متاعب العم بوش

 

متاعب بوش تزداد عددا وتتفاقم معضلاته، وحين يجيب على سؤال له علاقة بوضع العراق لا يتردد الرجل في ربط ذلك مباشرة بإحداث 11 سبتمبر، ويحاول ما استطاع.. سواء بزم شفتيه أو هز رأسه تأكيد صدق ما يقوله حول مصداقية مبررات حربه على أفغانستان ومن بعدها العراق أو تلك التي يستعد لشنها على إيران.. حرب غايتها حماية الشعب الأمريكي من الإرهاب والارهابين، وهي حرب استباقية.. "قتلهم في عقر دارهم قبل أن يأتوا لقتلنا في ديارنا".

 

وجود الجنود الأمريكيين في ديار "الإرهاب" جاء على غير ما اشتهته سفينة "بوش". ففي أفغانستان فشلت أعظم دولة في العالم وأكثرها قدرة تكنولوجيا في إخراج "الجرذان" من مغارات "تورابورا". فها هو بن لادن وساعده الأيمن "أيمن الظواهري" يواصلان بث الرسائل المشفرة لكل من يهمه الأمر.. وبوش على رأسهم.. لاسيما أن رسالة بن لادن الأخيرة أكدت أن الرجل لا يعيش في جحور جبال عصية نائية وإنما هو على اتصال مباشر بالعالم إن لم يكن يعيش في وسطه.

أما في العراق، فعدد قتلى الجيش الأمريكي يزداد كلما ازداد بطش هذه القوات بالمواطنين في المناطق الـ"متمردة" حسب ما يطلقون عليها، أو حتى في المناطق التي يعتقد أنها طائفيا أكثر أمنا وأقل عداء لقوات الاحتلال. وكلما ازداد وجود قوات الاحتلال عددا وعدة، تزداد وتيرة هجمات المقاومة عددا وشدة. ففي حين كانت وسائل الاعلام تنقل عن ـ رواية قوات الاحتلال ـ قتل اثنين أو ثلاثة جنود يوميا، ارتفع العدد في الآونة الأخيرة إلى ما بين أربعة وخمسة على الرغم من العمليات العسكرية العديدة التي شنت وتُشن في مناطق تواجد المقاومة.

 ولم يقتصر قنص الجنود الأمريكيين على الأرض، فقد بدأ الرصاص يرتفع إلى الأعلى حيث فقدت القوات الأمريكية عدة طائرات خلال الأشهر الأخيرة.

والمشهد الأفغاني لا يختلف كثيراً عن ما يجري في العراق. فقد جرت خلال الأسابيع الماضية معارك شرسة بين طالبان والقوات الأمريكية في تصاعد غير مسبوق منذ بدء حرب أمريكا على أفغانستان ولجوء مقاتلي طالبان إلى مناطق الأطراف وجبالها العصية.

وعلى الرغم من محاولات الرئيس بوش في خطاباته الأسبوعية للشعب الأمريكي تأكيد نجاح مهام جنوده في كل من أفغانستان والعراق، إلا أن الحقيقة على أرض الواقع مختلفة تماما، وهي ليست خافية على شعبه. فقد اعترف الجنرال جاميس هيلملي، قائد احتياطي الجيش الأمريكي، بأن قوات الاحتياط منهكة للغاية نتيجة لتزايد الحاجة لجنودها للحرب في أفغانستان والعراق، وأنها أصبحت قوة محطمة بسبب السياسات العسكرية المختلة ـ علما أن قوات الاحتياط تشكل نحو 40 في المائة من مجموع الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان.

وبعد فضيحة سجن أبو غريب وتداعياتها التي زلزلت أركان كيان البيت الأبيض، وانتهاكات حقوق الإنسان المزمنة في معتقل جوانتانامو، جاءت فضيحة الرحلات الجوية السرية التي سيرتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي. أي. إيه" لنقل معتقلين إلى سجون أمريكية سرية ـ هي الأخرى ـ في الدول الأوروبية، وما سببه ذلك من انتهاك لسيادة تلك الدول وشكل حرجاً لها أمام شعوبها الرافضة للحرب على العراق، مما ضاعف من متاعب الرئيس بوش.. لاسيما أن حكومات تلك الدول أقرب حلفاء "بوش" وأسرعهم هرولة خلفه.

 

وكأن كل ذلك لا يكفي، فظهور الثلاثي اللاتيني: كاسترو والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، والرئيس البوليفي، المنتخب حديثا، ايفو موراليس في العاصمة الكوبية للتوقيع على "اتفاقية الشعب" بدا وكأنه تمردا داخليا ضد إرادة أمريكا القوية في القارة الجنوبية، التي كانت وحتى وقت قريب "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة.

"اتفاقية الشعب" هذه هدفها تحديد طبيعة التعاون التجاري بين الدول الثلاث في مواجهة السياسات التجارية الأميركية. وهو تكتل إقليمي اشتراكي النزعة للتكامل الاقتصادي والسياسي، ويعتبر بديلاً لمشروع أمريكا ومحاولة لإحباط خططها لإقامة منطقة تجارة حرة بين الأمريكيتين. وهذا ما أكده هوغو شافيز، الذي لا يقل  حماسة في عدائه للولايات المتحدة عن الثوري العجوز فيدل كاسترو، عندما قرر سحب بلاده من مجموعة الـ"الأنديني" التي تضم عددا من دول أمريكا اللاتينية، والتي وقعت اتفاقية "التجارة الحرة" مع الولايات المتحدة.

متاعب بوش لا تقتصر على الخسارة التي تتعرض لها جيوشه في المناطق الساخنة ـ حسب التعبير الأمريكي لتخفيف جسامة الخسارة ولعله يشبه إلى حد ما ما يشير إليه العرب حين يتحدثون عن هزيمة حزيران ويصفونها بـ"النكسة" ـ والفشل في سياسته الخارجية، بل أنه يواجه معارضه شديدة ومتزايدة من الداخل الأمريكي ولعل أرقام الاستطلاعات خير ما يؤكد ذلك.

 

فهذه الأرقام تظهر تدني شعبية الرئيس الأمريكي وإدارته إلى أقل من 30 في المائة، وتؤكد هذه الاستطلاعات أن سبب ذلك فشل حروب بوش الصغيرة منها والكبيرة في العالم. فالخسائر التي تتكبدها أمريكا ضخمة على كل صعيد، الأمر الذي يدفع أغلبية الأمريكيين إلى مطالبة إدارة حكومتهم بإعادة الجنود إلى وطنهم!

 

شعبية الرئيس جورج بوش، حسب هذه الارقام، سجلت انخفاضا جديدا غير مسبوق، وهذا الرقم يذكرنا بالمستوى الذي وصله بوش "الأب"، قبل انتخابات الرئاسة عام 1992 والتي انتهت بهزيمة ساحقة أمام منافسه المرشح الجمهوري المغمور، آنذاك، بيل كلينتون. ولم تشفع لـ"بوش الأب" عاصفة الصحراء ولا النياشين التي حصل عليها بوصفه أحد أبطال حرب فيتنام!

 

انخفاض شعبية الرئيس بوش إلى هذا الحد المتدني، بدأ يثير الذعر في أوساط الحزب الجمهوري، بل ان بعضهم بدأ يتبرأ من مواقف سابقة ساهمت الى حد كبير في صلف صناع القرار في ادارة البيت الابيض . هذا الإخفاق سينعكس سلبا على فرص فوز مرشحي الحزب في الانتخابات المقبلة, ولعل الأكثر مدعاة للقلق بالنسبة إلى الجمهوريين هو أن السبب الرئيس وراء ذلك هو الحرب في العراق التي يتعذر تغيير مجرياتها، بعد أن وضع بوش أمريكا في ورطة يصعب الخروج منها، وغدت في موقع الدفاع في حرب كان يفترض أن تكون هجومية أو استباقية. فأكثر من ثلثي الأميركيين، يعتقدون أنهم الآن ـ على كافة الصعد ومنها الأمن ـ أسوأ حالا مما كانوا عليه حين تولى بوش الحكم في 2001.

 

الرئيس الأمريكي وحزبه  موعودان بمشاكل أخرى لعلها لم تكن في الحسبان، فالسياسة الخارجية ليست هي المسئولة فقط عن متاعب الرئيس وتدني شعبية حزبه، وإنما للاقتصاد دور ساهم في تراجع شعبيته ، فالاستطلاعات تشير إلى أن 23 في المائة فقط من الأمريكيين سعداء بأداء الكونغرس ـ ذي الأغلبية الجمهورية ـ الاقتصادي.. الأمر الذي زاد من سخط الناخب الجمهوري على رئيسه وحزبه.

 

كما تؤكد الاستطلاعات أن نسبة كبيرة من الأقليات العرقية كـالسود و"الهسبانك" والآسيوين والعرب تعتقد أن الرئيس وحزبه الجمهوري أقل اهتماما بالقضايا التي تؤرقهم. كما اتهم  الرئيس بوش بالتقصير في تقديم الإغاثة المناسبة والعاجلة لسكان المناطق المنكوبة على خلفية عنصرية حيث أن معظم سكان تلك المناطق من الفقراء السود الذين حالت ظروفهم المادية دونهم وإنقاذ أنفسهم بجهودهم الذاتية كما فعل جيرانهم الأغنياء من أهالي المناطق نفسها!