مقالات في جريدة " الوطــن "

لا تبخسوا الناس أشياءهم

أن يكون الربح هدف أي عمل تجاري، فهذا لا غبار عليه، فالفائدة هي الأساس الذي تقوم عليه حركة السوق ورأس المال، ولكن أن يصبح (الربح السريع والمضمون) الغاية التي تبرر الوسيلة، وهدفا تسخر له كافة الطاقات والسبل لتحقيقه بغض النظر عن طبيعة هذه الوسائل وشكلها، ويغدو الربح الشغل الشاغل لأصحاب المال حتى وان كان على حساب جودة المنتج: مواد استهلاكية، خدمية، صحية، وتعليمية.. فذلك أمر يحتاج إلى مراجعة، بل والى مراقبة ومحاسبة. ومن هنا تظهر أهمية الضوابط الرقابية وفاعليتها بحيث لا تتوقف مهمتها عند الإبلاغ وإنما تتعداها إلى المتابعة وصولا إلى المحاسبة!

فبعض المؤسسات التجارية تمارس على نحو غير مباشر أساليب لا تراعي حق الزبون في الحصول على بضاعة ذات جودة تناسب المبلغ الذي دفعه باستخدام وسائل مختلفة تكون أحيانا مبهمة ويصعب فهمها، وتكون في أحيان أخرى برضا وعلم الزبون الذي تدفعه الحاجة إلى الرضوخ وقبول الابتزاز تحت وطأة انعدام الخيارات وضيق ذات اليد.

والكلام في هذا الشأن يستدعي الابتعاد عن الحديث الذي يدور حول الموضوع ولا يخترقه، ويتدرع خلف العبارات المبهمة دون إشهار الكلمة، والركون إلى المداورة والمناورة اما خوفا من مقص رقيب أو عصا حسيب، وهي ـ في معظم الحالات ـ خطوط حمراء رسمناها لا شعوريا دون أن يكون لها على أرض الواقع ما يبررها!

 وكالات السيارات والمعدات والأجهزة المنزلية تغريك لشراء بضائعها من خلال تقديم خصومات وهمية أو تسهيلات ائتمانية يقنعونك أن فوائدها لا تتعدى الحد الأدنى، ثم تقتص منك هذه الوكالات بطرق وأساليب مختلفة بعد أن يكون الفأس قد وقع في الرأس ولم يعد في اليد حيلة. هذا النوع من التعامل التجاري لا يقتصر على فئة معينة من الشركات، فالإشارة السابقة إلى منتجات معينة كان للحصر بغاية التعميم! وهذا ليس تجنيا على احد، وإذا كان هناك من يعتقد انه يجب إثبات ذلك بالأرقام والوقائع فذلك سيترتب عليه أيضا ذكر عناوين وأسماء.. الأمر الذي لا يحتاج كثير جهد لإثباته.. وهي قضايا ليست من المحرمات التي لا يطولها النقد، وأصحابها ليسوا منزهين ولا تطولهم اللائمة.

أن يسري مفهوم (أولوية الفائدة) والزبون في المرتبة الثانية على خلاف قاعدة (الزبون دائما على حق) التي يلاحظها المرء في أسواق الدول المتقدمة".. أن يسري ذلك على تليفزيون أو قطعة قماش أو سواها من مواد وأجهزة استهلاكية وخدمات، فهذا يمكن السكوت عليه ـ وان على مضض، لكن أن ينسحب ذلك على التعليم الخاص، فالصمت تجاه ذلك يعد جريمة لا نرتكبها في حق مجتمعنا ووطننا والجيل الحالي من شبابه وإنما بحق الآتي من أجيال. والمقصود هنا بالتحديد بعض الكليات الخاصة، التي تأسست وفي أذهان أصحابها الربح المادي السريع الذي يأتي في المرتبة الأولى والثانية والثالثة.. وربما فوق أي اعتبار!‍‍‍‍ 

التعليم الجامعي يعد الرافد الأساسي لإعداد الطاقة البشرية اللازمة لدفع مسيرة التنمية في الوطن على كافة مستوياتها. وخريجو هذه الكليات هم الكوادر التي ستضطلع بمهمة مواصلة التنمية والتطور سواء في الجهات الحكومية أو مؤسسات القطاع الخاص مستقبلا في إطار جهود وخطط التعمين التي تتبناها الحكومة، وبالتالي فان إعداد هذه الفئة إعدادا سليما يؤهلها لتحمل مسئولية الحفاظ على منجزات التنمية الحالية وتعزيز مقوماتها وذلك من خلال توفير أفضل البرامج الأكاديمية والكفاءات العلمية يجب أن يحظى باهتمام كافة الجهات من مؤسسات حكومة وقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدنى.

وإذ ذاك تصبح مراقبة جودة التعليم الجامعي الخاص مهمة في غاية الأهمية وضرورة تمليها مصلحة الوطن والمواطن، ويستدعي التأكيد لأصحاب رؤوس الأموال أن الاستثمار في المجال البشري وخاصة في التعليم والتأهيل الأكاديمي يجب ألا يخضع لمعايير وأبجديات السوق.. أي يجب ألا يكون الربح ـ فقط ـ هو الحافز في توسيع قاعدة التعليم الجامعي الخاص، الأمر الذي سيفقد هذا القطاع دوره كمؤسسة علمية وثقافية تسهم في رفع كفاءة الثروة البشرية.. وهذا يتطلب، إضافة إلى ما سبق ذكره، الاعتماد على أكاديميين مؤهلين علميا لإدارتها بدلا من وضعها تحت إدارة أشخاص مؤهلاتهم لا تتعدى ملكية حصة من الأسهم ممن يغلب على تفكيرهم الحس التجاري والربحي ليس إلا!

إن آثار تطبيق قيم السوق في قطاع التعليم الخاص لا تقتصر على تدني التحصيل العلمي للطالب فقط، وإنما تتعداه لتصيب المجتمع ككل. إننا ندرك أن تجربة التعليم الجامعي الخاص في السلطنة ما زالت في مراحل مبكرة، وعليه فمن الأفضل ترسيخ مفاهيم وأطر سليمة توجه هذا القطاع وتضعه منذ البداية على نهج صحيح يحفظ له ايجابية الاستمرار وذلك من خلال وضع آليات متابعة فعالة لتقييم أداء مؤسسات التعليم الجامعي الخاص وإخضاعها لمعايير وضوابط تضع مصلحة الطالب والمجتمع في المقام الأول. إذ لا يمكن على الإطلاق المساس بمستقبل الوطن والأجيال القادمة لصالح أفراد لا يعنيهم في هذا كله غير تحقيق الربح وجني المال.

ولربما من المناسب أن استشهد لتوضيح حديثي ببعض ما تعرضن له طالبات بعض الكليات الخاصة مؤخرا خلال تقديم امتحانات نهاية الفصل الثاني من العام الدراسي. فقد منعن طالبات من دخول الامتحانات لأنهن لم يكملن دفع رسوم الدراسة، أو أنهن لم يدفعن رسوم التخرج. ورغم أن معظمهن سمح لهن في نهاية المطاف بتقديم الامتحانات بعد تقديم الضمانات والتعهدات المطلوبة بدفع المبلغ، إلا أن الآثار النفسية المترتبة على مثل هذه الإجراءات ستنعكس دون شك على أدائهن في الامتحان والتحصيل العلمي فيما بعد.

ومن الأهمية بمكان التذكير أن تأثير سيطرة قيم (السوق) على قيم التعليم والمعرفة لن تقتصر على الأفراد وإنما ستمس كافة جوانب المجتمع. وحتى لا نبلغ نقطة البكاء على اللبن المسكوب لزم وضع آليات وضوابط تراقب عمل الكليات الخاصة للتأكد من وجود المتطلبات اللازمة من أعضاء هيئة تدريس أكفاء، وتجهيزات مناسبة وإدارات أكاديمية للارتقاء بمؤسسات التعليم الخاص من مجرد قطاع تجاري خدمي إلى مراكز تعليمية وبحثية تساهم في التنمية على كافة أصعدتها.. خاصة وأن الدولة تدعم بفاعلية جهود التعليم الجامعي الخاص من خلال تسهيلات وحوافز مادية.

الخلاصة.. ثمة تخوف من أن يسيطر مفهوم الربح والخسارة فى قطاع التعليم الجامعي الخاص، وأن يصبح تعامل إدارات الكليات الخاصة مع الطلاب أشبه بتعامل الشركات مع زبائنها حيث يكون الطالب مجرد زبون لو تأخر في دفع القسط ستسحب منه السلعة التي اشتراها.. مما يفقد (هذه المؤسسات) دورها الريادي والطليعي كمؤسسة تعليمية وثقافية واجتماعية تلبي احتياجات الاقتصاد الوطني من القوى العاملة وترفد المجتمع بعناصر مثقفة وواعية تسهم على نحو فعال في نموه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

 ـــ
جريدة الوطن / الأثنين  7 يوليو 2003  العدد 7295