وطبيعتي، إلى الغالي والدها لا إلى والدي!

رفضت حمل كرمة اللبن، وعززت موقفي برفض الذهاب للوقوف على رأس أبي.. روتين يومي مقدس لا أحد يجرؤ على التغيب عنه! وجلست في مكان قريب من زريبة الحكليات.. أجتر حزني مثلما تجتر الماعز الهواء! وإذ خرجت أمي وفي يدها الكرمة، سمعتْ شهقتي المكبوتة بين ركبتي ورأسي، فالتفتت إليّ وجلست، وحضنت رأسي في صدرها، وقالت: "يا ولدي تعال لتقف مع إخوتك على رأس أبيك، واطرد الشيطان من رأسك". وأقسمتْ، هذه المرة، برأس الغالي "بريش إيي" أني ابن أبي.

***

أخوتي وجدوا في موقف أبي مني مثارا للسخرية، فقد وشوش لي دهق، البكر فينا، وهو الشيطان بذاته، أن أدعو أبي بلقب ـ اقترحه هو ـ إذا كنت حقا أريده أن يتوقف عن مناداتي بابن سعدية، بعد أن أكد لي قائلا: “جرب وشوف.. لن تخسر شيئا!".

اعترضت. وقلت لنفسي: "سأكون ابنا عاقا إذا أخذت بنصيحة دهق"، وأنا الذي طالما سمعت أمي تصفني بـ”المبروك”. هذا إلى جانب أني ـ وكعادتي ـ أحسب ألف حساب لكف أبي الغليظة التي ستكون هذه المرة بحجم التطاول على مكانته، فقلت له، في إشارة إلى صفعة تلقاها هو، في وقت مبكر من ذلك اليوم، وما زال أثرها يشي بقوتها على صفحة خده:  

ـ هل نسيت الألم الذي تتركه كف أبيك على الوجه؟!

تحسس خده بيده، وتمتم غاضبا: "ستوديك".. أي: قبح الله وجهك، وأضاف:

ـ أنت حكلي، ولعل نعتك بـ "ابن الحكلية" أنسب إليك من "ابن سعدية"!

***

فكرت قبل الإقدام على تنفيذ الاقتراح الشيطاني، الذي استنكرته علنا أولا، وأعدت النظر فيه لاحقاً، أن استنفد كل خياراتي. سأضرب أولا على وتر العواطف. فرغم شدته ووجهه الغضوب دوما، إلا أنه، والكلام لأمي، يحمل بين ضلوعه قلب طفل. وفي غياب أخوتي، أمسكت يد أبي، بعد أن طلب مني إحضار "شربة ماي"، وقبلتها صادقا، ورجوته أن يكف عن مناداتي بابن سعدية: "أبي.. الله يخليك.. لقد أصبحت كبيرا"، وكدت أقول: "ولم يعد من اللائق"، لكني لجمت لساني قبل أن ينطق بها، واستبدلتها بـ: "ولا أعتقد أنك ترضى أن يعرفني الناس بابن سعدية، ففي هذا إساءة لك أنت أولا قبل الإساءة لي".

جلست أمامه، وتركت عينيَّ تتوسلان أحاسيس الأبوة في عينيه، فرمقني بطرف عين، وتمتم بكلمات جبالية لم أفهمها وهز رأسه. موافقا؟ ربما، وربما لا! إذ ظل ينظر إليّ وبريق عينيه يشع أكثر من سؤال!

وإذ أطلعت دهق على ما جرى، كرر الشيطان تحريضه لي: "ألم أقل لك! قلها يا ولد ولا تخف. أما إذا كنت تخشى ألم الصفعة فهو لا يساوي شيئا مقارنة بما أنت فيه!". وقلت في سري: "نعم هو على حق في هذه.. ألم المعاناة الدائمة وأنا أسمع إخوتي، حتى الأصغر مني سنا "حود"، يكتمون ضحكاتهم، ويوارون سخريتهم، كلما ناداني والدي بـ"ابن سعدية".

***

غدا نعت أبي لي يؤرق مضجعي، وأثر على سلوكي مع صبيان القرية، فأصبحت انطوائيا.. أتجنب الاختلاط بهم واللعب معهم.. لا لشيء سوى خشيتي أن يناديني أحدهم بـ "ابن سعدية".

دهق يعتقد، بل يؤكد، أن ابن الحكلية البطن الثاني، هو سبب موقف أبي مني. فهو يظن أني تسببت في موته جوعا عندما جف ثدي أمي، فلجأت إلى ضرع أمه، ولم أتوقف عنه حتى بعد أن فُطمت.

"كنتَ تحبو إلى الزريبة.. ترضع ضرعيّ الحكلية؛ فكانت بمثابة الأم المرضع". دهق أكد قوله حينما أقسم "وطلاق زوجتي" وإن كان لا وجود لزوجة إلا في منامه، أنه كان يختلس النظر خلف سياج الزريبة، لكن الأمر ظل، كما قال، طي الكتمان، و"سيظل سرك في بئر". قال ذلك وهو يضرب كفه على صدره.

ولكن "دهق شيطان، فهل يؤتمن سر عند شيطان!"، فقد علق ذات يوم، في حضور أبي، أنه لاحظ مؤخرا أن شخيري أخذ يميل شيئا فشيئا إلى ما يشبه ثغاء ماعز؛ فضحك أبي ملء شدقيه؛ فقد أعجبه التشبيه!

***

كبرت. فقد رأيت اليوم أول شعرة في ذقني، فاستبشرت خيرا‍‍‍‍ إذ اعتقدت أن أبي سيقلل، ولعله سيتوقف، عن استخدام ذلك اللقب إذا شاهد الشعرة التي انتصبت وحيدة في منتصف المسافة ما بين الذقن والأذن! لكن رجائي خاب، وعلى خلاف ما ظننت، تعمّد في ذلك اليوم بالذات اختلاق مواقف تستدعي مناداتي بـ"ابن سعدية".

لا أدري كيف واتتني الشجاعة ـ دون نية مبيتة ـ وبالذات في ذلك الوقت من طقوس الأسرة اليومية حين نجتمع بعد العشاء لمتابعة المسلسل العربي اليومي أمام شاشة التلفزيون؛ فقد طلب أبي مني ـ أنا بالذات ـ رفع صوت الجهاز، ولم يفته أن يدعوني ابن سعدية، رغم أني كنت أبعدهم عن الجهاز، وكنت أقلهم حرصا على متابعة المسلسل.

نهضتُ وتقدمتُ. لكن لم أرفع صوت الجهاز، وإنما كتمته.. كتمته بسرعة وقوة! ووقفت مشدود القامة أمام عيون تكاد تفلت من محاجرها، وأفواه فاغرة فُتحت على آخرها من الدَّهْشة ثم قلت، بعد ان تركت عيني تتوغل في عينيّه، بصوت عال، ومن غير أن يطرف لي جفن: "إذا كنت أنا ابن سعدية، وهذه حقيقة، فان الحقيقة الأخرى هي أنك أنت زوج سعدية، والله لن أناديك بعد اليوم إلا بـ"زوج سعدية"، وقلت لنفسي: "وليكن ما يكن". وأقسم أني لم أشعر باحترام للنفس وثقة بها مثلما شعرت بها في تلك اللحظة!

باغتهم ردي، وكمن نزل الطير على رؤوسهم، تجمدوا. احتقنت وجوهم، وتعاظم الضحك داخل أفواههم. بعضهم حاول كبت ضحكته بوضع كفه على فمه، ومنهم من ركض إلى الخارج عندما أعياه كتمها. أمي فقط لم تكبت ضحكتها، ولا أخفت فرحتها، وسمعتها تقول: "حي الله المبروك"، وكررتها بالجبالية "توب حي بريحم".

لم يستبد الغضب بأبي، ولا تطاير الشرر من عينيه كما كنت متأكدا. توقعت أن يهرس جسدي النحيل تحت قدميه، أو يمزقني بما تبقى في فمه من أسنان، أو يسحب عصاه "أم العقد" من فوق "المغضان"، أو على الأقل يوجه لي سيلا من الصفعات على وجهي. توقعت أن يفعل كل ذلك أو بعضا منه، لكني لم افكر في طريقة لتفادي ردة فعله؛ فبقيت واقفا ولم اترك لرجلي العنان.

اعتقدت أنه سيفعل أي شيء وكل شيء غير أن ينفجر ضاحكا على نحو لم يسبق له مثيل.. ظل يضحك، ويمسح الدمع، وينظر إليّ، ويعاود الضحك! كرر ذلك مرات، وعلى وقع دهشتي شاركته الضحك ايضا!

وعندما توقفت نوبة الضحك تلك، وقف. اقترب مني. ابتعدت عنه. حرك يده، فرفعت ذراعي إلى مستوى جبهتي، ونظرت في عينيه: لم أرَ فيهما ما يدل على أنه استبدل الضحك بالغضب، بل على العكس: كانت بقايا ضحكه ما زالت عالقة في ابتسامة أبت أن تفارق وجهه. وهذا ما طمأنني أن يده اليمنى الممدودة نحوي لن ترتفع إلى وجهي!

أنا أعرف أبي.. ملامح وجهه لا تخون، وهو ليس من النوع الذي يظهر عليه ما لا يضمر. أنزلت يدي وتقدمت نحوه، فضمني إلى صدره، وبدا لي عطوفا على نحو لم أشعر به من قبل، فاستسلمت لحضنه، وأحسست بدفء الأبوة وعرفت معناها.. لعلها المرة الأولى في حياتي! وسمعته يقول: "حيّ الله المبروك"؛ ثم قالها كما تقولها أمي: "تب حي بريحيم".

ــــــــــــــ

الحكلية: نوع من الماعز شعره قصير وألوان جلده متعددة وجذابة.

الجبالية او الشحرية: لهجة عربية قديمة تعود إلى عهد عاد الأول يتحدث بها سكان المنطقة الجنوبية (ظفار) من عمان وخاصة سكان الجبال.