مقالات في جريدة " الوطــن "

الديمقراطية على طريقة الـ(هامبرغر) الأميركية

 

هل يمكن القول أن اميركا فعلا جادة في تهيئة البيئة والظروف المناسبة لتبني الديمقراطية في العالم العربي؟! سؤال ينتظر الايجابية عليه كثيرون بعد أن تنجلي الرؤية وتتبدد سحب الدخان والغبار! والايجابية لا احد يعرف شكلها ولا تفاصيلها، لكن الجميع في عالمنا العربي، دون استثناء، يشككون في نوايا تلك المبادرة ولا يختلف في ذلك حاكم أو محكوم!

كانت اميركا قد أعلنت على لسان وزير خارجيتها كولن باول، قبل حربها على العراق بأيام، عن مبادرة مشبوهة أطلقت عليها اسما مشبوها هو الآخر (الشراكة الاميركية الشرق أوسطية)، وخصصت لها مبلغ 29 مليون دولار (يقل عن ثمن طائرة واحدة من تلك التي سقطت في العراق سواء بنار صديقة أو ببندقية الفلاح العراقي منقاش).

هدف هذه المبادرة المعلن هو تعزيز الممارسات الديمقراطية في الوطن العربي من خلال إيجاد بيئة مناسبة تستهدف توعية (أولياء أمور تلاميذ مدارس التعليم الأساسي) في الوطن العربي بحقوق المواطنة وتحرض النساء على مطالبة حكامهن بالمشاركة السياسية عبر آليات ديمقراطية مشابهه لما يتمتع به الغرب وليس الاكتفاء بالنموذج المحلي المتمثل في مجالس الأمة والشورى سواء تلك التي يتم تعيين أعضائها أو انتخابهم.

هذه المبادرة أثارت قلق أصدقاء اميركا في المنطقة قبل أعدائها، ولم يقتصر تأثيرها على الذين لا تكن الولايات المتحدة لهم من المودة شيء. فحتى من كان بالأمس شريكا وصديقا أصبح اليوم حائرا غير مصدق لهذا الانقلاب الذي هز طبيعة علاقته بواشنطن.. علاقة كانت تعد إلى وقت قصير من ثوابت الأوضاع السياسية القائمة في منطقتنا العربية!

وكان صقور البيت الأبيض قد مهدوا لحربهم العسكرية على العراق، التي افتقرت إلى أي غطاء شرعي وأي مبررات أخلاقية، بشن حملة إعلامية مؤكدين أن حرب اميركا على العراق مشروعة وضرورة أملتها قيم ومبادئ جديدة يتبناها رجل من نوع آخر من رؤوساء الولايات المتحدة.. رجل أخذ على عاتقه تصفية الحكام المستبدين في العالم الثالث بدأ بصدام حسين وذلك لما يشكلوه من تهديد على (مصالح اميركا) ومبادئ الحرية والديمقراطية في العالم أجمع وبالأخص داخل اميركا نفسها!

ففي مقابلة تليفزيونية ردت كونداليزا رايس مستشار الأمن القومي الاميركي، ومستشارة شركة (غلف أويل)، وعميلة وكالة المخابرات المركزية السابقة، على مداخلة المذيع عندما قال لها أن عددا كبيرا من أقوى وأقرب حلفاء أميركيا في العالم لا يختلفون عن صدام كثيرا فيما يتعلق بحقوق الإنسان وكبت الحريات وغياب الديمقراطية.. ردت بقولها أن اميركا يقودها الآن رجل ليس على استعداد أن يغض الطرف عن تجاوزات حلفاء اميركا العتيدين.

وحذرت كونداليزا، بطريقة غير مباشرة، أن الولايات المتحدة ستستخدم العصا الغليظة بعد أن تنتهي من صدام حسين إذا لم يستجب هؤلاء إلى مطالب الرئيس بإدخال إصلاحات جذرية في أنظمة حكمهم.

أما وقد أريقت الدماء واستبيح التراب واحتلت العراق أرضا وناسا، فلم يعد أمامنا سوى الانتظار والتضرع لله أن تنقشع غيوم هذا الخريف الحالك من تاريخنا بأقل الأضرار. وهي تمنيات مهزومين دون حرب ومدانين دون تهمة، وان شارك بعضهم في ما آلت إليه حاله قبل حال من ساهموا في سقوطه (وان كان هذا الذي سقط لا يستحق أن تذرف عليه دمعة).

لكن يبدو أن انتظارنا للديمقراطية على النمط الاميركي لن يطول، فبشائر (الخير هلت وأول الغيث قطرة).  فجيمس ولسي المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الاميركية تسأل، دون مواربة ولا خجل، في محاضرة جامعية قائلا: هل ما زالوا فعلا يعتقدون أن المشكلة تكمن فقط في الرئيس العراقي صدام حسين. وقصد بكلمة هم القائمون على الأمور في عالمنا المترامي الأطراف.. عالما كنا دائما نتباهى باتساع رقعته حين نقول من المحيط إلى الخليج. ولسي هذا أراد أن يضع النقاط على الحروف، فترك العنان للسانه محذرا بعض الزعماء العرب وذكرهم بالأسماء: إن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لا بد أن يجعل دولا مثل السعودية ومصر قلقة، إن الديمقراطية وفق الاسلوب الاميركي آتية في الطريق.

وولسي هذا ليس مجرد رئيس سابق لوكالة المخابرات المركزية، إذ تقول مجلة السياسة الخارجية تحت المجهر فورين بوليسي إن فوكس: إن نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز، وآخرون في الإدارة الاميركية يعتمدون في رسم السياسة الخارجية على استشارات يقدمها المحافظين الجدد أمثال وولسي.

والغريب أن  الإدارة الاميركية مارست خلال حملة الترويع التي شنتها لإجبار دول العالم الكبيرة منها والصغيرة على الانضمام إلى حلف العدوان على العراق أسلوبا لا يختلف كثيرا عن شريعة الغاب، في نفس الوقت الذي كانت تعلن فيه أن أحد أهداف حربها على العراق هو بسط الحرية وإرساء أسس الديمقراطية.

فقد اتسم خطاب اميركا بمنطق القوة والغطرسة حتى مع حلفائها الأوروبيين، وكانت تتصرف بمنطق أنها الدولة الأقوى والأعظم القادرة على شراء المواقف ومكافأة من ينحني ويرضخ ومعاقبة من يخرج عن بيت الطاعة! ورغم ذلك دخلت الحرب في حلف عسكري لا يضم غيرها وبريطانيا التي زجت بجنودها في حلف الحرب على العراق رغم اعتراض أغلبية شعبها وعلى خلاف تقليد ديمقراطي عريق حين يسترشد أصحاب القرار خلال الأزمات الكبيرة بمؤشرات استطلاعات الآراء!

إن ما جرى ويجري من ترويع وضغط لكتم الأصوات العاقلة في اميركا نفسها، وعلى مستوى العالم كله لا يدع مجالا للشك في سوء نوايا أعمدة إدارة بوش من اليمين المسيحي المتصهينين. فمن يكيل الموازين بمكيالين في التعامل من البشر والدول ليس من حقه التبشير بالحرية والديمقراطية لأن العدل أساس الحكم وفاقد الشيء لا يعطيه. إن ديمقراطية هؤلاء ليست سوى صنف آخر للديكتاتورية، ولعلها لا تختلف كثيرا عن ديكتاتورية صدام، فهذا التسويق الساذج للديموقراطية وثقافة الـ(الهامبرغر) تكمن وراءه مصالح اقتصادية واستعمارية مكشوفة ولا تنطلي على أحد.

ولعل ردود الفعل السلبية تجاه مبادرة اميركا  لدعم الديمقراطية في العالم العربي مبررة ولها مسوغاتها. فسجل دولة العم (سام) في هذا المجال حافل على عكس ما تدعو إليه، ولا احد في الحقيقة يأخذ هذا الاهتمام المتأخر بالشعوب العربية مأخذ الجد. ومن الغباء الاعتقاد أن اميركا لا تدرك أن تمكين الشعوب العربية من اختيار قياداتها سيكون بمثابة وبال على اميركا نفسها قبل  أي أحد آخر! وهو موقف يستند إلى تاريخ طويل من تجارب اميركا في دعم معظم ديكتاتوريات التاريخ المعاصر.

لا احد ينكر أن عالمنا يزخر بأنظمة مستبدة وقمعية كثيرة، وأن التغيير الذي تتحدث عنه اميركا حق ومطلب أساسي للشعوب العربية.. ولكنه الحق الذي يراد به باطل. فأميركا ليست هي الدولة المؤهلة للقيام بهذه المهمة. فهي تحد اليوم من الحريات الشخصية لأفراد شعبها باسم مكافحة الإرهاب، وهي لذلك لا تملك الحق أخلاقيا في الحديث عن نشر رسالة الحرية وبسط مبادئ الديمقراطية خارج أراضيها!

إن مبررات هذه المبادرة التي حاول وزير الخارجية كولين باول تسويقها تفتقر للكثير من  المصداقية، فسياسة اميركا الخارجية لم تكن يوما ثابتة وإنما متغيرة حسب ما تمليه مصالحها ـ باستثناء علاقتها بإسرائيل. فأميركا كانت صديقة لباكستان أيام الحرب الباردة، وعندما انهار الاتحاد السوفيتي اتجهت إلى الهند ووضعت باكستان في قائمة الدول المقاطعة اقتصاديا، وعندما قررت شن الحرب على أفغانستان استخدمت قضية (كشمير) (كـفزاعة) تخيف بها الحكومة العسكرية  في إسلام أباد الأمر الذي أرغم باكستان على فتح حدودها وأجوائها للقوات الاميركية. وقد وقفت الولايات المتحدة مع العراق في حربها مع إيران، ويذكر أن رامسفيلد بذاته كان على علاقة شخصية قوية بصدام حسين، ثم انقلبت عليه لاحقاً بعد أن وسوست له لاجتياح الكويت. أما أسامه بن لادن فكان بالنسبة لاميركا‏(مقاتل من أجل الحرية freedom fighter  ) عندما كان يحارب إلى جانب الأفغان ضد الوجود السوفييتي في بلادهم، ثم أصبح إرهابيا بعدما تحقق الهدف الاميركي في تلك المنطقة. والكردي العراقي يعتبر مناضلاً من أجل الحرية بالنسبة لبلد العم سام في حين يعتبر ابن عمه الكردي التركي إرهابيا!

إنها مفارقة لا يقبلها عقل. أي نوع من الديمقراطية هذه تفرض بمنطق القوة وتحت سلطة الاحتلال وبازدواجية المعايير. إن الحرية والديموقراطية ومفاهيم (الفضيلة) الأخرى التي تزعم اميركا أنها السبب وراء حربها على العراق، وليست أسلحة الدمار الشامل التي لم تعثر بعد على شيئا منها، لا يمكن فرضها على الناس وتسويقها كما تُسوق ثقافة الهامبرغر والكوكا كولا.

إن ما تتعرض له منطقتنا العربية لم يعد هما أفقدنا نحن العرب على مختلف مللننا ومواقعنا من مراكز (اتخاذ القرار) صوابنا، وإنما أصبح مثار تساؤل مفكرين وسياسيين كبار داخل اميركا نفسها الذين وقفوا عاجزين عن إيجاد مبرر لعودة الحياة على الأرض إلى الوراء .. إلى عصر الاستعمار المباشر وهيمنة منطق القوة والتسلط!

ــ

جريدة الوطن/ الأثنين 19 صفر   1424 هـ ـ الموافق 21 ابريل 2003  العدد 7218   السنةالـ33