"فطيرة التـفاح"                                                     

 

على حين غرة رأيتها منتصبة أمامي، كأنها انبثقت من العدم، أو لعلها انزلقت من بين صفحات تلك الرواية التي كانت تضمها إلى صدرها كوالدة تُرضعُ جنينها في يومه الأول. كآلهة خُرافية تُمسك بتلابيب الروح، وقفت على رأسي تشير بإصبعها إلى لوحة "ممنوع التدخين"، وترمُقني بنظرة من عينين بلون سماء رقراقة أفسدت، إذ أسدلت رمشيها، حِدَّتها.

لم أحرك ساكناً، غير أني التهمت حبتي الكرز المكتنزتين أمامي بسرعة خاطفة، وبلعت نفساً طويلاً من الدخان قبل أن أرميه مع عقب السيجارة من النافذة، ثم انتظرت ريثما أصلحتْ جلستها على المقعد أمامي؛ فابتسمتُ، واعتذرت.

وعَلَقتْ عينايَ، حين شق قوامها الهواء إذ وقفت تعيد أوراقاً تبعثرت بجانبها إلى حقيبة وَضَعتْها على رف فوق رأسها ـ على جسد ممشوق وصدر ناهد، وخصر مستدير.. زاده حزامُ جلدٍ أحمر شدته بقوة استدارة. وحين التفتتْ، كانت عينايَ تجوسان تضاريس قَدّها الأهيف، وقد تجاوزتا كثيراً ما تبيحه "النظرة الأولى"!

 

وأخفيتُ حرجي خلف ردة فعل أشد سذاجة على ما اقترفتْ عيناي: ابتسامة مجاملة.. ظلت تراوح مكانها بين شفتيّ.. بحثاً عن كلمات تُصلح ما أفسدته عادة التدخين، ونظرة عابثة تعذر كبحها، فقلت في إشارة إلى الرواية التي لم تفارق حضنها.. محاولاً إظهار انطباع يغير ما أفسدته عادة التدخين و"ما بعد النظرة الأولى":

ـ العوسج لـ:"فرجينيا سوارتز".. ما زال هناك من يهوى قراءة القصص الرومانسية! 

تراقصت شفتاها الطريتان قبل أن ينفرج مبسمها عن خميلة تدلت على أغصانها قناديل بلون القمر، وسألت بدلالٍ لم تبذل جهداً في إخفائه:

ـ هل قرأت لها؟

بلعتُ ريقي ثم قلتْ:

ـ بعضَ رِوايَاتِها العاطفية.. ومن بينها هذه التي بين يديك!

قالت: أجمل قصصها وأكثرها رومانسية. قيل أنها كتبتها وهي على فراش الموت، ويُقال أيضا أنها لم تكمل كتابتَها.

قلت: في الموت تكمن الحياة!

***

تَأملتُها.. تركتُ عينيّ تَفْحصانها مرة ثانية: زينتها، تسريحة شعرها، ملابسها، ومن خلفهما تركت لشيطاني الحبل على الغارب ليعيد ترتيب مفاتنها، لكن ما لبثتُ أن اكتشفتُ، حين ردت على تعليقي الأخير قائلة: "ككل الشرقيين.. أنبياء أو مجانين!"، أن رفيقة قطار الليل ليست فقط عينين زرقاوين، واكتناز شفتين واستدارة خصر وروايات عاطفية، فقلتُ:

ـ لا.. لسنا كلنا من صنف جبران!

فسألتْ بعينيها قبل أن تنطق:

ـ من أي صنف إذن أنت؟"

ـ ...

***

اتسعت حدقتا عينيها حين عرفتها بنفسي:

ـ أنا سيف.

فأعادت نطق اسمي:

ـ !Safe

ـ نعم سيف.

فقالت:

ـ ماذا يعني اسمك في لغتك؟.

أجبت:

ـ Sword.. أي: سيف.

وتساءلت:

ـ في لغتي أنت "آمن" وفي لغتك أنت "جارح"!

ثم حلَّقتْ بعينيها في فضاء المكان، وسألت حول ما إذا كنتُ "اسماً على مسمى" وهي تُعيد نطق اسمي: "Safe".. أي: آمن، فأجبت بلازمة أكررها كلما أثارت أنثى السؤالَ نفسه:

ـ Its for you to find out.. أي: ابحثي عن الجواب بنفسك.

وسألتها:

ـ وأنت ما اسمك؟

صمَتتْ لحظة، ثم التفتْ إلى نفسها قبل أن تقول:

ـ لطالما تمنيتُ اسما غير تقليدي.. لا يشبه الأسماء المبتذلة والمكررة ككل شيء في حياتنا.

واستطردت:

ـ نُسَخ كربونية أفقدت الناس والأشياء تمايزهم واختلافاتهم.

وأعدتُ التساؤل نفسه: "أجل، لكي يكون الاسم على مسمى"، وقلتُ مداعباً:

ـ أنت سالي، أو لعلك لندا؟!

ضحكتْ، وقالت:

ـ لا هذه ولا تلك.

ولمعت فكرة في رأسها.. نضحت عيناها بما كانت تريد قوله:

ـ ما رأيك أن تسميني أنت؟

وأردفت:

ـ سَمّيني ما شئت؟"

ثم استدركت:

ـ أريد اسما شرقياً من زمن الأولين.

ولم أطل التفكير، فقلت:

ـ سومر.

 

تأملتُ عينيها المشبعتين بغموض الزرقة.. أبحث عن إجابة سؤال لم أطرحه بصوت مسموع: "هل أعجبك؟". عطَّرت بسمتها الندية المكان، وهي تستفهم:

ـ أهي حبيبتك؟

ـ "لا".

"لكن طالما حلمت بحبيبة مختلفة.. اسمها من زمن الأولين!"، هكذا قلت لنفسي.

قالتْ:

ـ اسم جميل.. شكراً.

وبصوت لا يماثله  في ألقه شيء، رَدَّدَت اسمها الجديد تماهياً عدة مرات:

سومر.. سومر مور.. سومر مور.

ورَدَّدته بعدها:

ـ سومر مور.

***

ناقشنا رواية الـ"عوسج"، واحتفينا بـ"البعد الثالث" ـ الإصدار الجديد لـ"هاملتون"، وترجمتُ لها شيئاً من "عصفور النار"، وقرأت لي بصوت ملائكي شجي أشعار طاغور، وأسَمَعْتني بعضَ ما كَتَبَتْ. وشمرتُ عن ساعدي الأيسر، وأطلعتها على وشـمي: صورة "غيفارا" والنجمة الحمراء!

وعلى الـ"عوتار" عزفت لها وغنيت:

مرّينه بيكم حمد، واحنه بقطار الليل..

واسمعنه دك اكهوه وشمينه ريحة هيل..

يا ريل صِيح بقهر.. صيحة عشك، يا ريل. *

تحاورنا في السياسة، وتكلمنا في الأدب، وتحدثنا في الحب، وأمضينا الطريق نتجاذب أطراف أحاديث شتى على وقع حوافر قطار الليل. وفي مقهى المحطة التالية جلسنا إلى طاولة ذات مقعدين متقابلين. وسألتني:

ـ ماذا تأكل؟

قلت: أنا غريب على هذه الديار.

وقبل أن أضيف قالت:

ـ هل تعجبك فطيرة التفاح؟

ـ رأيتها، ولكن لم أتذوقها بعد، وشددت على جملة "لم أتذوقها بعد"!

ونظرتْ في عينيّ وبين شفتيها كلمة "ستعجبك"!

ذهبت "سومر مور".. ومعها أخذت أنفاسي، وعادت تحمل صينية عليها قطعتان من فطائر التفاح وكوبان من القهوة وفازة خزامية اللون يحتضن عنقها بلطف عود زهرة "قرنفل".

وقالت، وهي تذيب آخر قطعة من فطيرة التفاح في فمها:

ـ ألذ فطائر التفاح على طول خط هذا القطار.

وقلتُ:

ـ أعذب فتاة على طول خطوط قطارات الدنيا.

ابتسمت، وبانت في عينيها أنوثة بعبير المسك.. زادها تورد الخدين فتنة.

***

وعلى دكة الانتظار، فرشتُ لها فخذي وسادة، ولحفتها بكفيّ وأنفاسي، وأغمضتُ عينيّ على انتظام نبض قلب الحسناء النائمة على عروقي وتحت لهاثي، وأسلمت نفسي للأحلام، وطرتُ على أجنحة الوهن، وحين نهضتُ على هدير القطار المنصرف ودخانه، كنت وحيدا إلا من مذاق فطيرة التفاح على طرف لساني!

ــــــــــــــ

* للشاعر العراقي مظفر النواب.