مقالات في جريدة " البيـان "

تخشب الرقاب من طول الانحناء

ذات يوم من أيام هزيمة حزيران ـ أو النكسة كما يحلو لنا وصفها تخفيفا لوطئتها على النفس ـ قال الشاعر العراقي مظفر النواب في واحدة من قصائده الحادة كحد السيف يلوم العرب على ضياع القدس ".. أدخلتم القدس في المحراب ووقفتم خلف الأبواب تسترقون السمع لأصوات بكارتها وتنافختم شرفا..".

وقبلها بعشرين عاما عجزت جيوش دول الطوق حينئذ عن وقف عصابات مسلحة من أفاقين تداعوا على فلسطين من "جهيتوات" العالم.

وبالأمس نسى  العرب جميعا ـ شعوبا وقبائل ـ كل ما حدث حينئذ، ويتجاهلون تبعاته ونتائجه المدمرة على عالمنا العربي، وقدموا "بغداد" عاصمة الرشيد عربون صداق على أمل نيل الرضا والقبول.

واليوم ثمة ما يلوح في الأفق يشي بتحرك جديد للنيل من أرض عربية أخرى. فإدارة البيت الأبيض ماضية في تهيئة الأجواء ـ حتى ولو بالتضليل ـ  استنادا على تقرير ميليس الذي لم يتوصل بلسان صاحبه إلى نتائج نهائية، ولم يؤكد بعد ـ على خلاف ما يريده الأمريكيون ـ ضلوع سوريا في مقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، وكل ما جاء فيه اتهامات تدور حول تورط بعض كبار ضباط الأمن السوريين في التخطيط لمقتل الحريري، وهذا يدل بوضوح على النية المبيتة لاستخدام هذه القضية مدخلا للنيل من سوريا.

وإن اعتبرت تقريره الأولي مسيسا، إلا أن سـوريا أكدت أكثر من مرة وعلى لسان قادتها استعدادها للتعاون مع لجنة "ميليس" رغم ما في ذلك من مساس باستقلالها. ورغم ذلك فإن إدارة البيت الأبيض ماضية في غيِّها وعلى عجلة من أمرها لاستصدار قرار "أممي" يعاقب سوريا على جريمة ما زالت قيد التحقيق، وظني أن وراء ذلك خشيتهم أن يأتي تقرير "ميليس" بما لا تشتهيه سفنهم! ولعل اعتذاره عن مواصلة التحقيق يعود إلى ضغوط لليي عنق الحقيقية، وهي من دون شك ليست سورية المصدر. 

والمشهد نفسه يتكرر.. ذلك الذي شهده العالم قبل هجوم أمريكا على العراق، وبنفس السيناريو: مطالبة مجلس الأمن بإصدار قرار محاصرة سوريا، وبعدها سيبدأ العدوان بموافقة المجلس أو رفضه على خلفية ادعاءات كاذبة وشهود زور.." ومن ثم الفوضى "البناءة" التي تقضي على كل من يعارض سياستها ويخرج عن طاعتها، وتسلب من الشعوب إرادتها وقوميتها وإيمانها الديني، وبعدها تأتي مرحلة "إعادة" بناء ما دمرته الحرب وفق قواعد وأسس جديدة أمريكية القلب والقالب.

ومثلما خرج رئيس الفريق المكلف بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق قبيل غزو أمريكا له عن صمته، وأعلن ـ وان كان جاء بعد خراب مالطة ـ ان اللجنة لم تجد ما يشير إلى وجود برامج لصناعة أسلحة دمار شامل، وان حرب أمريكا على العراق خطيئة كبيرة، فليس من المستبعد أن نرى "ميليس" يعلن من برلين انه لم يعثر على وجود صلة ما بين سوريا وحادثة اغتيال الرئيس الحريري.. خاصة بعد أن أبدا رغبته في التخلي عن المهمة التي كلف بها من قبل مجلس الأمن.

ومن يدري قد نشاهد ميز "كوندي" يوما تذرف الدمع دماً أسفا على مساهمتها في موت ما يزيد على مائة ألف عراقي ـ هذا فقط في بغداد قبل سقوطها ـ تماما مثلما فعل من سبقها في ادارة الخارجية.

ويبقى أن من حق أمريكا أن تفعل ما تشاء من أجل تحقيق مصالحها ومعها اسرائيل طبعا ـ المحرض الخفي ـ حتى ولو كان ذلك على حساب الآخرين، لكن السؤال ماذا نحن فاعلون؟!

يخطي من يظن أن الأمر سيتوقف عند سوريا، وأن "الثور الأبيض" سيشبع شراهة ملك الغاب، وأن المطالب ستتوقف عند حذف قصيدة "أبو القاسم الشابي" من كتب اللغة العربية في المدارس على امتداد "بلاد العرب أوطاني"، أو حذف آية قرآنية تدعو إلى الجهاد في سبيل الله من مقررات التربية الإسلامية، أو قصف سـكان قرية على رأس جبل ـ كانت سعيدة بوحدتها ذات يوم ـ لا لشيء غير أن إمام مسجدها واصل الدعاء على المحتلين رغم الأمر الذي صدر إليه بالتوقف خوفا من اتهام بلاده بإيواء إرهابيين.

وإذا كان هناك من يظن أن صداقة أمريكا تمنحهم الحصانة وتضمن لهم العيش الهني، فهم واهمون! فأمريكا لن تتوقف عند سوريا.. وحلم الصهاينة بأرض الميعاد الكبرى الممتدة ما بين النهرين والمتمثلة في خطين أزرقين رسما في علم الكيان الصهيوني ليس مناماً وإنما إيماناً.

فمهما قدمنا من تنازلات وامتثلنا للإملآت فيما يتعلق بأسس حياتنا ومستقبل أطفالنا وإعادة تشكيل ثقافتنا، ومهما أقسمنا أغلظ الايامين إننا سنكون مخلصين ومطيعين، إلا أن كل ذلك ـ كما يبدو ـ لا يكفي. فما جئت على ذكره لا يشكل شيئا في قائمة إملاءات تزداد طولا كلما حنينا الرقبة، وخوفي أن يأتي يوما لا نستطيع تحريك رؤوسنا ناهيك عن رفعها بعد أن تتخشب الرقاب من طول الانحناء!

وخوفي أن يأتي يوما نتحول فيه إلى قبائل تشبه بعض قبائل سكان أمريكيا الأصليين التي كانت تزف كل سنة أجمل بناتها قربانا لملك الجن الرابض عند منبع النهر.. المتحكم، حسب اعتقادهم، في خصب الأرض وفي جدبها، الذي إذا غضب تدافع الماء بعيدا عن المنبع ففاض النهر من غضبه وإذا نام انخفض منسوب الماء وجفت ضفافه وإذا ابتسم خصب الزرع وامتلأ الضرع وعم الخير البلاد والعباد.