أمريكا اللاتينية.. لم تعد الحديقة الخلفية

الرجال مواقف.. و«سالفادور الليندي» كان رجلاً، ومن الطراز الأول من الرجال! فحين دبرت له الـ «سي.آي.إيه» ومعها شركات النحاس التشيلية انقلاباً قاده الجنرال أوغستو بينوشيه للإطاحة به.

ـ وهو الرئيس المنتخب ديمقراطياً من قبل الشعب ـ ظل الليندي يقاوم القوات التي اقتحمت قصر الرئاسة عنوة حتى آخر رصاصة في بندقيته، فمات وهو يمسك البندقية بيد والميكرفون بيده الأخرى!

«سوف أدفع حياتي دفاعاً عن المبادئ التي أتت بي إلى هذا المكان.. التاريخ لن يتوقف عند الليندي، ربما سيسحقوننا، لكن المستقبل سوف يكون ملكاً للشعب.. فلتعلموا أنني لن أستسلم وسأقاوم وسأدفع حياتي ثمناً لولائي للشعب بصفتي رئيساً أتحمل واجب ما أنا مكلف به.

وأنا متأكد من أن البذرة التي ارتوت بدم شعب تشيلي لن تموت. عاشت تشيلي، وعاش الشعب...» هذا بعض ما جاء في آخر خطاب له وهو يودع شعبه عبر الإذاعة من مكتبه قبل أن تقصف الطائرات برج الإرسال ومكتبه في قصر الرئاسة.

حدث ذلك عام 1973، واليوم يعود الليندي كما وعد إلى قصر الرئاسة الذي مات تحت أنقاضه، بفوز الاشتراكية ميشال باشيليه في الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً، لتكون بذلك أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ تشيلي.. ولعلها البذرة التي تنبأ بها الليندي قبل أن يسقط برصاص الانقلابيين.

لا سيما أنها ناشطة سياسية منذ صغرها وقد سُجنت وتعرضت للتعذيب والإبعاد في عهد الديكتاتور.. تدخل باشيليه قصر الرئاسة في الوقت الذي يحاكم فيه أوغست بينوشيه وهو في أرذل العمر بتهم لا حصر لها.. ليس أقلها ارتكاب جرائم ضد الإنسانية إبان فترة حكمه التي دامت 17 عاماً.

وبفوز باشيليه يتعزز المد الاشتراكي الجديد في أميركا اللاتينية، ويواصل اليسار في بلدان القارة تسجيل الانتصارات واحداً تلو الآخر، وهي التي كانت تعتبر، حتى وقت قريب، الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية.

فالإدارات الأميركية المتعاقبة على البيت الأبيض نجحت طوال النصف الثاني من القرن الماضي في عزل الرئيس الكوبي فيدل كاسترو عن محيطه اللاتيني.

وإن فشلت محاولاتها الكثيرة لإزالته رغم أن المسافة التي تفصل الجزيرة «المتمردة» عن شواطئ ولاية فلوريدا لا تتجاوز المئة ميل! وظل كاسترو وطوال هذه الفترة كـ «عظمة في الحلق».

 

متاعب أميركا مع جاراتها الجنوبية بدأت مع نيكاراغوا وبالتحديد في الثمانينات من القرن الماضي حين نجحت حركة الـ «ساندينيستا» في الوصول إلى سدة الحكم.

ورغم أن أميركا تمكنت من ممارسة شتى أنواع الضغط ـ عسكرياً واقتصادياً ـ وأطاحت بزعيمها دانييل أورتيغا، إلا أنها فشلت في إبعاده عن الواجهة السياسية في بلاده، وظل الرجل يمارس الفعل الديمقراطي للعودة بـ «نيكاراغوا» إلى جادة اليسار.

ومع بروز توجه يساري جديد في القارة، فمن المؤكد أن حظوظ أورتيغا في الفوز بانتخابات نوفمبر 2006 أكبر مما كانت عليه في الانتخابات الثلاثة الماضية التي خسرها حيث تشير التوقعات والاستطلاعات إلى عودة حزب «ساندانيستا» سواء بزعامة أورتيغا أو غيره من زعماء الحركة إلى سدة الحكم في الانتخابات المقبلة.

وشكل انتخاب هوغو شافيز في فنزويلا محنة حقيقية للأميركيين، لا لأن فنزويلا كانت أقوى حلفاء أميركا في القارة وأهم شركائها الاقتصاديين، وإنما أعاد هذا الرجل إلى الأذهان صورة القائد الفنزويلي التاريخي سيمون دي بوليفار الذي تعتبره شعوب القارة اللاتينية المحرر الذي أشعل جذوة حروب التحرير والثورات التي اجتاحت معظم دول القارة مع بداية القرن التاسع عشر.

فلقد استطاع شافيز بشخصيته الـ «ساحرة» وخطاباته اللاذعة الارتجالية كسب قلوب مواطني القارة اللاتينية وتحريض شعوبها على التمرد وكسر طوق «التبعية»®. لا سيما شعوب دول أميركا الوسطى.

وتعززت مكانته أكثر فأكثر حين أعاده شعبه إلى قصر الرئاسة في غضون ثلاثة أيام بعد انقلاب أطاح به لفترة قصيرة عام 2002، واتهمت بتدبيره عناصر من السفارة الأميركية مع عدد من جنرالات الجيش خاصة ان الولايات المتحدة لم تدن ما جرى كعادتها تجاه الانقلابات العسكرية.

ويبدو أن إدارة البيت الأبيض موعودة برؤساء مشاكسين آخرين في أميركا الجنوبية، فقد انتخب البوليفيون اشتراكياً آخر وهو إيفو موراليس، الذي لم يخف إعجابه بالرئيس الكوبي فيدل كاسترو، فكانت هافانا وجهة أول زيارة له إلى الخارج.

وبانضمام حزبي «باشيليه» و«موراليس» إلى قائمة الأحزاب الحاكمة في أميركا الجنوبية، أصبحت أحزاب اليسار الديمقراطي تقود ما يقارب الثلاثة أرباع أميركا الجنوبية سكاناً ومساحة:

البرازيل والأرجنتين والأوروجواي والإكوادور وتشيلي وبوليفيا. وإذا ما صدقت استطلاعات الآراء، فإن فوز المرشح اليساري للرئاسة في المكسيك يمثل هزيمة أخرى.

ومن النوع الثقيل، لسياسة فريق «الصقور» أو المحافظين الجدد في إدارة بوش، ويؤكد عمق فشل سياستهم تجاه دول أميركا اللاتينية. لا سيما أن المكسيك ظلت دائماً تمثل جسر العبور الرئيسي للولايات المتحدة نحو الجنوب!

فرؤية صنَّاع القرار المحيط بالرئيس بوش، كالعهد بهم دائماً، لا تتعدى أطراف أنوفهم إذ ان أميركا اللاتينية اليوم غير ما كانت عليه قبل عقدين من الزمن، ولم تعد دولها مجرد أسماء في قائمة التبّع.. يقودها جنرالات جيش يأتمرون بأمر الملحقين العسكريين في السفارات الأميركية.

ولعل أهم ما يعانيه غلاة التطرف اليميني الأميركي هو صلف نظرتهم إلى الآخرين، وهوسهم بفرض الـ «أنا» الأميركية بكل أشكالها.. معززة بقوة السلاح والاقتصاد والتكنولوجيا ومن دون مراعاة لـ «أنا» الآخرين وحقهم في الدفاع عنها.

وهذا ما عبّر عنه الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في أحد أهم مظاهر تمرد القارة الجنوبية على القوة العظمى عندما أعلن خلال قمة الأميركتين في الأرجنتين عن عزمه دفن المشروع الأميركي لإقامة «منطقة التبادل الحر في القارة الأميركية»، وواصل شافيز تحديه حين دعا إلى تعزيز التعاون الإقليمي بين دول أميركا الجنوبية من دون مشاركة أميركية!

ثمّة يسار جديد في أميركا اللاتينية، يسار آخر غير ما سار عليه كاسترو طوال خمسين عاماً.. يسار ينأى بنفسه عن فكر «التشنج» والعداء السافر لكل ما هو رأسمالي، ولكنه لا يحاول «أيديولوجيا» الأخذ بالنموذج الكوبي.. فهو ديمقراطي يولي الجوانب الاجتماعية أهمية تتجاوز الفكر الـ «أيديولوجي» لليسار التقليدي.

ويسعى إلى التعامل مع الولايات المتحدة بلغة «المصالح الاقتصادية». فرغم خلافات شافيز العديدة مع إدارة البيت الأبيض، إلا أن فنزويلا ما زالت تضخ النفط إلى الولايات المتحدة بكميات تجعلها في قائمة المصدِّرين الرئيسيين للطاقة.