من المستفيد؟!!  

 

من تقتل كرامته لا يعيش، والشهداء الذين فظلوا أن تعيش كرامتهم على حساب حياتهم هم أحياء: عمر المختار لا يزال يعيش، وبندقية عز الدين القسام ظلت مرفوعة! أما الرصاصة التي اخترقت قلب محمد الدرة فقد قتلته وأحيته في آن.. أماتت جسده الهزيل، ولكنها خلدت له اسما كتب بمداد احمر على تراب أرضه وفي ذاكرة أمته.

 

واسم "جول جمال" لن يمحيه الزمن من  ذاكرة التاريخ العربي. هذا الشاب العربي السوري الذي هانت عليه حياته من اجل أن يحول دون أن تقضي المدمرة الفرنسية "جان دارك" على آلاف من أبناء بورسعيد وذلك إبان العدوان الثلاثي (الانجليزي ـ الفرنسي ـ الاسرائيل) على مصر.

 

جول جمال لم يكن جنديا منتظما، ولم يقم بذلك العمل الفدائي العظيم لأن واجبه العسكري يدعوه لذلك، وفوق هذا وذاك لم يكن مصريا. جول جمال كان عربيا فقط، وما قام به ليس دفاعا عن ملة أو طائفة، وإنما دفاعا عن قوميته.. فحين توصل إلى قناعة أن حياته لا تساوي شيئا أمام حياة الآلاف من سكان بورسعيد لم يتردد في تنفيذ عملية "استشهادية" في سبيل أن ينجو هم حتى ولو كان في ذلك موته.

 

فعندما أعلنت الدول الثلاث حربها على مصر كان جول جمال يعمل ميكانيكيا في ميناء اللاذقية، وعلى الرغم من أن بورسعيد تبعد آلاف الكيلومترات عن مدينته، إلا أن جول اتخذ قرارا بمنع المدمرة الفرنسية من مواصلة إبحارها نحو السويس، وهو بذلك اختار وبمحض إرادته الموت في سبيل إنقاذ حياة غيره، فانطلق بقاربه الصغير المليء بالمتفجرات نحو البارجة وشطرها إلى قسمين ليموت هو ويحيا بموته كثر من أبناء المدينة المصرية! جول جمال لازال يعيش، واستشهاده على ذلك النحو لم يكن سواء نوعا ِآخر من الحياة مثله في ذلك مثل المختار والقسام وآخرون اختاروا الاستشهاد طريقا للخلود!

 

أسوق ذلك بعد أن انتهيت من متابعة الإخبار التي جاء في جلها خبر تفجير عدة أشخاص أنفسهم في ثلاثة أماكن متفرقة من العراق راح ضحيتها عدد كبير من العراقيين.. عربا مسلمين! وقد تبنت العمليات جهة تتخذ من الإسلام عقيدة ومن الفكر الاستشهادي والجهادي منهحا في حرب تجاوزت العدو التقليدي.. أي المحتل لتنال من المواطن البسيط الذي هو أيضا ضحية لهذا المستعمر.

 

ولا يمكن للمرء إلا أن يتساءل: هل حقا هؤلاء الذين نشاهدهم على شاشات التلفزيون وقد تمنطقوا بأحزمة ناسفة وهدفهم تجمع عدد من العاطلين في طابور تسجيل الراغبين في العمل مع الشرطة بدافع الجوع ليس إلا.. هل هؤلاء فعلا مقتنعين بما يقومون به، وبالدافع الذي يجعلهم يقتلون ؟

 

لا ادري إن كان هؤلاء الناس يدركون جيدا مدى الضرر الذي يلحقوه بالإسلام.. دين التسامح والمحبة والرحمة. فهل في خطف وقتل أعضاء منظمات وحركات مناهضة للحرب على العراق في بلدانهم وممن يطالبون بخروج القوات المحتلة من العراق، وهل قي قتل صحافي غربي جاء ينقل صورة لمواطنيه يعري بها ممارسات جيش الاحتلال غير تشويه صورة الإسلام.

 

فما يحدث من تفجيرات في أماكن العبادة الإسلامية وما نشاهده من ذبح كالنعاج لمسلمين ابراياء جريمتهم الوحيدة البحث عن ما يكف عن أطفالهم العوز والجوع، وقتل أبرياء من رجال وأطفال ونساء تواجدوا بالمصادفة في مكان تمر فيه سيارة شرطة أو سيارة مسئول من الدرجة العاشرة قرر هؤلاء انهاء حياته.. كل ذلك لا يخدم المقاومة الحقيقية ضد جيش الاحتلال والمتعاونين معه، بل إنه ظلم للعباد في أرض يذكر اسم الله فيها.

ومن المؤسف حقا أن يعتقد هؤلاء أن ما يقومون به من قتل غيرهم وأنفسهم هو جهاد.  فعمل هؤلاء لا يمت بصلة إلى الإسلام ولا إلى الجهاد ، وليس من الجهاد بشيء قتل معصومي الدم من المسلمين وأهل الذمة من غير المسلمين.

ومهما كانت الأسباب والدوافع، فإن قتل نفس برئة أيا كانت ليس في مصلحة المقاومة العراقية الشريفة المدفوعة بحب الأرض والدفاع عن العرض. أما من يقتل لأجل الانتقام أو أخذ ثأر فهذه ليست مقاومة ولاهي طريقا للاستشهاد!