"مملكة
الصفيح"
غرس الفقر ظله في أرضها!
في البدء كان سكان المدينة يشيرون إليها
بحزام الفقر، وحين توسعت واكتظت، وتنوعت
أسباب من لجأ إليها، أطلقت عليها بلدية
العاصمة "الأحياء العشوائية":
اسم يحمل دليل إدانته،
ولم يجد سكانها اسماً
يناسبها غير "مدينة الصفيح"، وإن كانت لا
تحمل من صفة المدينة غير سكان يحملون
بطاقات هوية تغلب على محتوياتها كلمة
"بدون"،
وأخذ الشباب منهم يرددون
"مملكة الصفيح" اسماً
لها.. رداً
للاعتبار!
ثلاثون عاماً مضت، حين غدت ملاذاً
آمناً لكل من يبحث عن " شِبْر" أرض ينصب
عليه خيمته أو يمد بساطه تحت ظل ألواح من
الصفيح أو الأخشاب جمعوها من أكوام نفايات
ومخلفات بناء. لجئوا إليها هرباً من الموت
جوعاً.. جاءوا من أماكن بعضها معروف،
وبعضها لم يُسمعْ به قط.. أماكن تتساوى
فيها فرص الحياة والموت.
ثلاثون عاماً وصدرها مفتوح للغرباء
والفقراء ولمن وضعوا في قائمة "بدون"، وكل
من لم يجد مكاناً يؤنس غربته ويخفف وطأة
تشرده غير "الصفيح". يتكاثرون.. تخمة في
العدد، وشح في أسباب الحياة.
ثلاثون عاماً.. سنة بعد سنة، وليلة بعد
أخرى و"الصفيح" تكر الظلام قبل أن تنام،
وفجراً
تنثر أجساد رجالها في دروب المدينة.
وحين يفسح النهار مكانه لليل،
يجرون في دروب العودة أجساداً
حبلى بالوجع.
***
ثلاثون عاماً مضت، ومعها وهنت ذاكرة من
آنسوا ترابها أولاً،
واعتقدوا أن "الأرض لمن يسكنها!"، إلى أن
ظهر فجأة من يدعي أن الأرض له، فظن بعضهم
أنها إشاعة، وقال المتعلمون منهم، وهم
قلة، إنها "كذبة نيسان" ونبش كبار السن
ذاكرتهم المُهتَرئة؛ فلم يتذكروا أنهم
وجدوا أحدا يسكنها قبلهم!
"تكهنات" أشاع البعض، لكن سرعان ما تأكد
الخبر، ولم يعد الأمر مجرد إشاعة أو كذبة،
حين اقتحمت المدينة ذات صباح قافلة من
الحافلات تقل عمالاً
يلبسون زياً
موحداً تتقدمها حافلة أكبر تحمل فرقة من
"شرطة المهام الخاصة".. تحسـباً
لمن سيرفع صوته أو يده في وجه إجراء جور
لم يعطهم حتى حق قول كلمة.
جابوا الشوارع، ونقبوا الحارات، وعلى كل
باب منزل ومسجد ومحل تجاري، ألصقوا
إعلانا: يُنذر ولا يُمهل.. شهرا لا أكثر
لإخلاء المنطقة، بالتزامن مع صوت ينبعث من
مكبرات صوت ثبتت على سطح سيارة.. معلناً
فحواه لمن لا يجيد القراءة، وهؤلاء كثرة..
يعدهم بتسويات مالية تعويضاً
عن منازلهم، وكرامتهم، ودم قوتهم الممزوج
بعرقهم الذي
يسيل كل
ليله من تحت كل باب. وظل مكبر الصوت يعيد
ويكرر "هذه أراضٍ مملوكة".. مؤكداً
أنهم أقاموا منازلهم على أراض ليست لهم،
ومحاولاً إقناعهم أنهم في الأصل "معتدون
لا مُعْتدى عليهم!".
***
خيمت سحابة من الكآبة على المدينة، وعم
الأسى والغضب أنفس سكانها؛ ومساء يوم
خريفي ممطر، جاءوا جميعاً.. كل يئن تحت
وطأة همه: شيوخ ووجهاء
حارات، وأصحاب دكاكين وورش، ومزارعون
وعاطلون عن عمل.. اجتمعوا في الجامع بعد
صلاة العصر لمناقشة الأمر والبحث عن مخرج
أو طريقة.. يتفادون بها أمر الطرد، وتسوية
القضية مع مالك المنطقة.. سواء كان فرداً
أم جهة رسمية!
وقف المؤذن وسط المجتمعين، كوقفته وهو
يعتلي المنارة حينما يرفع الأذان بصوته
إلى أعلاه. تحدث عن الإنذار الذي أعطى
السكان مهلة لا تتعدى شهراً.
"مغادرة المكان أو التعرض لإجراءات قد
تؤدي إلى الحبس" ثم أعطى الكلمة للإمام!
تنحنح الإمام ثم حمد الله تعالى وصلى على
رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين. قصر حديثه
على غير عادته، ولكنه ظل يمسح بطنه بيده
كعادته حين يلقي خطبة الجمعة، وأشار إلى
أن الموضوع لا يحتاج إلى خطب إنشائية،
وإنما يستدعي العمل بسرعة قبل أن تداهم
المدينة الجرافات ومعدات تسوية الأرض ثم
طلب من الجميع إبداء الرأي.
قال شيخ مسن، فقدت عضلات ظهره القدرة على
ابقاء جسده منتصباً، بصوت خافت:
ـ نقابل صاحب المنطقة.. نتفاهم معه على
شراء الأراضي لمن يستطيع ودفع إيجارات لمن
لا يقدر على الشراء!
وجه كهل آخر كلامه للأول:
ـ لا أظن أنه سيوافق، وان وافق فلن يرضى
بالمبالغ الزهيدة التي يمكن أن نستغني
عنها إيجارا للأراضي التي أقمنا عليها
منازلنا.
مسد لحيته.. فكر، وأكمل قائلاً:
ـ أما شراء الأراضي فهذه بعيدة المنال.
واستدرك:
ـ بالنسبة إلي في الأقل!
وقال راشد علي، مدير المدرسة الابتدائية:
"نوكل محامياً لرفع القضية أمام المحكمة"،
ثم استدرك بسرعة، وكأنه يبرئ نفسه من
تهمة: "القضاء يتمتع بنزاهة لا يختلف
عليها اثنان. ورئيس الحكومة أطال الله
عمره وأعزة منح القضاة الصلاحية الكاملة
في إصدار الأحكام ومتابعة تنفيذها!"،
وتنفس الصعداء ثم ابتسم، وقد تذكر اجتماعه
مع مدير إدارة التعليم قبل أيام والوعد
الذي قطعه بنقله إلى العاصمة مديراً
لواحدة من مدارسها الحديثة. وسكت، ولم
ينطق بعدها بكلمة!
واقترح أحد الحاضرين:
ـ نرفع رسالة التماس إلى المجلس البلدي..
نشرح فيها ظروفنا.. من يدري.. لعلهم
يأمرون لنا بمساكن شعبية؟
ـ "في المشمش".
علق "المهبـول"
وضحك، وأضحكَت من حوله.
وهمس من كان بجواره إلى صديق:
ـ مجنون.. لا يؤخذ كلامه على محمل الجد!
فلطم أذنه صوتُ أتى من الخلف:
ـ أعقلنا، وأكثرنا شجاعة.
وعندما أدار رأسه، لم يتبين من طير تلك
العبارة؛ فابتسم ومسح الوجوه المشدوهة
بطرف عين.
ـ "عشم إبليـ...".
تفوه ثالث ثم حبس كلامه في حلقومه قبل أن
تلتقطه أذن "من يأخذ الكلام على عواهنه"
أو قل في مكان لا تحمد عقباه!
وسأل إمام المسجد فجأة:
ـ نحن حتى الآن لا نعرفُ من هو مدعي ملكية
المنطقة؟
سكتَ الجميع، وكأن السؤال أعاد لهم صواباً
مفقوداً.
كسر حدة الصمت صوتٌ أتى من خارج دائرة
المجتمعين:
ـ أنا أعرفه.
قال رجل أسند ظهره على عمود المحراب،
وصمت.
التفتت الرؤوس. دارت الأعين إلى حيث جلس
من كسر صوته رتابة السكون، وحين استقرت
الأنظار، بدا وكأنهم يرونه لأول مرة؛
فاخذوا يتساءلون همساً "إذا كان هناك من
يعرف هذا الرجل!".
بعد قليل، استأنف الرجل حديثه، فقال:
ـ نعم.. أنا أعرفه.
وأردف بصوت أعلى
وكأنه أراد أن يضاعف من حجم المفاجأة:
ـ نبهان الصفار!
وسكت.
نظرت الوجوه إلى الوجوه، وحدّقت الأعين في
الأعين واتسعت محاجرها من شدة الذهول..
علا بعض الوجوه الدهشة، وبان على الأخرى
الاستغراب ثم سرت همهمة، ونطقت الألسن
باسم واحد:
"نبهان
الصفار"..
بدأت الأصوات منخفضة ثم ارتفعت بين مصدق
الخبر ومكذب.
بعض من صرخ مكذبا صاحب الخبر ما لبثوا أن
سكتوا عندما طلب منهم إمام المسجد الهدوء.
ـ نعم نبهان الصفار.
قال المتكئ على عمود المحراب وهو يفرك
أسنانه بالسِّوَاك، ويوزع نظرة راقصة على
الوجوه المخطوفة أمامه.. عدا واحد كان
يُقَصر النظر إليه.
وأضاف:
ـ لكن اسمه لم يعد نبهان الصفار.
ثم صمت!
وحين طال سكوته، حتى ظن بعضهم أن ليس لديه
ما يقوله، وقف من بينهم شاب ضخم الجثة
مفتول العضلات.. تبدو على ملامح وجهه
الشدة.. عززها شاربه الكث، وخطا نحوه حتى
كاد يدوسه، وبصوت أجش.. صارم، قال:
ـ اسمع يا هذا.. لم نأتِ هنا لسماع ألغاز
وأحاجٍ. إذا كان لديك ما يقال فقله مرة
واحدة أو انصرف.
لم يرفع صاحب الخبر عينيه إلى الأعلى،
وإنما أسرع موجهاً كلامه للمجتمعين وهو
يحني رقبته جانباً بعد أن حال الواقف
أمامه دون رؤيتهم مباشرة، وقال وقد زادت
وتيرة فرك السواك على الأسنان سرعة:
ـ أصبح اسمه "نبهان المويلحي".
ـ المويلحي! لم نسمع أحد ينسب اسمه إلى
هذه المنطقة؟!
قال شيخ أعياه الجلوس؛ فوضع يديه وراء
ظهره وطفق يذرع المسافة بين المجتمعين
والنافذة التي تطل على الشارع الرئيس.
وأجاب صاحب السواك:
ـ نعم لا أحد كان ينسب اسم أسرته إلى
المنطقة، ولكن الآن اختلف الأمر، فقد أصبح
للمويلحة من ينتسب إليها ويملكها.
وتابع مبتسماً، وقد استطاب الاهتمام الذي
أثاره حديثه بين المجتمعين:
ـ لقد ذهب إلى دار سجل "النفوس" مع حجة
وشاهدين وطلب منهم تغيير اسم أسرته من
"الصفار" إلى "المويلحي" وأثبت لهم أن لقب
"الصفار" ليس اسماً وإنما كُنْيَة
عرف بها جده الذي كان يعمل صفاراً يبيض
أواني النحاس.
وقاطعه أحدهم:
ـ ولكن هذا لا يعطيه حق امتلاك منطقة
يسكنها آلاف المواطنين!
ومضى صاحب السواك يقول، بعد أن هَمْهَمَ
ممتعضاً من الرجل الذي قاطعه:
ـ لقد حمل شهادة "الأصل والفصل" التي
استخرجها من هناك وحجة أخرى تُثبت أن
ملكية المويلحة تعود لأسرة "آل مويلح" مع
الشاهدين نفسيهما إلى دار "الأراضي
والإسكان" للحصول على صك ملكية موثَّق
وممهور بختم رسمي. وكان له ما أراد!
تساءل مفتول العضلات وهو على وقفته، وقد
أدار وجهه إلى الحاضرين:
ـ بهذه السهولة يُمَلّك الوطن؟! هذه سرقة
مُُشَرَّعة،
والصفار أصغر من أن يدعي ملكية هذه
المنطقة.. الأرض تُباع وتشترى، لكن الوطن
لا يُمَلّك ولا يورث.
وبعد قليل، وهو في طريقه إلى حيث كان
يجلس، قال:
ـ ثمة رائحة نتنة تفوح من هذه القضية،
والصفار ليس إلا واجهة لتشريع هذه السرقة!
"هذا ما كنت أفكر فيه تماماً. لكل شيء
رائحة: للسرقة رائحة، وللخيانة رائحة
وللظلم رائحة، ورائحة منح شخص واحد ملكية
منطقة يسكنها عشرات الآلاف وبهذا الاتساع
نتنة.. جد نتنة!".
***
قال أحدهم،
وكأن ما قاله مفتول العضلات لم يقل،
وقد اكتسى وجهه شعور بالتفاؤل:
ـ الحمد لله. نبهان واحد منا.. عاش هنا
ويعرف وجعنا وأكل معنا "الخبز والملح"،
وهو أدرى بظروفنا، ولا شك أنه لن يبقينا
في بيوتنا فحسب وإنما سيعفينا من دفع
الإيجار أيضا.
وعلق صاحب السواك وكأن ذلك المثل تحرر من
حلقوم الأول وانتقل إلى لسانه:
ـ عشم إبليس في الجنة!
وسأله الشيخ الواقف:
ـ لماذا يا ابني؟
ـ لأنكم لن تستطيعوا الوصول إليه.
رد صاحب السواك، وأضاف:
ـ إنه يعيش في فيلا جديدة بحي الساحل..
اشتراها حديثاً بعد أن وقع عقداًَ مع شركة
عالمية تنوي استثمار المنطقة لبناء أبراج
سكنية ومرافق سياحية وترفيهية ومراكز
تجارية. ليس ذلك وحسب، وإنما منح رسمياً
لقب "محترم"، بعد أن قدم عريضة تحمل مائة
توقيع لاستيفاء شروط منح اللقب، وأصبح
يُخاطب بـ"المحترم" نبهان المويلحي.
***
ـ ما العمل إذن؟
سأل المؤذن.
وجـدتُ في سـؤال المـؤذن ما كنت انتظره؛
فقلت:
ـ مقابلة نبهان الصفار لن تجدي نفعاً.
ستكون مجرد إضاعة وقت!
ـ ماذا تقترح؟
استفسر الشيخ الذي كان سابقاً يذرع
المسافة بين جداري المسجد ذهاباً
وإياباً.
ـ قد لا يحظى رأيي بقبول الكثيرين منكم،
ولكن أرجوا أن تصغوا إليّ باهتمام.
سكَتُّ وفكرتُ: أعرف أن ما سأقوله لن يجدي
نفعاً.. أهلي وأنا منهم، ولكن لا ضير في
أن اذكرهم.. لعل وعسى:
ـ ليس أمامنا سوى خيارين.. لا ثالث لهما:
أما الانصياع لأمر الإخلاء، ومن ثم البحث
عن مكان آخر لن يكون قريباً من المدينة..
نبني فيه هذه الحظائر المعدنية، التي
نُطلق عليها منازل، إلى أن يأتي مدع آخر
يطالبنا بترك المكان مرة ثانية.
وأضفتُ بصوت أعلى وأوضح.. منتقياً كلماتي
بحرص بحيث تكون معبرة ومؤلمة في آن:
ـ لا وقت لدينا الآن للتحرك بما يلبي
نوازعنا الفردية، وما تقتضيه مصالحنا
الآنية. نحن في قارب واحد مهما اختلفت
مصالحنا، وعلينا أن نقف وقفة رجل واحد،
ونؤكد لكل من تسول له نفسه العبث بحياتنا
أننا أصحاب حق.
"كدت أقول: "اللعنة عليكم.. استيقظوا من
سباتكم قبل فوات الأوان". لكن هذا الكلام
لا يقال جهراً؛ ففضلت قوله لنفسي، وتابعت
الحديث مؤكداً على ما يمثله هذا الإجراء
من تهميش لوجودهم، وسلب حقهم كمواطنين وهم
أكثر سكان الوطن بذلا لواجب المواطنة".
"صحيح لا قدرة لنا على مواجهة الجرافات
ولا بوسعنا حماية أجسادنا من هراوات عمياء
تجهل الفرق بين المعتدي والمعتدى عليه،
ولا ترى من الألوان غير الأبيض والأسود،
لكن بوسعنا تسجيل موقف قد لا يسفر عن شيء،
ولكن من دون شك سيحرك المياه الراكدة، وقد
يضمن حق الحياة الكريمة للأجيال التي
ستأتي من بعدنا.
أما من يظن أن المال يكفل رد الاعتبار؛
فهؤلاء واهمون.. لأنهم سيجدون أنفسهم
وأولادهم قريباً أقرب إلى الجبل والصحراء
عن المدينة. وستكون وتيرة إبعادهم عن مركز
العاصمة، بعد أن فرطوا في حقوقهم مقابل
مبالغ زهيدة، أسرع عن توسع الخدمات
العامة!".
وفي محاولة أخيرة، ومستميتة، قلت:
ـ لا أدري ما إذا كانت هذه المنطقة تعني
لكم شيئاً أم أنها مجرد قطع أراض للسكن
ليس إلا. بالنسبة لي ولمن ولدوا هنا
وترعرعوا؛ لا نعرف وطناً آخر غير هذه
الأرض ولا نحس بالانتماء إلى أي مدينة أو
منطقة غير مدينة الصفيح.
***
خيم هدوء حذر على المكان، لا أصوات غير
أصوات تصادم حبات المسابح، وصوت حركة
السواك التي ازدادت سرعة. وبينما كنت
أستعيد مع نفسي حديثي التالي استعجلني
أحدهم قائلاً:
ـ وما هو الخيار الثاني؟
رفعتُ نظري، لكن عينيََّ مضتا إلى جهة
أخرى حيث جلس صاحب السواك. : "سجل يا ابن
الفاجرة أني قلت بفم ملآن":
ـ تتجاهلوا الإنذار وكأنه شيء لم يكن،
وتعتصمون في اليوم المقرر لإخلاء المدينة
في منازلكم!
رفع الاقتراح حرارة الاجتماع. ابتسم من
ابتسم.. ضحك من ضحك.. ودُهش من دُهش!!
ـ هل جننت؟!
صرخ شيخ لم يتفوه بكلمة من قبل، وكان طوال
الوقت منشغلاً بشك حبات مسبحته. وصدرت
همهمات هنا وهناك، وقال مفتول العضلات
بنبرة مشجعة على مواصلة حديثي:
ـ دعونا نسمعه إلى الآخر.. أكمل من فضلك!
وأكملت:
ـ لا شك أن ذلك سيجلب لنا متاعب قد يبدو
الآن أننا في غنى عنها، ولكن المتاعب آتية
لا محالة.. سواء أتركنا مدينتنا مجبرين أو
مطرودين؛ بيد أن هناك فرقاً كبيراً بين أن
نجر عنوة من داخل منازلنا أو نتركها
استسلاماً لأمر الإخلاء!
تدخل آخـر بنفاد صبر:
ـ أفصح؟
ـ الاعتصام قد لا يسفر عن إلغاء أمر
الإخلاء ولكن سيؤجله، وسيثير علامات
استفهام كثيرة لن تكون لصالح من اتخذ
القرار والمستفيد منه!
ورد صاحب السواك بتهكم وبنبرة فيها
الإخبار والاستفسار معا:
ـ هل تظن أن ذلك سيغير من الأمر شيئا؟ وأن
من ستُثار علامات استفهام في وجوههم ليسوا
على علم بما يجري هنا، ولم يتخذوا
التدابير اللازمة لتفادي المساءلة
القانونية؟!
وجدتُ في تدخله فرصة سانحة، فوجهتُ كلامي
إلى المجتمعين أسأل:
ـ هل أحد منكم يعرف هذا الرجل؟
وتساءلتُ: هل هو من سكان الصفيح؟!
"أعرف أني سأتهور، ولكن لا بد من إثارة
علامة استفهام حول حقيقة وأسباب وجودك".
كانت نبرة صوتي هادئة وإن بدت كلماتي
ساخطة، بل مُتَهِمَة.
أثار سؤالي بعض اللغط بين المجتمعين كما
توقعت، وعلق أحدهم:
ـ وما الفرق يا أخي أن نعرفه أم لا أو أن
يكون من سكان الصفيح أم لا؟
فأجبت:
ـ لا شيء.. كنت أظن أن الاجتماع يعني
السكان فقط!
من دون شك أردت استفزاز الرجل، فكررت
إجابتي وإن أطلتها وأعدت صياغتها:
ـ اهتمامه بقضية الصفيح، وحضوره الاجتماع،
والمعلومات التي أفادنا بها عن الصفار،
تدل، رغم أنه ليس من سكان الصفيح، على أنه
معني بما يدور فيها!
التفتت بعض الرؤوس، كما فعلتْ سابقا، إلى
صاحب السواك، الذي ظل صامتا.. ينظر بنصف
ابتسامة إليّ دون أن يبدو عليه أي انزعاج
أو يبدي اعتراضا.
وتابعت حديثي:
ـ لن أدعي أننا لن نتضرر من الاعتصام
ولكننا في الحالتين نحن خاسرون، فدعونا
نخسر بكرامة بدلا من أن نساق إلى خارج
المدينة كالخراف.
***
أطبق الصمت على الجميع، ولم ينظر أحد إلى
أحد. بقت الرؤوس مطرقةٌ على الأرض، وبقيت
أنا واقفاً انتظر! الصمت البغيض لم يكسره
سوى صوت المؤذن وهو يرفع آذان المغرب: "..
حي على الصلاة حي على الفلاح.." .
