بين الصحراء والماء

على تخوم صحراء لا تسكنها إلا الريح والخواء في الأرض والسماء، وفي صبح يوم صيفي قائظ فَتَحْتُ عينيّ على سحابة حزن أطبقت على الناس والمكان، وبين أصوات النحيب والعويل، حزناً على وفاة آخ لم يكمل عامه الخامس، ضاعت صرختي الأولى!

وكأن حرماني من الصرخة التي ينتظرها الأقارب أمام حجرة الوالدة إعلانا بانتهاء مكابدة آلام المخاض وقدوم روح جديدة إلى الدنيا لا يكفي، فقد أعطيت اسما لم يكن من اختيار احد، وإنما فرضته تقاليد البادية وأعراف الصحراء: "عوض"، وهو عرف عند بعض البدو عندما يولد لهم طفل مباشرة بعد وفاة آخر في الأسرة. 

وزيادة في الحرص ثقبتْ أذني اليسرى لوضع حلق فضي قالت جدتي انه يبعد الأرواح الشريرة، في حين ذكرت لي أمي، بعيدا عن مسمع جدتي، أنه دلالة على خصوصية ولادتي!

***

لم يُحرر لي شهادة ميلاد في ذلك اليوم، ولا أعرف بالضبط متى ولدت غير ما جاء في كتابات جدارية في غرفة بالطابق الأول من منزل الأسرة في مدينة "صور". 

كان عمي يدون بالسُّخَام على أحد جدران غرفته المبلطة بالنورة  أهم الأحداث التي تمر بها أسرتنا، ويبدو أن حدث ولادتي كان من الأهمية بالنسبة للأسرة، كما ذكرتُ سابقا، بحيث  سُجل ضمن تلك القائمة!

الحاجة لتحديد تاريخ ميلادي بالتقويم الميلادي لم تطرأ إلا عندما ذهبت لمتابعة دراستي الجامعية في الولايات الأمريكية.. أي بعد نحو 23 سنة من ذلك.

فقد باغتتني موظفة التسجيل، في اول يوم لي بالجامعة، بالسؤال عن تاريخ ميلادي، وهي تكتب بياناتي الشخصية لاستصدار بطاقة جامعية، فأجبتها دون طول تفكير: "الرابع من يوليو".

وهكذا، بمحض المصادفة ليس غير، أصبح لي يوم عيد ميلاد تقام فيه الحفلات وأتلقى بمناسبته هدايا وعزومات وبطاقات تهنئة خلال السنوات الخمس التي أمضيتها هناك.

لم أخطط مسبقا لاختيار هذا اليوم "الرابع" من الشهر ولا اخترت الشهر "السابع" من أشهر السنة عن سابق نية، ولم أكن أعرف شيئا ـ أيضا ـ عن أهميته حتى عندما رفعت الموظفة عينيها عن آلة الطباعة وعلى ثغرها ابتسامة، وهي تقول: Lucky Man!)).. أي "رجل محظوظ".

لماذا أصبحت محظوظا لمجرد أني اخترت يوما من أيام السنة؟ وكان اختيارا عشوائيا أيضا؟! لم أسأل تفاديا للإحراج الذي قد يسببه لي السؤال، ولم أعرف أهمية الرابع من يوليو إلا بعد نحو خمسة أشهر حين أقيم مهرجان ضخم نُظم في الشارع الرئيس بوسط المدينة، والذي اختتم مساء بعرض مبهر للألعاب النارية وذلك في إطار الاحتفالات بعيد الاستقلال الذي صادف في ذلك العام مرور مائتي عام على استقلال أمريكا عن بريطانيا": 4 يوليو عام 1776.

 ولدتُ من أب بحار وأم بدوية، ولاَ غَرْوَ إذ ذلك أن أجد نفسي حين كنت صبيا مشتت الانتماء "بين الصحراء والماء!". فقد كان صبيان وادي المر يلقبونني بـ "راعي بحر" رغم أني ولدت بينهم، وترعرعت معهم وشربت من الماء نفسه، بينما ظل صبيان المدينة لفترة طويلة، بعد انتقالنا إلى صور، يلقبوني بـ"البدوي".

***

لم أبلغ الخامسة من العمر بعد، حين شعرت برغبة ملحة في المغامرة" خارج محيط البيت. كان غناء النساء وأصواتهن وهن يرقصن على قرع طبلي الكاسر والرحماني »الحمبورة« ليلا، والصور التي استشف ملامحها من حديث أهلي عن ما كان يدور في الصحراء، تثير مخيلتي وتصحو فيّ اهتمامات غريزية لاستكشاف عالم الأشياء والناس.. عالم ملأ خيالي بقصص جدتي، لأمي، عن جدها الظفري، وبأصوات حداء البدو المنبثقين من الرمال وهم على ظهور إبلهم يغنون »الطارق« و»التغرود« وينثرون على كل صخرة زهرة!

ولم أبلغ الثامنة من العمر عندما رافقت رعاة الإبل، حيث كنا نمضي أياماً نجوب السهول والكثبان الرملية بحثاً عن أجمة حالفها الحظ إذ ارتوت الأرض تحتها بالغيث اكثر من سواها.

وكان غذاءنا يقتصر على شربة ماء من قربة وما تجود به ناقة والده من الحليب بعد إرضاع صغيرها، وحبات تمر، وبعض ثمار النباتات الصحراوية، أو لحم أرنب بري، أو غزال تاه عن قطيعه فوقع في مرمى بندقية احدنا حتى عودتنا إلى القرية بعد أيام عدة. وهكذا لمست عن تجربة المعاناة والمكابدة التي تعيشها فئة من سكان الوادي، وهو أسلوب من أساليب حياة البادية.

 

النوم تحت فوانيس النجوم

هناك في وادي المر بالبادية العمانية، باشرت قراءة القرآن الكريم في الهواء الطلق تحت ظل شجرة، وتدربت على ركوب الجمال، وتصويب البندقية والضغط على الزناد. وهناك تعلمت غناء التغرود والطارق، وسهرت في ضوء القمر، ونمت تحت فوانيس النجوم.

وهناك عرفت البادية: خصبها وجدبها.. حكاياتها وأساطيرها.. تقاليد أهلها وأساليب حياتهم. وهناك ترعرعت وبلغت مبلغ الرجال قبل أواني، وسكنني الشعور بذنب اقترفته خطأ عندما أصبت كلباً برصاصة طائشة تركته يجر ساقيه حتى عثر على بقاياه بعد بضعة أيام خارج القرية.

هناك.. وفي وادي المر، تعلمت مسؤولية الواجب وحقائق الحياة ولم أكمل العاشرة من العمر بعد.. تجربة حياة كانت في مجملها العنصر الأساسي الذي صاغ وجودي وشكل حياتي. فإتقان مهارات العيش في منطقة من أشد المناطق في العالم قسوة ليس ضرورياً لحياة الفرد وحسب، بل يصوغ بمرور الوقت كيانه وقيمه الاجتماعية، ومن ثم مواقفه وعلاقاته بالآخرين وإخلاصه للجماعة. فليس ثمة متسع في حياة البدو للـ"أنا" وإنما "نحن.. القبيلة".. سر بقاء الفرد وطوق نجاته!

***

بيد أن أشد ما ترسخ في ذاكرتي عن تلك الفترة المبكرة من طفولتي وصباي هي احتفالات الأعراس والأعياد الدينية. كان الناس يرتدون أفضل ثيابهم وزينتهم وحليهم: فالرجال يلبسون الخناجر ويتشحون بأحزمة الرصاص ويحملون البنادق والسيوف، وتتزين النساء بأفضل حليهن من الذهب والفضة ويتبرجن ويدهن شعورهن بأطيب المعاجين العطرية، ويخضبن أياديهن وارجلهن بالحنا على شكل تصاميم وأشكال جميلة تبهر النظر وتزيد الجميلات منهن جمالاً.

وسوف يمضي ردح من الزمن على مشاهد الأفراح تلك بأصوات الغناء المرتفعة، وقرع الطبول، وصليل السيوف، وخشخشة حلي النساء، ومنظر الرازحين ولمعان سيوفهم، وسباق الهجن، والأطفال بملابسهم الزاهية، والنساء الجميلات، وأريج العطور الممتزجة في الهواء بروائح الطعام النفاذة دون أن تبرح هذه المشاهد ذاكرتي.. إنها ذكريات ماض عبقه لا يزول من الذاكرة.

لقد اتسمت تلك الفترة من صباي بزخم أحداثها وطبيعة الأماكن التي عشت فيها، وتركت في نفسي تقديرا كبيرا للإنسان والمكان..  للبدو والبادية والصحراء.. لقد سُكنت بحب ذلك المكان وتاريخه، وتقاليد أهله وأساطيرهم وأسلوب حياتهم.

هذه هي قريتي الصغيرة: "وادي المر".. الإنسان والمكان.. قطعة من الصحراء العربية بكل تباينها.. صحراء الأحلام الرومانسية والكتب، والأفلام.. صحراء ـ رغم المكابدة وشظف العيش ـ تجد فيها النفس البشرية التواقة الى الانطلاق حرية غير منقوصة واستقلالية لا تخضع لحاجة!

 

وأزف الرحيل..

كان لابد من ترك الصحراء نحو الماء، إذ قرر والدي أن الوقت حان للعودة بأسرته إلى مدينة صور الساحلية حيث يعيش أهله وأسرته الكبيرة. كالمنتظر لليلية القدر، وقع عليّ الخبر! يا الله.. أي فرحة شعرت بها وأنا اسمع والدي يؤكد لي الخبر كأني لم أصدق ما قالته والدتي.

كيف لا! ولطالما رسمت للمدينة صورا خيالية في رأسي، ولطالما صنعت للمخلوقات التي اسمع عنها اجسادا وارواحا سكنتني منذ ان سمعت والدي يروي بعض من جوانب حياة اهله واسفارهم الكثيرة الى اماكن قصية من افريقيا وجنوب الهند وشرقها!

كيف لا! وقد متلأت روحي منذ الصغر بأساطير العلاقة الأزلية بين إنسان المدينة وهذا المخلوق الجبار الذي يحتويها بخوره الفعواني من الجهات الأربع.

كان السهر في مرمس الرجال، حين يأتي أبي الى القرية للاقامة بيننا بعد توقف موسم الابحار الى جنوب الجزيرة العربية وشرق افريقيا والهند بسبب الرياح الموسمية، يطول على غير العادة، ويستمر احيانا الى وقت متاخر من الليل. فقد كان والدي يحظى باحترام أهل الوادي وكانوا يجدون في حديثه الكثير من المتعة والفائدة.. لاسيما أن حياة سكان المدن الساحلية وخاصة اولائك المشتغلين بالتجارة البحرية والسفر الى أماكن بعيدة لا يعرفون عنها شيئا.. ولربما لم يسمعوا بها أبدا!  

وكان يغلب على حديث والدي الاشادة بدور الصورين وفضلهم في عالم الملاحة العربية وخاصة في الجزيرة العربية، حيث تمتعوا عبر التاريخ بخبرات واسعة في فن التعامل مع البحر، وتكونت لديهم ـ بمرور السنوات وتنوع التجارب ـ معارف ثرية بفنون الملاحة وعبور البحار العالية.

كان البدو يجلسون وهم يصغون إليه بانتباه شديد وكأنهم أطفلا تحلقوا حول عجوز تروي لهم حكايات خيالية وأساطير أو ما يطلق عليها محليا بـ"خراريف من زمان":، لكنهم لا يكفون عن مقاطعته والاستفسار عن مفردات لم تألفها أذانهم، أو جوانب يصعب عليهم بحكم بيئتهم تخيلها.

***

كان علىّ الاستعداد لمواجهة حياة جديدة وتحديات من نوع آخر وأساليب حياة مغايرة لا أعلم شيئا بشأنها.

 وذات فجر صحراوي ندي، وعلى جَعْجَعَةَ الجمال ورغَائها، استيقظت القرية ودب النشاط في أوصال ساكنيها، وسرت حركة غير مألوفة في ذلك الوقت المبكر من اليوم. وتردد دعاء "يا فتاح يا عليم" من كل بيت قبل موعده المعتاد: هكذا كان الوادي يستقبل يومه!

 جاء كل يحمل حيلته: مسن لا يقوي على المشي، وكفيف تقوده عصاه، وشباب تهتز الرمال تحت أقدامهم وفتيات يمشين الهوينة ونساء يعرفن أن حاجة أمي النفسية لهن الآن أكثر من أي وقت مضى. كل بيت في الوادي بعث بمن يمثله في القيام بالواجب ومساعدة أهلي في تجهيز الأمتعة والمقتنيات وربطها على ظهور جمال القافلة التي ستقلنا إلى صور. كان صبحا مَغْمُوماً لا كغيره من صباحات تلك القرية الهاربة عن صخب الحياة العصرية، الهاجعة في أحضان الرمال على أطراف الصحراء العربية وتخوم فيافيها.

 

المـاء

بعد رحلت استغرقت يوما، وعند مصب وادي شياع على الساحل الممتد بين مدينة صور ورأس الحد، حيث يلتقي بحر العرب وخليج عمان، قرر والدي التوقف للمبيت حيث يتميز ذلك الشاطئ بنعومة رماله وبياضها الشديد ونظافتها المفرطة.

استيقضت على صوت المكاري وهو يرفع أذان الفجر، وإن تأخر كثيرا عن موعده.. نهضت من النوم مذهولا من اتساع البحر وبعد أفقه. كنت أظن أن الصحراء فقط لا حدود لها، لكن بدا لي في لحظات الادهاش تلك أن لا شيء أوسع من البحر ولا شيء أكثر إثارة منه!

 كان الهواء منعشا.. كان صباحا رطبا وأكثر هدوءً: لا كلب ينبح، ولا ثغاء ماعز او رُغاء ناقة حلوب.. وإن كان للبحر ثغاؤه الرتيب كلما تكسرت الأمواج وألقت بزبدها على شفة الرمال الناعمة.. صباحاً آخر على غير ما اعتدنا عليه في وادي المر!

بقيت واقفاً انظر إليه مذهولا من اتساع مساحة البحر وامتداده الى حيث يلتقي بالسماء، وسرت نحوه على عجل. وحيث يعناق البحرُ اليابسة، جلست على ركبتي وطبعتُ كفيّ على التراب الرطب.. أمضيت دقائق وأنا أضغط بيديّ بكل قوتي وكأني أسجل حضوري.. علاقتي بتاريخ أهلي البحري قبل أن أقفز إلى الخلف مبتعدا عن شفة الموج وهي تسح زبدها على وجه الرمل!

***

بعد مضي ثلاث سنوات على ذلك الصباح حين وقفت أتأمل الشمس بعينين مفتوحتين على وسعهما وهي تبزغ من بحر العرب، عرفت من مدرس مادة "الاجتماعيات" حين قال لتلاميذ الصف الرابع الابتدائي في مدرسة المرقاب الابتدائية بدولة الكويت هو يسحب إصبعي إلى اليمين قليلا إثر طول بحث عن موقع مدينة "صور" بعد أن حددت موقع عمان على خارطة الوطن العربي المعلقة على أحد جدران الفصل: "إنها أول أرض عربية تطلع عليها الشمس". فتذكرت ذلك اللقاء الصباحي المدهش حين وقفت أتأمل البحر، وتساءلت في سري: "من يدري؟ لعلي كنت أول صبي عربي تبسط الشمس ضفيرتها الذهبية على صفحة خده ذلك الصباح!"، وعرفت من المدرس أيضا أني كنت أقف على مرمى حجر من أكثر خطوط الملاحة أهمية حيث تمر فيه أكثر من نصف صادرات العالم من النفط!

 كان الصباح صامتا، وكانت الشمس تفتح عيون الإبل والدروب على ثغاء الموج وهو يؤدي فروض الواجب الأمنا الأرض، تحركت القافلة بالرتابة نفسها التي قطعت خلالها المسافة بين الرمال والبحر.

 

العبور غربا

دخول إلى المدينة من جهة الشرق، حيث تقع  "العيجة"، يمر عبر بوابة كبيرة في وسط سور عال من الاحجار والطين.. يمتد شمالاً إلى البحر وجنوبا إلى قمة الجبل المطل على المدينة من الشرق والجنوب. توقفت القافلة خارج البوابة واخذ المكاري يقيس ارتفاع البوابة بعصاه ثم يقارنها بارتفاع اعلى حمولة حتى يتأكد من سلامة مرور القافلة تحت القوس دون إعاقة.

هذه اول صورة تعلق بالذاكرة عن المدينة.. فليس في الوادي منازل من الطين او الاسمنت، وليس ثمة جدران او اسوار تحجب بعض الناس عن بعضهم الآخر!

***

توقفت القافلة عند خيصة العبرة على جانب الضفة الشرقية من خور البطح، وهذا هو آخر مكان تصل اليه القوافل القادمة من الشرق. وهناك جلست على صخرة كبيرة بجانب البحر، أتابع بعين ملؤها الإثارة والانبهار حركة السفن التي كانت تدخل وتخرج من خور البطح، على بعد عشرات الأمتار فقط.

 إلى جانب رصيف الرمال بالمرفأ  في الضفة الغربية من الخور، اصطفت السفن التجارية الكبيرة لتفرغ حمولتها، وكانت قوافل الجمال تنتظر على بعد بضعة أمتار لنقل حمولتها من المواد التي تستوردها المدينة إلى مدن وقرى المنطقة الشرقية.

 خلف ذلك الممر المائي المزدحم، تجلت المدينة القديمة، المعروفة باسم أم قريمتين أمام نظري وأنا أعتلي صخرة العَبْرة في الضفة الشرقية من الخور في أبهى صورة. بدت، بمنازلها البيضاء وخورها ألأفعواني، وخلفها اصطفت سلسلة جبال الحجر الشرقي كصدفَة تحتضن لؤلؤة ذات جمال أخاذ وبريق يخطف الأبصار.

 وعندما توسط القارب الذي أقلنا الى الضفة الغربية المسافة بين الضفتين، وحين رفعت رأسي والتفت إلى اليمين، رأيت البحر أمامي منبسطاً إلى حد البصر.. رحيبا من كل الجهات، وكان يعج بعشرات السفن والقوارب.. ألقت الكبيرة منها مراسيها وطوت أشرعتها وقد أتعبها السفر وطول انتظار دورها لدخول الخور. وبدت صواريها من بعيد وكأنها مسلات غرست على سطح الماء، وكانت تناطح أمواج ريح الشمال بلا انقطاع!   

عبور الخور غرباً، على قصر مسافته، شكل لصبي بدوي لم يذق طعم الملح في الماء قط تجربة لا تنسى.. بداية مرحلة عمر مثيرة.. اكتشف خلالها أن البحر ليس أسماكاً ولا سفراً فحسب، وإنما حياة كاملة يؤلف شروطها الماء والإنسان في علاقة أزلية لا تقاس بالزمن وإنما بإصرار البحارة الغامض الذي لا يفتر لترويض هذا الجبار وركوبه كما تركب الدواب!

 ومثلما أثارت منازل المدينة الفخمة ذات الطابقين، التي دُهِنَتْ بمسحوق "النورة"، وأبوابها ونوافذها الخشبية المزخرفة بنقوش بديعة، وأقواسها المبلطة بقوالب من الجص فائقة الجمال، دهشتي وسلبت لبي وأنا أركض خلف الرجال الذين حملوا أمتعة الأسرة على أكتافهم خلال سيرهم الحثيث بين الأزقة الضيقة من خور البطح إلى حارة "مخرمة"، كانت المفاجأة أكبر حين رأيت أمواج البحر تبلل جدران بيتنا.

 وعندما انفتح الباب، كانت المفاجأة أشد من سابقتيها حينما اِسْتَقبَلَنا بالأحضان أكثر عن عشرين شخصا داخل فناء دار لا تتجاوز مساحتها المائة متر.. كانوا جميعهم سكانها!  

خصص لنا سكان البيت "السبلة" أفضل حجر الطابق الأرضي حيث تطل نوافذها مباشرة على البحر.. مما أتاح لنا الاستمتاع بنسيم البحر الرطب أثناء فصل الصيف، إلا أن تلك الإطلالة الهادئة تتحول إذا هاج البحر إلى ملامسة غير مرغوبة حيث تهز أمواجه نوافذ الحجرة ويعبث البحر المتسرب من بين شقوق الخشب بالفراش.

 

سعيا وراء الكلمة

صعبَ عليّ الاندماج مع أولاد الحارة، وهم لم يألفوني أيضا! ظننت أن جفوتهم تعزى إلى هيئتي: دشداشة قصيرة تكاد تعري ركبتيّ حوّل صبغ الـورس بياضها إلى أحمر قاتم، وكيس جلد أتحزمه ليلاً ونهاراً  لحفظ نقود لم تدخله قط، وعمامة أشد وثاقها على رأسي بجديلة صوف تنسدل أطرافها المزينة بسيور الجلد مع خصلات شعر طويلة على كتفيّ، وحلق فضي يتدلى من أذني اليسرى؛ بيد أنه أتضح لي لاحقا، وأنا أسمعهم يكررون على السؤال نفسه "ايش تقول؟" أن لهجتي كانت وراء ذلك الاستقبال الفاتر!

 وحين أردت التقرب منهم، تلمست البحر وسيلة، لكن محاولاتي تعلم السباحة غدت مثار ضحكهم. ولشد ما رغبت، وأنا أكبت وقع سخريتهم مني، أن يعرفوا أني، إذا كنت لا أتقن السباحة ولا أعرف كيف تُصاد اسماك "الحواسين" فإني أجيد ركوب الجمال والضغط على الزناد وصيد الأرانب والغزلان.

***

وبطلب من امي جاء محمد ود عمي سالم ليرافقني إلى السوق:  كالبحر أيضا كان السوق سرا آخر من أسرار المدينة! لا أبي ذكر لي شيئا عنه ولا أمي غير ما سمعته من مبالغات شباب الوادي عندما يعودون من المدينة.

 وعند مدخل سوق المسباخ توقفنا، فانفتحت أمامي ساحة واسعة تغص بالناس على اختلاف أسباب تواجدهم في السوق أو مهنهم: لتبادل المصالح والأخبار، ومرتادي السوق لقتل وقت الفراغ، ودلالون يشهرون بضاعتهم في وجه من يريد ومن لا يريد، وبائعو سمك وسقاة مع حميرهم المحملة بقرب الماء والبرسيم، ونساء يعرضن الحلويات، وحمّالون، وآخرون لم أعرف ماذا يشترون أو يبيعون!

 هناك بدأت رحلة استكشاف عناصر المدينة: الإنسان والمكان، فتعرفت على شخوص السوق، وروح المقهى، ومجانين المدينة ورموزها: الشمروخ.. الفتاة المتمردة، "ود سعادة" السياسي المجنون، وهاشل ذاكرة المدينة، والغربي صاحب التبريزة، الذي يبيع الدخان والريحان، وود مطر شيخ الصيادين، و"الحرف" معلمة القرآن، و"ربّابْ" العاهر الطاهر، ورهيمة بائعة اللقيمات، وعنتر كلب الحارة!

  في السوق الزاخرة بنماذج بشرية متنوعة.. ألوانا وأعراقا وطوائفاً، أخذت أتعرف على علاقات ناسها، وطبيعة تفاعلهم مع بعضهم البعض ومع الغريب.. سواء كان عابر سبيل أو من ينوي الإقامة.. مأخوذا بالطمأنينة والأمان التي يشعر بها من ليس له ظهر يستند عليه في زمن كانت هوية المرء "عشيرته" ومن لا قبيلة له؛ فليبحث له عن قبيلة يستجير بها أو لا يرفع صوته!".

***

كانت أمي تعلم، وإن تفادت الموضوع منذ البداية، أنه سيتعذر ضبطي في مدرسة المعلمة "الحرف" للشدة التي عُرفت بها من جانب، وصعوبة انصياعي لقانون أو سلطة من جانب آخر.. أنا الذي تربيت على الفطرة في بيئة لا حدود لفضائها ولا قوانين تكبل من يعيش فيها. ولعل هذا الاتساع هو الذي صاغ في نفسي التوق الدائم للانطلاق، والخوف من الجدران والحواجز. وغني عن القول أن أسباب الحياة في الصحراء تختلف نواميسها اختلافاً شاسعاً عن قواعد الحياة في المدينة!  

 أثارت المعلمة الحرف في نفسي الرعب قبل أن تثيره مدرستها، فعندما فتحت الباب أطلت عصاها قبل أن يطل وجهها، وحين سحبتُ يدي وجلاً من يد أمي جاء رأسها محشورا بين ضلفتي الباب ليبثَّ الخوف في كامل أوصالي، وتسمَّرت رجلاي في الأرض.

 وعندما استعدت توازني إثر صدمة الخوف الأولى، لم أتوان في إعلان رفضي للمدرسة، فسحبتُ يدي من يد أمي ووليت هاربا من الباب الذي أغفلت المعلمة إيصاده في غمرة "ترحيبها" وفرحتها بالتلميذ  الجديد.

 وتوجتُ رفضي للمدرسة بالهرب من المدينة ومرافقة قافلة اعترضتُ طريقها إلى "وادي المر" بعد ان عرفتهم بنفسي ووجهتي. وقد أخبر صاحب تلك القافلة جدتي، أنه وجدني قبيل غروب الشمس بقرب بحيصة على الطريق إلى الوادي، مبلل الثياب والجسد.

 

صِـخْ لا يِسْمَعِك حَـدْ

 

مثله في ذلك مثل غيره من جَوّابي البحار الذين يعتقدون أن سفن الماء تصنع الرجال وتقرِّب الأرحام مثلما تفعل سفن الصحراء، اصطحبني والدي معه لتعليمي بعض مهارات الإبحار والتعرف عن كثب على البحر، ولم تكن ثمة وسيلة أفضل لخوض تلك التجربة غير ظهر سفينة العائلة "المنتصر" المعروفة بلقب "صوت العرب" كانت تجوب بحر العرب من البصرة في شمال الخليج إلى عدن في جنوب الجزيرة.

 ***

على ظهر "صوت العرب" المبحرة على طول ساحل الجزيرة العربية، واصلت تَعَلُّمْ القراءة والكتابة، وقليلا من مهارة التجارة البحرية حين نقدني والدي بعض المال والمؤن الغذائية وعلمني كيف اشتري السمك المجفف والمملح بالمال حينا ومقايضته بالمواد الغذائية حينا آخر مع سكان قرى وبلدات كثيرة على امتداد الساحل حتى وصلنا إلى المكلا حيث بعت ما لدي من بضاعة بمبلغ زاد أضعافا عمّا بدأت به "تجارتي" من نقود ومواد غذائية!

 لعل أهم ما أتاحت لي تلك الرحلة هو التعرف على والدي عن كثب، واكتشاف جوانب من شخصيته كنت أجهلها. فالقسوة التي رأيتها فيه وأنا طفل لم تكن في الحقيقة غير حرصه على ألاّ نعيش طفولة كطفولته.

 كانت طفولة أبي غير عادية، وكان قدره وقدرنا أن يكون بحاراً.. أن يعيش حياة قاسية ملأى بالمغامرات والتحديات. فقد دخل عالم البحر مبكرا، وبدأ حياته العملية بحارا في سفينة عمه، جدي لأمي، إلا أنه تمكن من شراء سفينة له بعد جمع ما يكفي من مال من تجارة بيع المواد الغذائية أثناء إبحار السفينة التي كان يعمل على ظهرها إلى جنوب الجزيرة وشرق أفريقيا، ثم استطاع بعد بضع سنوات جمع ثروة أتاحت له خوض مغامرة تهريب الذهب إلى الهند في عملية لم تكلل بالنجاح، إذ داهمت دورية هندية السفينة على حين غرة، ولم يتمكن بحارتها من التخلص من الذهب بالطرق المعهودة التي تتيح لهم العودة إليه واستخراجه من قاع البحر.

 ولعل قدره في أن تكون حياته في صباه غير حياة من كانوا في مثل سنه هو الذي أضفى عليه تلك الصرامة والجد في سلوكه وتعامله مع الآخرين. وتجلت لي صورته هذه حينما رافقته في تلك الرحلة. كان يتعامل مع الجميع بطريقة واحدة.. لا فرق بين بحار أجير يعمل تحت أمرته وابن لم يبلغ سن الرشد.

 أحببت أبي، الذي تعرفت على وجهه الآخر في تلك الرحلة، وأحببت صرامته، وتبين لي أنه لم يكن قاسيا كما كنت أظن، وإنما البحر كان؛ والبحار ليس سوى نتاج طبيعي له: معطاء إلى أقصى حدود البذل وقاس إلى أقصى حدود القسوة على نفسه أولاً قبل غيره.. كالبحر: كان سهل المعشر.. وكان مزاجياً ومتقلب الحال أيضا.. صعب المراس إذا غضب، وإذا أمر لا يرضى بكلمة "لا" جوابا.. مغامراً ومندفعاً وفيه شهوة التمرد والانطلاق، وكان رقيق القلب أيضا، فقد رأيت جسده يهتز، ذات مرة، تحت لحافه عندما علم بوفاة أحد أقاربنا.

***

بعد عودتنا من تلك الرحلة التي أخذتنا على ظهر السفينة "صوت العرب" إلى المكلا باليمن، فتح ثلاثة من شباب المدينة مدرسة نظامية حديثة في مدينة صور.

 بدأت المدرسة عامها الدراسي في بيت ملحق بأحد مساجد المدينة. وشكل افتتاحها حدثا استثنائيا.. أثار البهجة والسرور في نفوس سكان المدينة، وتدافعوا لتسجيل أبنائهم، لكن تواضع الإمكانيات وضيق المبنى وشح كتب الدراسة حال من دون تعميم الفائدة على عدد كبير من أبناء المدينة الذين حرموا من فرص التعليم إلا لمن سنحت له الظروف المادية للدراسة في المدرسة السعيدية بمسقط حيث اصبحت، فيما بعد، أحد هؤلاء المحظوظين.

 كان التعليم، في تلك المدرسة، ليس مجرد عملية حفظ وتلقين.. على غرار ما جربته تحت ظل شجرة غاف في وادي المر أو داخل "بخار" المعلمة الحرف؛ فالفائدة التي اكتسبتها من الالتحاق بهذه المدرسة تجاوزت تعلم مبادئ الحساب والكتابة، وإنما ما عززته في داخلي ـ على قصر المدة ـ بأن ثمة دنيا أخرى خارج الصحراء، وأبعد عن حدود المدينة. 

 بدا العالم أكثر اتساعا، وأكثر إثارة.. لاسيما أن المدرسين وفروا لنا العديد من الكتب المصورة.. رأينا بين صفحاتها صور أهرامات الجيزة، وبرج إيفل، وعرفنا من الأستاذ علي أن تاج محل ـ أحد العجائب السبع ـ ليس سوى قبرٍ شيده الإمبراطور شاه جيهان إيفاء بوعد.

 وعلى يد المعلم الفاضل محمد حمد العبد، تعلمنا أن "Head" بالانجليزية تعني الرأس وأن السيارة ـ التي لم نرَ غير صورتها في كتاب المدرسة ـ تُسمى "Car"، وأن "Please" معناها "من فضلك"، وإذا أردت أن تشكر أحدا باللغة الانجليزية فقل له: "Thank you".

***

في العام التالي التحقت بالمدرسة السعيدية في مسقط، وهي مدرسة نظامية متميزة، وكان خريجوها يمثلون المورد البشري لوظائف الدولة، ويحتل عدد كبير من طلابها اليوم مراكز مرموقة في الجهاز الحكومي، وكان معظم مدرسيها من الشام. ومن حسن حظي ان ما تعلمته على ظهر سفينة "صوت العرب" اعطى ثماره؛ فقد التحقت بالصف الثاني ابتدائي مباشرة، بعد ان خضعت لاختبار شفهي في الرياضيات، متجاوزا ثلاث سنوات: التمهيدي الاول والثاني والاول الابتدائي.

 بعد تلك السنة تنقلت بين عدة مدن خليجية بحثا عن فرض افضل للتعليم، وانهيت دراستي الجامعية في امريكا حيث حصلت على شهادة بكلوريس في علوم الهندسة الصناعية.

  

مذاق الصبر

 بعد عودتي الى عمان تزوجت قبل البحث عن عمل، ثم التحقت بشركة تنمية عمان، وتعرضت لحادثة سير اثناء توجهي الى موقع عملي في حقول النفط بالصحراء العمانية اسفر عن اصابتي باعاقة حركية.

 ففي وقت مبكر من صباح يوم ممطر، اتخذت حياتي منعطفا آخر عندما اعترض جملان طريقي على بعد 20 مترا تقريبا من السيارة. كبحت الفرامل والتضرع لله أن تبطئ السيارة سرعتها وتتوقف قبل الاصطدام بكتلتي اللحم الوجلتين وسط الطريق. وعلى غير ما تمنيت، واصلت السيارة الانزلاق نحو الجملين وصدمت أحدهما بقوة رفعته عاليا ليرتطم بسقفها ويهوي بثقله على رأسي.

 وعندما استعدت كامل وعيي في المستشفى، أدركت مدى خطورة إصابتي حين وجدت الجزء العلوي من جسدي داخل شرنقة جبس امتدت ما بين أسفل البطن إلى أعلى العنق، والأنابيب تدخل وتخرج من الجزء السفلي.

 وفجأة فقدت الإحساس في جسدي كله عدا ما فوق الكتفين، واقتصرت قدرتي في الحركة على عيني وفمي وحسب، ولم تكن لي قوة ـ حتى ـ على حك أنفي!

***

تردد عليّ الأطباء خلال الأيام التالية، وأُخضعت مرات عدة لفحوصات مختلفة. وكان الوقت مازال مبكراً، كما قال بعضهم، لتحديد النتائج النهائية التي تترتب على هذا النوع من الإصابات.

 وتشبثت بأمل أن يعود الأطباء غدا أو ربما بعد أسبوع ليزفوا لي نبأ أن إصابتي ليست سيئة كما تبدو! مرت أيام عدة، ولم يأتِ الخبر الذي كنت انتظره، ولعله الوهم الذي كنت أتمناه، وإنما تدافعت عليّ الكوارث والأحزان؛ فقد أظهر التشخيص الطبي النهائي تهتك الحبل الشوكي في العمود الفقري، وأكد الأطباء أن فرص الشفاء في مثل هذه الحالة ضئيلة إن لم تكن معدومة.

***

أن يجد الإنسان نفسه فجأة في حالة من الذهول تتحول إلى حيرة مثخنة بالألم والقسوة، ويرى جسده قد تهالك وتبعثر إلى أشلاء لا حياة فيها، وأحلامه قد تهشمت وما بناه قد تهدم.. أن يشهد موته بنفسه.. أن يكون هو الميت وهو المعزَّى في آن، فمن الطبيعي أن يتناسب رد فعله تجاه هذه الفاجعة بحجم الفاجعة نفسها.

 كان المفترض أن اصرخ.. أرفض وأصاب بالهستيريا غير مصدق لما سمعت ومكذبا الأطباء! نعم.. لم أتصرف على ذلك النحو الذي يعبر عن جسامة مصيبتي، لكن كنت اعرف جل المعرفة مدى النكبة التي حلت بي وكنت أدرك أن الألم والحزن سيلازمانني لفترة طويلة قادمة، وربما طوال حياتي.

***

انقضى شـهر كامل، وكنت خلال الأيام مثبت في سرير خاص.. وغرس في  رأسي مشبك معدني، وشد بثقل يتدلى من وراء السرير، وكان جسدي يحزم بسيور كل ثلاث ساعات ليتسنى قلبي ظهرا على بطن وذلك لتخفيف الضغط على الظهر تفاديا لحدوث قروح سريريه..

 صبري نفد وانتظاري طال.. شهران كنت خلالهما ممددا على ظهري، إما محملقا في سقف الغرفة أو مغمضا عيني محاولا الهرب من واقع لا انفلات منه. ولعل أشد ما كان يعذبني أكثر النظر في وجه فاطمة، ورؤية ابتسامتها الخضراء التي قلما تفارق ثغرها حتى في أشد الأوقات صعوبة، تخبو يوماً بعد آخر، رغم أنها كانت تداري وجعها الداخلي لعلمها أن وجودها إلى جانبي يخفف عني مرارة الألم.

 كنت، ومازلت، أعتبر نفسي من الأشخاص الذين منحهم الله نفسا طويلاً وبالاً واسعاً في التعامل مع الرتابة والروتين سواء كان مصدرهما الناس أم الأشياء والحالات، بيد أن تلك الميزة لم تجد نفعا في حالتي تلك. ويمكن أن أقول أشياء كثيرة عن أحاسيسي ومعاناتي بشقيها النفسي والجسدي وأنا أعيش داخل قشرة صلبة من الجبس تلف الجزء العلوي من جسدي بدءا من أعلى الرقبة حتى أسفل البطن.. أي أن أنام وأصحو وآكل وأشرب داخل شرنقة لا يفصلها حتى الهواء عن جسدي، لكني سأكتفي بالقول إن حياتي طوال تلك المدة كانت سلسلة متواصلة من القسوة، وأن الألم وهشاشة الإحساس بقيمة النفس كانت دوما حاضرة بكافة تجلياتها.

بعد مضي أكثر من شهرين ونصف، قرر الأطباء أن السفر لا يشكل خطرا عليّ، شرط أن أسافر بالجبيرة وعلى نقالة. وكانت الشركة قد رتبت لعلاجي في بريطانيا بمستشفي متخصص في إصابات النخاع الشوكي.

  

قوانين الإعاقة

 كانت الأسابيع الخمسة الأولى من فترة وجودي في مستشفى الـ"بادوكس" هي الأشد معاناة خلال فترة التأهيل التي استمرت لأكثر من تسعة أشهر. فقد اخضع جسدي لبعض اجراءات التاهيل التي كانت تسبب نوبات صداع قاسية. كنت احاول كبح تأثير الألم، لكن مشقة كتم الوجع كانت أشد من الألم نفسه!

 كان الألم يتجمع ببطء.. يتداعى بـوتيرة منتظمة.. مثله في ذلك مثل حيوان ضاري يتربص بفريسته دون ضجة، وفجأة، وفي لمح البصر، يباغتها.. ينقض على الهدف ويفترسه.

***

شكّل الجلوس على الكرسي المتحرك واحد من أصعب المواقف التي واجهتني في بداية فترة التأهل، ولعله كان الأصعب طوال سنوات عديدة من حياتي، فقد وجدت نفسي فجأة في عالم تحكمه قوانين الإعاقة وأنا مازلت أفكر بعقلية الشخص السليم الجسد القادر على الحركة والفعل.

 وكان البدء بتعلم أنشطة تعتبر من بديهيات الحياة اليومية للإنسان.. كالتي يعلمها الآباء لأطفالهم في سنواتهم الأولى، يثير في نفسي الإحباط والتشويش معا، وأحيانا يخلق حالة من الرفض والازدراء للنفس أيضا!

 ولعل أشد ما شعرت بخسارته خلال تلك الفترة المبكرة من تجربتي مع الإصابة ومسيرة التأهيل، وان كان لكل جانب في حياة الإنسان أهمية تتجلى له أكثر أثناء معايشته، القدرة على تصفح الكتب والجرائد والمجلات. أن يقف المرء عاجزا عن قلب صفحة في جريدة أو كتاب يكون قد أنهى قراءتها.. ينتظر من يدخل عليه ليساعده على قلب الصفحة ومتابعة القراءة، لهو إحساس مدمر يصيب المرء في ذاته ويشعره بهشاشة وجوده، ويثير في نفسه سؤالا يظل يتعقبه كلما واجه موقفا مشابها، وهي كثيرة: ما قيمة الحياة؟ وأي معنى لها حين يفقد الإنسان القدرة على أداء أبسط احتياجاته اليومية؟

 لاشك أن تحويل الإحباط الذي يصاب به المرء نتيجة عجزه عن أداء مهام معينة في حياته إلى طاقة دافعة لمواجهة تحديات تلك المثبطات، يعطي الحياة قيمة إضافية تعزز في روحه المقاومة والإصرار على تجاوز تبعاتها مهما اشتدت، وهذا بحد ذاته إنجاز يعيد للحياة شيئا من معانيها.. بل ورونقها، فقد أخذ هاجس البحث عن بدائل وتطوير وسائل تعينني على تجاوز بعض المعوقات، بمرور الوقت والتمرس، بعدا اتسم دوما بالتحدي، وأصبح التغلب على التحديات التي تعترض سير حياتي اليومية، على ضآلتها بالنسبة للآخر، يضفي إحساسا بقيمة ذاتي وجدارتها، بل وحقها الكامل وغير المنقوص في الحياة الكريمة.

***

في حين اعتقدت، بعد مضي ما يربو على تسعة أشهر من العلاج والتأهيل، أنني أصبحت في حال يسمح لي بمواجهة تداعيات الإصابة وتأثيرها على حياتي وكل ما يترتب عليها نتيجة لذلك، إلا أن ذلك الإحساس سرعان ما تهشم عندما أعلن الدكتور "والش" أن فترة علاجي أوشكت على الانتهاء ، وأن عليَّ الاستعداد للعودة إلى عمان.

 خالجني شعور متناقض.. راوح بين الفرح والخوف، ولعل إحساسي بالخوف كان أشد: كنت سعيدا لقرب رؤية أهلي وزوجتي، وكنت خائفا من غموض المستقبل الذي ينتظرني والعبء الثقيل الذي ستفرضه إعاقتي ووضعي الصحي عليهم. وهنا تكمن مصيبتي وتتفاقم حيرتي!

 ومع كل صبح يقربني من موعد عودتي إلى عمان، أخذ توتري يزداد أكثر فأكثر، ووقعت فريسة للوساوس، وبدا الارتباك وعدم الثقة جليا في تعاملي مع من حولي َوتَشَوُّش أسئلتي.

***

أمضيت الأيام القليلة قبل سفري ولا شيء كان يشغل تفكيري غير رؤية أهلي لي وأنا جليس الكرسي المتحرك الذي غدا، أحببته أم كرهته، جزءا من جسدي بعد أن فقدت منه ما فقدت، وأصبح بديلا عمليا لرجليَّ المعطوبتين! وكنت في وضع لا أحسد عليه.

 كانت الأسئلة مؤرقة، ولم تكن تقديراتي لما سيأتي به المستقبل وتوقعاتي أفضل حالا منها.. كانت مشتتة.. لا يربطها ببعضها البعض غاية واحدة وصولا إلى يقين ثابت، ولم تكن دائما ذات معنى للآخرين، فلجأت إلى العزلة.. أجلس متعللا بقراءة كتاب أو جريدة في أماكن منزوية من حديقة المستشفى! بيد أن قراءتي لم تكن سوى وسيلة أخرى للهروب وإخفاء حيرتي.. ضعفي وأحيانا دمعتي. ورغبة في الحفاظ على نفس الصورة التي عرفني بها أصدقائي.

***

 لم تكن الشمس قد أشرقت بعد، حين امتدت يد توقظني: إنه يوم عودتي إلى الوطن. كان صباحا لا كغيره من صباحات تلك المنطقة الجميلة من مناطق الريف الإنجليزي..  كان صباحا شديد الغثاثة.. جاء يحمل لي خوف العالم كله وجزعه!

 

التصالح مع الإعاقة

 كنت مستغرقا في التفكير، وخيالي يجسد موقف لقاءي الأول بأهلي وزوجتي.. تفكير كان يراوح بين الشك وظلال اليقين. وكنت قـد تحدثت مع فاطمة، زوجتي، من بريطانيا طويلا، وكشفت لها بوضوح أدق تفاصيل تداعيات الإصابة على جسدي وما طرأ عليه من تبدُّل واعتراها من تغيير. وحاولت خلال حديثي معها أن أكون صريحا وواضحا قدر ما استطعت بغية تهيئتها لما ستراه وتشعر به. وفي سريرة نفسي كنت أعلم أنها لن تدرك أبعاد مشكلتي مهما شرحت وقلت.

 اعتقدت أنها ستجد صعوبة بالغة في التعامل معي بدنياً ونفسياً، وأن علامات التذمر ومظاهر التبرم سرعان ما ستظهر على تصرفها معي مهما حَاوَلَتْ إخفاءها، وأنها لن تتحمل مشقة طلباتي الدائمة للمساعدة! 

 بيد أن هواجسي ومخاوفي كانت في غير موضعها، إذ أثبتت فاطمة بحبها قدرة لا متناهية على التحدي ومواجهة وضعي الصحي الجديد بكافة تداعياته.. بدنيا ونفسيا، وأذابت ببساطة تعاملها وحبها كل ما ترسب بداخلي من أوهام ووساوس، وبثت في روحي بوارق مضيئة من الأمل، وأضاءت في ذلك النفق المظلم ـ المستقبل ـ شموعا كثيرة، فأخذت أرى معها للحياة أوجه أخرى أكثر إشراقا.

***

كنت تعلمت خلال فترة التأهيل في بريطانيا أن أكون تلميذا يحسن الإصغاء، وتعلمت بعد عودتي إلى عمان أن أكون "معلماً" يجيد الشرح ويزيل طنين الأسئلة تلك التي تدور داخل رؤوس الأقارب والأغراب، ولكي أساعد أهلي وأصدقائي والناس المحيطين بي على فهم إعاقتي ومن ثم إعادة صياغة مواقفهم من الإعاقة والمعاقين!

 أمضيت الأسابيع الأولى بينهم أحاول التعبير عن شعوري تجاه إعاقتي من خلال مناقشة تبعاتها الصحية والنفسية والاجتماعية دون مواربة أو تردد! وأؤكد لهم، بالتصرف حيناً والحديث حيناً آخر، أنه لم يطرأ عليّ تغيير لمجرد أني فقدت القدرة على المشي واستخدم الكرسي المتحرك للتنقل من مكان لآخر بدلا من قدميّ، وليس هناك أي سبب يدعو للافتراض أن شخصيتي ونظرتي لنفسي وللآخرين، وقدراتي الذهنية أو أية صفات أخرى تغيرت نتيجة لما أصاب جسدي.

***

نعم لقد أخلت الإعاقة بحياتي على كافة مستوياتها: الصحية، الاجتماعية، الزوجية، والوظيفية. وسواء قبلت وضعي الجديد كمعاق أو رفضته.. نسيته أو تجاهلته.. فلا سبيل أمامي سوى التصالح مع الإعاقة والتكيف مع شروطها وأتعايش مع تبعاتها مهما كانت قاسية، وتوظيف هذه الشروط والتبعات لإعادة بناء حياة جديدة على أنقاض أخرى تحطمت، وبناء أحلام أخرى في إطار ما تتيحه الإصابة ومستقبل حياتي الزوجية والعملية.

 وكان عليّ تحمل معاناة الذات قبل آلام المرض والتصالح مع النفس قبل الجسد والاعتراف بالواقع قبل التشبث بالأمل والرضا بالمكتوب والقدر.  

 وما دمت أتمتع بسلامة العقل وعافيته ـ وإن فقدت القدرة على الحركة ـ فإن وجودي لا تحدده انطباعات ومفاهيم ضيقة تعتقد أن كمال الإنسان يكمن في كمال جسده، وإنما يحدده فعلي وقناعاتي تجاه نفسي أولا وتجاه الآخرين. والعقل هو أساس القدرة على فعل الحياة واقتناص أجمل ما فيها.

***

عندما يبدأ المعاق المصاب حديثاً في العمود الفقري بالعودة إلى المجتمع بعد العلاج، سيجد أن علاقته بالآخرين اختلفت وأن الناس لا يعاملونه تماما مثلما كانوا يعاملونه قبل الإصابة.. وهذا طبيعي! كذلك سيجد أن الناس الذين يقابلهم بالصدفة لا "يرتاحون" كثيرا لوجوده حولهم. لعلهم لا يعرفون ماذا يقولون أو كيف يتصرفون معه!

وتجلت هذه المواقف بالنسبة لي خلال محاولاتي الأولى لارتياد الأماكن العامة، فقد تعرضت كثيرا لمواقف يمكن أن نطلق عليها "النظرات المستغربة" حين تتوقف حركة بعض الناس فجأة حالما أدخل المكان وتسلط الأنظار نحوي وكأني نزلت للتو من مركبة فضائية لكائنات غزت الأرض من كوكب آخر! وهو انطباع أولى شائع ليس تجاه المعاقين حركيا وحسب، وإنما يتعرض له كل من شاءت له الأقدار أن يبتلي بشكل من أشكال الإعاقة.

 كان وقع تلك النظرات والمواقف في البداية مزعجاً، وكان مربكاً، وبغيضاً أيضا. وإزاء ذلك كان لا خيار أمامي غير ترك المكان وأنا أجر خيبتي، وأخفي ضيقي، واستر كآبتي! بيد أني، وبعد مراجعة متأنية مع النفس، قررت أن لا أدع مواقف كتلك تحول بيني والاستمتاع ببعض مباهج الدنيا. فلا يمكن أن أمضي بقية عمري مطاردا بتلك النظرات والمواقف السلبية التي يأتي معظمها عفوياً.

 فأعاود الذهاب إلى المراكز التجارية، وأضاعف من تواجدي في المرافق العامة، وسلاحي الثقة بالنفس والعزم على تجاوز حرج النظرات السلبية إما بابتسامة أو نظرة أو كلمة أو بغمزة عين لطفل ظل يدير رأسه إلى الخلف بعينين ملأتمها الدهشة وهو يمضي خلف أمه في ممر مركز تجاري أو رصيف شارع .

 وبمرور الوقت ـ وربما التعود ـ أخذ وقع هذه النظرات عليّ يخف تدريجياً، ولم تعد تلك المواقف تشكل هاجسا يمنعني من ارتياد الأماكن التي يحلو لي الذهاب إليها.

 إن الشعور بأهمية الذات والتصالح معها يشكل أساس علاقة المرء بالآخر، ولقد تعلمت بعد الإصابة أن لا أنظر إلى نفسي من خلال عيون الآخرين وردود أفعالهم اتجاهي وإنما أنظر إلى نفسي من خلال نفسي. أقول "لا" عندما أظن أنها الرد الصحيح، وأقول "نعم" بإرادة لا تنقصها القناعة ولا تفرضها الظروف أو الإحساس بمركب النقص.

  

تجـربة الكتابـة

عشرون عاما.. حاولت خلالها أن أكون مُتَرْجِماً جَيِّداً، بعد أن وجدت نفسي مجبرا على الجلوس وسطَ كومة من القواميس المعاجم والمراجع اللُغَوِيَّة.. وظيفة لم تخطر لي على بال حين اخترتُ الهندسة تخصصا للدراسة ومن ثَم مجالاً للعمل.

وعبر سعيي المُسْتَمر لتحسين أدائي مترجما بالقراءة المتنوعة والاطلاع على نصوص مترجمة، اكتسبتُ بطريقة أو أخرى بَعْضَ أدوات الكتابة.

لا أفشي سـرا، ولا أخجل من الاعتراف بأني دخلت عالمَ الأدب متأخراً جداً، ودخلته بالمصادفة ومن باب الـ"الهلوسة". فقبل كتابة "مذاق الصبر"، وقد تجاوز الخامسة والأربعين سنة،  إذ لم أكْتُب شيئا يذكر غير قصيرة بعنوان "هلوسة في يوم غائم". هذه القصة لم تكن سِوَى هلوسة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى! وشاركت بها في مسابقة سنوية للقصة القصيرة على مستوى عمان، وإذا بـ"الهلوسة" تفوز بالمركز الأول!

***

لم يأتِ البوح في "مذاق الصبر" بعد عشرين عاما من الصمت تماهيا بالذات وتعزيزاً للأنا، وإنما كانت غايتي إطلاع الآخرين على تجربتي عندما أدركت أن لدي ما يفيدُ آخرين غيري ممن يواجهون الظروفَ نفسَها.. في "مذاق الصبر" كتبتُ عن الصراع الذي خضته مع الإعاقة لتحقيق توازن ذاتي بين الممكن والمستحيل.. بين ما اقدر عليه وما هو خارج إرادتي.. وصولا إلى "التصالح أو التعايش معها".

 كانت غايتي تقديم تجربتي كما عشتُها بتجلياتها المختلفة: بما فيها من لحظات ألم وحزن، ضعفٍ وخوف، وحلم وأمل بغض النظر عن نوعية اللغة ورنين الكلمات.  

وعلى الرغم من أن بعض من قرأ الكتاب أو نقده يَعزو كتابته إلى الحاجة التي أفرزتها المعاناة الدائمة مع الإعاقة، إلا أن كتابة "مذاق الصبر" وما قبلَها وبعدها من محاولات للكتابة لم تكن ـ بالنسبة لي ـ تعويضا عن قصور أصاب جسدي، فأنا لست مسكونا بهاجس إثبات الذات للآخرين وبالتالي البحث عن بدائل تعوض ما أفتقرُ اليه.

 عندما قررتُ خوض غمار التجربة الأولى لكتابة نص طويل، لم أكن أملك تصوراً واضحاً عن هذا النوع من صنوف الأدب.. أي  "السيرة" و"الرواية"، لذلك لم أكن معنياً كثيراً بالشكل قدر عنايتي بالمضمون. وقد راهنتُ على خصوصية الموضوع وشفافية البوح؛ فمتعة القراءة في السيرة تكمن في صدق روايتها.

 وإثر الأصداء الطيبة التي حققها الكتاب، كان من الطبيعي أن أعيد التفكير في قدرتي على مواصلة الكتابة بعد أن اعتقدت أن "مذاق الصبر" هو عملي الأول وسـيكون الأخير! ومثلما كان "مذاق الصبر" وسيلتي لتحدي الإعاقة من خلال كشف تداعياتها المختلفة على جوانب كثيرة من حياتي، كانت "حز القيد" محاولةَ قصٍ لم اشتغل عليها بهدف إطلاع  الآخر عليها بِقْدْرِ ما كانت وسيلة لاختبار قُدرتي على كتابة نصٍ طويل.

***

يقال إن الرواية الناجحة هي التي تصنع كائنات من الكلمات في فضاء مُتَخَيَّل وترسمُها في وجدان القارئ بحيث تبدو أشبه بالحقيقة.

تدور أحداث رواية "حز القيد" داخل سجن يقع في أطراف صحراء نائية يطلق عليه اسم "مراغة البعير الأجرب"، وداخل هذا السجن يؤخذ بطل الرواية "علي الناصر"، الذي وجد نفسَهُ وسط هذا المكان بسبب علاقة عابرة ربطته بشخص له علاقة بتنظيم سري.. يؤخذ بجريرة غيره حيث يدور التحقيق حول هذا التنظيم الذي لا يعرفُ عنه أي شيء. ويتعرض هذا الشاب لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بطشا.

في "حز القيد" من الواقع شيء ومن الخيال كثير، وإنّْ كان هذا الخيال أقرب إلى الحقيقة منه إلى أي شيء آخر. فظاهرة سجن "مراغة البعير الأجرب" لا تخلو منها دولة في العالم حتى تلك التي عبرت المحيطات من أجل تعليمنا معني "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان".

ومما لا شك فيه أنني استمعت بكتابة "حز القيد" رغم معاناة الكتابة.. وكنت أشعر بمتعة عظيمة وأنا اصنع الأحداث بالكلمات وارسم الشخصيات، وبالكلمات أيضا أشكل ملامح حياتهم بابعادها كافة!

وعندما أنهيت مراجعة المخطوطة لآخر مرة، وتأكدت أني لا استطيع إضافة جديد عليها، شعرتُ كأني فقدتُ ابناً قرر بعد أن اشتد عوده، شق طريقه في الحياة بنفسه بعيدا عن رعاية الأب ووصايته، وتعزز ذلك الشعور أكثر عندما سلمت المخطوطة لدار النشر.

 

"بين الصحراء والماء".. سيرة روائية

"بين الصحراء والماء".. شكل آخر للسرد.. لا هو بيان بسيرة الذات ولا هو خيالي صرف.. إنه شيء من هذا وذالك.. فضاء يجمع ما بين الحقيقة، أي الذاتي، والخيال، أي الرواية، ويصهرهما في بوتقة واحدة.

يستعرض هذا الكتاب في الجزء الأول منه؛ ومن خلال عين صبي يبدأ خطواته الأولى خارج سياج منزل الأسرة؛ الكثير من مفردات حياة البادية العمانية وتقاليد البدو وأعرافهم وأساليب حياتهم: الشعر الشعبي، والرقص الفلكلوري، وغناء النساء والسهر ليلا تحت فوانيس النجوم، وغناء الحُداة المنبثقين من الرمال وهم على ظهور إِبِلِهِم، وقصص الجدة عن جدها "الظفري" شيخ القبيلة، والحكايات التي تتناقلها الألسن من جيل إلى آخر عن الجن والسحرة والمُغيَّبين.

"بين الصحراء والماء" ليست سيره شخصية وإنما سيرة شعب ووطن رغم التفاصيل الدقيقة التي استعرضتها من خلال عرض حيز من حياة طفولتي وصباي في زمن ما ومكان معروف.

بين "الصحراء والماء" عمل يسجل تحولات المجتمع والآثار التي ظهرت على طبائع الناس وعلاقاتهم، وما اعترى أفكارهم من تغير ومسخ.