شهادةٌ على تجربةِ الكتابةِ

كثير ما سئلت عن تجربتي في الكتابة، وفي ذلك أجدُ في الحديثِ عن تَجْرِبَةًِ الكتابةِ حرجاً. ومن دون ميلٍ لِتواضعٍ لا مكانَ له، ليس بوسعي التعبيرَ عن شكلٍ محددٍ لملامحِ تَجْرِبَتي الأدبية، ولا استطيعُ بما أنجزتُهُ حتى الآن، وهذا ليس تقليلا من شأنِ ما كتبتْ، أن اُحددَ النوعَ الأدبيْ الذي أجدُ نفسي فيه.

وإذا كان لا بدَ من الحديثِ عن تجربةِ الكتابةِ، فأنا أفضِّلُ أولا الحديثَ عن تَجْرِبَةِ القراءةِ.. الأكثرُ أهميةً والأكثرُ إثارةً.

***

ولدتُ في قريةٍ صغيرةٍ تدعى "وادي المر" على تخومِ رمالِ الشرقيةِ في عمان، وقد ارتبطت بداياتُ تعليمي بمُعلمةِ القرآنِ شمسةَ، وشجرةِ غافٍ ظليلةٍ، وكُثبانِ رمالٍ مفتوحةِ الأبعادِ. ويمكنني القولَ إني لم أرَ كتابا ولا قرأتُ كلمةً غيرَ المصحفِ الشريفِ حتى بلغت العاشرةَ من العمرِ تقريبا.

وإن لم أتعلمِ القراءةَ والكتابةَ في "وادي المر"، إلا أنَّ الصحراءَ علمتني أنَّ الحياةَ تُؤخذُ ولا تُعطى، وأنّ من لا قبيلةَ لهُ لا حياةَ لهُ! فليس ثَمَةََ متسع في حياةِ البدوِ للـ"أنا" وإنما "نحن.. القبيلةَ" سرُّ بقاءِ الفردِ وطوقُ نجاتِهِ.

وعندما انتقلت أسرتي إلى مدينةِ صور، وعلى غرارِ غيرِه من جَوَّابي البحارِ الذين يَعْتَقدونَ أنَّ سُفنَ الماءِ تصنعُ الرجالَ وتقرِّبُ الأرحامَ، قررَ والدي اصطحابي معه على ظهرِ سفينةِ العائلةِ الملقبةِ بـ»صوتُ العربِ«، والتي كانت تجوبُ بحرَ العربِ من البصرةِ شمالا إلى عدنَ جنوبا، وذلك لاكتسابِ بعضِ مهاراتِ الإبحارِ، والتعرفِ عن كثبٍ على البحر. وعلى سطحِ »صوتُ العربِ« واصلتُ تعلُّمَ القراءةِ، وبدأتُ تعلُّمَ الكتابةِ ومبادئِ الحسابِ.

وبعد تلك الرحلة تابعت دراستي الاساسية متنقلا بين دول الخليج العربي: صور، مسقط، الخبر، الكويت، أبو ظبي، الكويت مرة ثانية، والدوحة. وانهيت دراستي الجامعية من الولايات المتحدة الامريكية!

***

تجربة الكتابة

عشرون عاما.. حاولت خلالها أن أكون مُتَرْجِماً جَيِّداً، بعد أن وجدت نفسي مجبرا على الجلوس وسطَ كومة من القواميس المعاجم والمراجع اللُغَوِيَّة.. وظيفة لم تخطر لي على بال حين اخترتُ الهندسة تخصصا للدراسة ومن ثَم مجالاً للعمل.. لاسيّما أني لم أكنْ على وفاقِ مع اللُغتين خلال دراستي الأساسية!

وعبر سعيي المُسْتَمر لتحسين أدائي مترجما بالقراءة المتنوعة والاطلاع على نصوص مترجمة، اكتسبتُ بطريقة أو أخرى بَعْضَ أدوات الكتابة. كان هدفي أن أكون مُتَرْجِماً جَيِّداً، وإذا بي أغدو قاصاً، وأظلُّ كما كنت مُتَرْجِما متواضع الحال.   

لا افشي سرا، ولا أخجل من الاعتراف بأني دخلت عالمَ الأدب متأخراً جداً، ودخلته بالمصادفة ومن باب الـ"الهلوسة". إذ لم أكْتُب شيئا قبل "مذاق الصبر" أو قل كتبت أعمالا لا تذكر.. ومن بينها قصة قصيرة بعنوان "هلوسة في يوم غائم". هذه القصة لم تكن سِوَى هلوسة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى! وشاركت بها في مسابقة سنوية سنوية للقصة القصيرة على مستوى عمان، وإذا بالهلوسة تفوز بالمركز الأول!

حديثي التالي سيتطرق إلى الأشكال الأدبية التي كتبت فيها نصوصا طويلة، وهي: السيرة الذاتية ممثلةً بـ "مذاق الصبر"، ، والرواية الصرفة كما في "حز القيد"، والسيرة الروائية كما في "بين الصحراء والماء".

***

مذاق الصبر.. سيرة الذات والمكان

لم يأتِ البوح في "مذاق الصبر" بعد عشرين عاما من الصمت تماهيا بالذات وتعزيزاً للأنا، وإنما كانت غايتي إطلاع الآخرين على ماذا يعني أن يجد الإنسان نفسه "فجأة وقد فقد الإحساس في أجزاء كثيرة من جسده، وأن لا يقوى حتى على حك أنفه".

كانت غايتي تقديم تجربتي كما عشتُها بتجلياتها المختلفة: بما فيها من لحظات ألم وحزن، ضعفٍ وخوف، وحلم وأمل بغض النظر عن نوعية اللغة ورنين الكلمات.

يمكن التأكيد على أني عندما قررت خوض غمار تجربتي الأولى للكتابة الطويلة، لم أكن أملك تصوراً واضحاً عن هذا النوع من الكتابة (السيرة والرواية)، لذلك لم أكن معنيا كثيرا بالشكل قدر عنايتي بالمضمون.

السيرة الذاتية وإن كانت تنتمي إلى جنس الرواية نفسِهِ، كما هو معلوم، غير أنها تختلفُ عنها في جوانب كثيرة. ولعل أهم أوجه الاختلاف هو أنها تقوم على الصدق ومتعتُها تكمن في البوح المباشر للكتاب.

لقد كان الاقدامُ على كتابة تَجرُبَةٍ شخصية ذات خصوصية شـديدة.. أي كتابة سـيرة تجربة حياتية في بيئة مثقـلة بأعراف وتقاليد اجتماعية لا تبيح الحديث عن النفس وكشف الأنا للآخر على هذا النحو.. مخاطرة لم أحسب لها حساب!

فقد توقفت كثيرا وطويلا أمام بعض جوانب التجربة التي لم يكن من السهل تناولُها من دون النظر إلى مواقف من كانوا أطرافا فيها. وقررت أن اكتب عن نفسي.. أقول الصدقَ الذي يعنيني ولا يعني غيري.

وعلى الرغم من أن بعض من قرأ الكتاب أو نقده يَعزو كتابته إلى الحاجة التي أفرزتها المعاناة الدائمة مع الإعاقة، إلا أن كتابة "مذاق الصبر" وما قبلَها وبعدها من محاولات للكتابة لم تكن ـ بالنسبة لي ـ تعويضا عن قصور أصاب جسدي، فأنا لست مسكونا بهاجس إثبات الذات للآخرين وبالتالي البحث عن بدائل تعوض ما أفتقرُ اليه.

***

"حز القيد".. رواية

"حز القيد".. وهي رواية ويقال إن الرواية الناجحة هي التي تصنع كائنات من الكلمات في فضاء مُتَخَيَّل وترسمُها في وجدان القارئ بحيث تبدو أشبه بالحقيقة.

تدور أحداث رواية "حز القيد" داخل سجن يقع في أطراف صحراء نائية يطلق عليه اسم "مراغة البعير الأجرب"، وداخل هذا السجن يؤخذ بطل الرواية "علي الناصر"، الذي وجد نفسَهُ وسط هذا المكان بسبب علاقة عابرة ربطته بشخص له علاقة بتنظيم سري.. يؤخذ بجريرة غيره حيث يدور التحقيق حول هذا التنظيم الذي لا يعرفُ عنه أي شيء. ويتعرض هذا الشاب لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بطشا.

وحسبما لمستُ من خلال ردود الأفعال ـ استقطبت جاذبية السرد في هذه الرواية حواس القارئ وحركت عقله ووجدانه ونقلته من دور المتلقي إلى دور المتفاعل، فتألم مع كل ضربة تلقاها علي من مدير السجن، وفرح حين بصق السجين في وجه السجان، وليذرف الدمع تأثراً بما يلاقيه مُعْتَقَلون من ممارسات تعذيب هي الأشد وحشية وقسوة.. مُعْتَقَلون جريمتهم الوحيدة حب الوطن ليس إلا!

في "حز القيد" من الواقع شيء ومن الخيال كثير، وإنّْ كان هذا الخيال أقرب إلى الحقيقة منه إلى أي شيء آخر. فظاهرة سجن "مراغة البعير الأجرب" لا تخلو منها دولة في العالم حتى تلك التي عبرت المحيطات من أجل تعليمنا معني "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان".

ومثلما كان "مذاق الصبر" وسيلتي لتحدي الإعاقة من خلال كشف تداعياتها المختلفة على جوانب كثيرة من حياتي، كانت "حز القيد" محاولةَ قصٍ لم اشتغل عليها بهدف إطلاع  الآخر عليها بِقْدْرِ ما كانت وسيلة لاختبار قُدرتي على كتابة نصٍ طويل.

كتبت في "مذاق الصبر" عن نفسي ومن السهل ان يتدث الانسان عن نفسه بغض النظر عن صدق ما يرويه، بيد أن اختلاق عالم مرجعيَّتُهُ الخيال، ورسم صور شخوصه، وتشكيل ملامحهم بكل أبعادها، مَهَمَّة تستدعي قُدرة على التحليق بالمُخَّيلة في فضاء لا حدود له!

ويبقى أن النص ليس معنيا بتغيير الأوضاع أو المُطالَبة بتغييرها، ولن يجد القارئ فيه حلولا سحرية لكل المصائب، وقد لا يجد فيه إجابات لأسئلة أو تَسَاؤلات طُرحت أثناء السرد. ولا يجهز نهايات مرضية. "حز القيد" كالحياة نفسِها مليئة بالنهايات المفتوحة، وكل الاحتمالات والمفارقات واردة!

ومما لا شك فيه أنني استمعت بكتابة "حز القيد" رغم معاناة الكتابة.. وكنت أشعر بمتعة عظيمة وأنا اصنع الأحداث بالكلمات وارسم الشخصيات، وبالكلمات أيضا أشكل ملامح حياتهم بابعادها كافة!

وعندما أنهيت مراجعة المخطوطة لآخر مرة، وتأكدت أني لا استطيع إضافة جديد عليها، شعرت كأني فقدت ابناً قرر بعد أن اشتد عوده، شق طريقه في الحياة بنفسه بعيدا عن رعاية الأب ووصايته، وتعزز ذلك الشعور أكثر عندما سلمت المخطوطة لدار النشر.

* * *

 "بين الصحراء والماء".. سيرة روائية

"بين الصحراء والماء".. شكل آخر للسرد.. لا هو بيان بسيرة الذات ولا هو خيالي صرف.. إنه شيء من هذا وذالك.. فضاء يجمع ما بين الحقيقة، أي الذاتي، والخيال، أي الرواية، ويصهرهما في بوتقة واحدة.

يستعرض هذا الكتاب في الجزء الأول منه؛ ومن خلال عين صبي يبدأ خطواته الأولى خارج سياج منزل الأسرة؛ الكثير من مفردات حياة البادية العمانية وتقاليد البدو وأعرافهم وأساليب حياتهم: الشعر الشعبي، والرقص الفلكلوري، وغناء النساء والسهر ليلا تحت فوانيس النجوم، وغناء الحُداة المنبثقين من الرمال وهم على ظهور إِبِلِهِم، وقصص الجدة عن جدها "الظفري" شيخ القبيلة، والحكايات التي تتناقلها الألسن من جيل إلى آخر عن الجن والسحرة والمُغيَّبين.

ويكشف لنا الراوي؛ ومن خلال رصد الحياة اليومية لأهل قريته الصغيرة "وادي المر"؛ معاناة سكان الصحراء وصراعهم الأزلي من اجل البقاء في واحدة من أكثر بيئات العالم قسوة وخشونة، حسب وصفه لها: "مفازة مجنونة برمالها المتحركة وسباخها الخادعة وسهولها الجرداء، وبطقسها القاسي: لهيب في النهار وزمهرير في الليل".

من الصحراء ينتقل الراوي إلى البحر. وهناك تكون المفاجأة بحجم التغيير الذي طرأ على بيئة المكان حيث يجد الصبي نفسه وجه لوجه مع البحر الذي لم يكن يعلم عنه شيء غير ما كان يرويه والده عنه. ومن هناك يبدأ الصبي في استكشاف عناصر المدينة: الانسان والمكان. فيتعرف على شخوص السوق وروح المقهى ومجانين المدينة ورموزها.

"بين الصحراء والماء" ليست سيره شخصية وإنما سيرة شعب ووطن رغم التفاصيل الدقيقة التي استعرضتها من خلال عرض حيز من حياة طفولتي وصباي في زمن ما ومكان معروف.

بين "الصحراء والماء" عمل يسجل تحولات المجتمع والآثار التي ظهرت على طبائع الناس وعلاقاتهم، وما اعترى أفكارهم من تغير ومسخ.