ومن بعد؟

أما وقد حلت أمريكا كافة مشاكل العالم، ولم يبقَ فيه ما يستدعي الاهتمام ـ هكذا يتبدى الأمر للمرء وهو يستمع ويحاول فهم تصريحات "صقور البيت الابيض" ـ فقد غدا التعامل مع سوريا الشغل الشاغل لأعضاء الادارة الامريكية. فالوزيرة  رايس، "الحمامة" التي تحولت فجأة الى "صقر" بمجرد ان استبدلت حقيبة مستشارة الامن القومي بحقيبة وزارة للخارجية، أعلنت أنها لا تكف التفكير في شيء أسمه "سوريا"، وهذا بالفعل ما يلاحظه المتتبع لتصريحات الوزيرة التي تفاجئنا بجديد عن سوريا بالذات مع بزوغ شمس كل يوم جديد.

وهي، ومثلما لا تكف التفكير في سوريا او عنها، لا تكف عن توجيه اتهامات اليها بمناسبة ومن دون لاسيما تلك المتعلقة بأسباب فشل قوات الاحتلال في العراق. هذا ما تحاول رايس اقناع العالم به، لكن لا يخفى على أحد أن استهداف سوريا يُجيَّر لصالح اسرائيل وأن كل الادعاءات بخلاف ذلك هي محض "أكاذيب".

تهديدات رايس الأخيرة ومن قبلها رئيسها الذي وجه تحذيرات صارمة الى سوريا ودعاها الى عدم التدخل في الشأن العراقي في حضور جلال طالباني، الرئيس العراقي، فضلاً عن تصريحات السفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاده الذي لم يستبعد العمل العسكري ضد سوريا إذا لم تتعاون مع امريكا لوقف ما اسماه تسلل المسلحين الأجانب إلى العراق، كلها تشير الى وجود خطة جاهزة تنتظر الوقت المناسب لتنفيذها إذا لم تذعن سوريا لاملاءات ادارة البيت الابيض، وتختار الوقوف في "طابور" المطبعين وتتخلى عن كل ثوابتها القومية، وعدا ذلك عليها أن تتحمل تبعات موقفها! 

وتحميل سوريا مسؤولية تسلل المقاتلين العرب الى داخل العراق، ومطالبتها بضبط حدودها الطويلة معه، مفارقة لا يستوعبها عقل عاقل. فإذا كانت أمريكا بـ"جلالة" قوتها العسكرية وقدرتها التقنية الفائقة على رصد تواجد "الارهابين الأجانب" داخل العراق، كما تدعي، والتي في ضوءها دمرت مدن بأكملها على رؤوس سكانها كالفلوجة والقائم وتلعفر، فهل تعجز عن ضبط الحدود؟! وغير ذلك: لماذا أصابع الاتهام وسيل تصريحات التهديد توجه ضد سوريا في حين أن حدود العراق مع جيرانها الآخرين مفتوحة على وسعها.. لاسيما أن بعض هؤلاء الجيران لا يحملون لأمريكا من الود شيئا.

هل نحـن مقبلون على "سيناريو" مشابه لما شهده العالم أثناء اعداد العدة لغزو العراق؟

كل الاشارات توحي بذلك غير ان امريكا ليست بحاجة ـ هذه المرة ـ الى كسب عقول وقلوب شعوب المنطقة، وليست بحاجة الى اطلاق مزيد من المبادرات من نوع "الشراكة الاميركية الشرق أوسطية"*، ولم تعدْ بحاجة لمن يعطيها تصريحا بالمرور جوا أو باستخدام مطارات وقواعد عسكرية لإطلاق طائراتها وصواريخها من اراضي الدول المجاورة، ولا تحتاج ايضا الى قرار دولي بمحاصرة سوريا وتقنين حياة اهلها ببرنامج "الغذاء مقابل النفط"، ولا تحتاج الى مساندة عسكرية "صُوَرية" لتشكيل قوة "تحالف" يُشرِّع وجودها "مجلس أمن الامم المتحدة" الذي تحول الى "مجلس أمن الولايات المتحدة"! والاهم انها لن تضطر الى استدعاء المزيد من قواتها المنهكة لفتح جبهة حرب مادام هناك من هو على اتم الاستعداد القيام بالدور وعلى اكمل وجه وفي اسرع وقت ممكن.

·  سـوريا متهمة بفتح حدودها أمام المقاتلين العرب لدخول العراق (أو قل "الارهابيين" ان شئيت تفادي الوقوع في شرك التهمة نفسها) وهي بذلك لا تحرض على الارهاب وحسب وإنما تمارسه، بالإضافة الى الاتهام القديم ـ الجديد بإيواء منظمات فلسطينية ارهابية.

·  النظام السوري مستبد على غرار ما كان عليه نظام صدام حسين: ينتهك حقوق شعبه، ويهدد الأمن القومي الأمريكي ومعه الامن القومي الاسرائيلي.

·  سوريا متهمة بقتل عمر الحريري واحتلال لبنان، وعرقلة الاستحقاقات الديمقراطية بين الطوائف اللبنانية.

النقاط اعلاه ـ حسب اعتقادي المتواضع ـ ستكون حيثيات مشروع قرار ستطالب امريكا "مجلس الامن" استصداره لمنحها الحق لشن حرب على سوريا، لكن مجلس الامن، ومن منطلق الالتزام بلوائحه الداخلية، سيمنح سوريا فرصة خيرة مدتها ستة اشهر ـ هذا في افضل الاحوال ـ لترتيب اوراقها والاستجابة لقرار مجلس الامن الذي اصلا لا يتضمن مطالبا محددة يتعين على سوريا تنفيذها لتفادي تبعات رفض ذلك القرار!

وفي هذا الاثناء ستبدأ عجلة آلة فبركة "الادلة" دورانها، وسيمهد صقور البيت الأبيض ساحة المعركة بجملة من "الاكاذيب" لن يبذلوا جهدا لإخفاء معالمها، ولن يفوتوا الفرصة في اضفاء مبررات أخلاقية على قرار شن الحرب على سوريا مؤكدين أنها مشروعة وضرورة أملتها قيم ومبادئ جديدة يتبناها رجل من نوع آخر من رؤوسا الولايات المتحدة.. رجل أخذ على عاتقه تصفية الحكام المستبدين في العالم الثالث بدأ بصدام حسين وذلك لما يشكلوه من تهديد على "الانسانية" ومبادئ الحرية والديمقراطية في العالم أجمع!

أما وقد تابعنا فيلم "عاصفة الصحراء"، و"درع الصحراء"، وشاهدنا كيف أريقت دماء عرب ومسلمين مثلنا واستبيح تراب ارضهم ودكت منازلهم على رؤوسهم ونهب ماضيهم وحاضرهم، فإننا موعودون هذه المرة بفيلم قد لا يختلف كثيرا عن ما تابعناه بشغف أو ذهول كما يفعل الاطفال مع الـ"أتاري" ان لم يكن اكثر اثارة وأكثر دموية.. لاسيما ان الصواريخ والطائرات ستنطلق هذه المرة من جهة الجنوب، وستكون محملة بإرث غزير من الحقد والكراهية.. تحقيقا لأمنية الحاخام "عوفاديا يوسف"، الذي دعى يوما الى ابادة العرب عن بكرة ابيهم!

 ولأننا ارتضينا لأنفسنا، حكاما ومحكومين، دور المتلقي.. المتفرج، فانه ليس  أمامنا سوى الانتظار حتى نهاية العرض، ليسأل أحدنا الآخر أو يسأل نفسه اذا لم يجد من يسأله: "ومن بعد؟!".

* تنويه

كانت اميركا قد أعلنت على لسان وزير خارجيتها السابق كولن باول، قبل حربها على العراق بأيام، عن مبادرة مشبوهة أطلقت عليها اسما مشبوها هو الآخر "الشراكة الاميركية الشرق أوسطية"، فقد بشر الوزير باول في خضم جعجعة السلاح الذي كان يتدفق من كل حدب وصوب استعداد لغزو العراق بهذه المبادرة وخصص لها 29 مليون دولار، وهذا مبلغ يقل عن ثمن طائرة واحدة من تلك التي سقطت في العراق.. سواء بنار صديقة أو ببندقية الفلاح العراقي منقاش.

هدف هذه المبادرة المعلن هو تعزيز الممارسات الديمقراطية في الوطن العربي من خلال إيجاد بيئة مناسبة تستهدف توعية الشعوب وتحرضها على المطالبة بالمشاركة السياسية عبر آليات ديمقراطية مشابهه لما يتمتع به الغرب وليس الاكتفاء بالنموذج المحلي المتمثل في مجالس الأمة والشورى سواء تلك التي يتم تعيين أعضائها أو انتخابهم.

وإذا بنا نكتشف، بعد فوات الأوان طبعا، أن تلك المبادرة التي صفقنا لها بحماس شديد، لم تكن سوى كذبة أخرى لم تدمْ طويلا، فقد دُفنت تحت أنقاض منازل بغداد إلى جوار المائة ألف عراقي الذين سوت بهم قنابل أمريكا "الذكية" الأرض، ومنذئذ صمت الجميع ولم يعد احد يتحدث عن "دمقرطة" العرب غير ما ابداه، "كولين باول" مؤخرا من أسف عن اشتراكه في "جوقة" المبشرين بجنة "الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان". ويبدو أن الـ"مسكين" خدع مثلنا، ولعل ما وقع عليه أشد، اذ اعترف أن اتهاماته للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، وهو العذر الرئيس الذي قتلت أمريكا بسببه من اطفال العراق سواء كان ذلك أثناء حصار "التجويع" أو خلال الغزو ما لم تفعله قنابلتها الذرية بأطفال هوريشيما، «سيظل نقطة سوداء في تاريخه».