|
|
|
|

قصـة وقـراءة
قراءة في بعض تجارب محمد العريمي القصصية
الدكتور كامل العتوم ـ جامعة صحار
سأحاول أن أقدم قراءة في أربع قصص قصيرة
للقاص محمد العريمي، والقصص هي: قوس قزح،
وحسون المجنون، والشاهد، والنجمة والرصاصة،
وهذه القصص التي تبدو متباعدة في زمن ولادتها،
ومختلفة في بعض تقنياتها ليست كل إنتاج القاص
العريمي، فقراءتها تشكل جزءا من الصورة
الكلية؛ ولذلك سأبدأ بقراءة مصاحبة لكل قصة،
ومن ثم أحاول بيان العناصر المشتركة والمختلفة
فيما بينها.
ففي قصة قوس قزح يقدم لنا العريمي شخصية
بائسة مهمومة قلقة ممزقة داخليا، شخصية انعزلت
عن محيطها، أو انعزل محيطها عنها.
وتحاول هذه الشخصية، فهم الذات أو إيقاظ
الذات ووضعها في دائرة الفعل الإيجابي،
بالتواصل مع محيطها، والخروج من شرنقتها
الخانقة التي أحكمت حولها بقوة، وذلك باستشراف
وتأمل الواقع المحيط بها، لعلها تفهم هذا
الواقع، ومن ثم تفهم طبيعة قلقها، ولعلها تحقق
قفزة إلى واقع تجد فيه نفسها خارج مأزقها،
ولكن كل المحاولات كانت دون جدوى، وبدا ذلك
صعب المنال، ومع ذلك فالشخصية تمتلك الإحساس
بمرارة واقعها، وتمتلك كذلك الإصرار على الفهم
والحركة ومحاولة الخروج من المأزق.
والقصة تقدم لنا مشاهد متكررة، تبدأ
بالوقوف والتأمل، ودفع الجسد إلى حركة معبرة
عن إرادة الوصول إلى الفهم والتنوير. ولكن كل
المشاهد تنتهي إلى أحد أمرين: إما إلى الصراخ
والاستغاثة والهروب، وهذا هو الأمر الغالب،
وإما إلى الابتسام أو إيهام الذات بوجود
الابتسام، وإمكانية الخروج من النفق إلى دائرة
الضوء.
ففي بداية القصة نجد البطل من على حافة
السرير يحرض نفسه على الوعي، ويجعل من حركات
الجسد القاسية وسيلة للبدء في مشوار الوعي،
وهو ما يعبر عن شعوره بالحاجة الملحة للخروج
من واقعه المأزوم، فهو يفرك عينيه بكفيه،
ويغرس أصابعه العشرة في رأسه، ويحكه بأظافره،
وينتهي الأمر بالانتقال إلى حالة التأمل
والنظر (الوقوف والتوقف).
ويرى ابنه وقد غطى نصف وجهه بمعجون
الأسنان، ويرى ابنته تحاول بإصرار إدخال قدمها اليسرى في فردة حذائها الأيمن، فيتخيل أن في
هذا ما يحرض على الابتسام؛ ولذا ينتهي المشهد
بقوله: ابتسم.
وينظر إلى زوجته، يحاول أن يتواصل معها
فيفشل، ويهز كتفيها دون جدوى فينتهي الأمر
بالصراخ.
ويرتد إلى ذاته ليجد المخرج، فيرى نفسه
دمية جامدة، يتأمل الدمية فيلمح حركة رمش
عينها، وهي حركة توهم بالأمل، فينهي الرؤية
الداخلية بابتسام الدمية ابتسام الشخصية.
ويعود من الغوص في ذاته وينظر ثانية إلى ما
حوله، فلا يجد سوى الزوجة التي لا تستجيب،
والبنت التي مازالت تحاول إدخال قدمها اليسرى
في فردة حذائها الأيمن، يشعر بالفشل فينتهي
المشهد بالصراخ والاستغاثة والركض إلى الشارع.
وفي الشارع يجد صورة أخرى لنفسه وزوجته،
حيث يشاهد رجلا رياضيا يرفع رجله اليسرى دون
حراك، ثم يصرخ حينما يرى كلبا وقد رفع رجله
اليسرى دون أن يكتمل قضاء حاجته، فتبتسم أنثى
الكلب ابتسامة خبيثة تتشابه مع ابتسامة
الزوجة.
ويزج نفسه بين الناس والسيارات في الشارع،
بحثا عن التواصل وكسر الجمود، ولكنه يجد حركة
الناس والأشياء طبيعية في ظاهرها، مسكونة
بالجمود في داخلها، فالوجوه جامدة، والأجساد
تشبه الدمى أو التماثيل، والأرجل البشرية
تتحرك ولا تتحرك، والدواليب تدور ولا تدور.
ويصل تأزم الشخصية إلى ذروته، وينتهي
المشهد بالصراخ، ولكن الصرخة لم تجد نفسها هذه
المرة بعد أن جمد اللسان وارتعشت الشفاه.
وتتحول المشاهد كلها إلى مشهد واحد من
طرفين: الأول هو الزوجة والناس والأشياء،
اختزلها في صورة فتاة مبتسمة أو على وجهها ما
يبدو ابتساما، والطرف الثاني البطل الذي ما
زال يلهث مصرا على أن يفعل شيئا لفك قيوده،
... فيقترب ويقترب من الحياة من الفتاة، ولكن
الإشكال الكبير أن كل خطوة منه للاقتراب
يقابلها خطوة من الحياة في الابتعاد،...
حركتان باتجاه واحد، ولكن الفاصل بينهما الذي
لا يحقق تمازج الحركتين واندماجهما ثابت لا
يزول.
وفي نهاية القصة يطل علينا الراوي، بل يطل
علينا العريمي محاولا أن يخرج شخصيته من
الدوامة والصراخ ليقول لنا: استيقظ الرجل من
نومه،.. لكن هذه اليقظة كانت خادعة ! فالواقع
بعد الإيقاظ لا يختلف عن الواقع في الحلم،
والبطل كما هو في بداية القصة يجلس على حافة
السرير، وحوله الزوجة والابن والابنة أنفسهم،
يفرك العيون براحتي يديه، ويمشط شعره
بالأصابع، يبتسم ويحاول أن يتواصل مع زوجته،
فترف رموشها تماما كما رفت رموش الدمية في
الحلم، ويشاهد أخيرا في عيون زوجته قوس قزح.
وقوس قزح الذي رآه في عيون الزوجة يحتمل
بوصفه رمزا الكثير من التأويل، فهو قوس تستمتع
بجماله عن بعد، لكنك لا تستطيع أن تصل إليه،
أو تحتويه وتمتزج في خيوطه، أو تجعله يحتويك
في داخله، وقوس قزح ربما شكل كذلك رمزا لوصول
البطل إلى حالة من الرضا القسري، أو التصالح
مع الذات، من خلال الاكتفاء بوجوده مراقبا
ومستمتعا بما يجري على مسرح الحياة.
لقد قدم لنا العريمي قصته بلغة بسيطة سهلة
ممتنعة، وتكثيف شديد، اختزل من خلاله تجربة
حياة مليئة بالعبر، وجديرة بالتأمل، تجربة لا
يمكن أن تكون شخصية فحسب، بل هي تجربة إنسانية
تمثل شريحة واسعة من الناس المعاقين وغير
المعاقين، أناس يشعرون بأنهم فقدوا الحياة وهم
أحياء.
ومن الملاحظ أن عنوان هذه القصة كان:"هلوسة
في يوم غائم"، ثم سماها العريمي:"قوس قزح"،
وهذا تحول مقبول، يجعل القصة أكثر انفتاحا على
أبواب التأويل. ومن الطريف أن يقول العريمي في
غير مرة إن قصته كانت هلوسة فعلا، رغم فوزها
بالمركز الأول في إحدى المسابقات، ونحن نقول
إن هلوسة المبدعين إذا نتجت عن خيال منضبط
متماسك خلاق فإن الهلوسة تخرج عن معناها
السلبي.
أما قصة حسون المجنون فهي من قصص العريمي
التي يعتمد فيها على شخصية محورية، شخصية
يلتقط بعض معالمها من الواقع، أو من التراث،
وقد تكون شخصية يعتبرها المجتمع هامشية، ولكن
العريمي يعيد تشكيلها، ويرتفع بها إلى مركز
الحدث، وفق ابتكار خياله، وتنامي أفكاره، وهذه
الشخصية تصبح مصدر إشعاع وقلق وإثارة، فهي
شخصية لا تتوانى عن وضع الملح على الجرح،
وإثارة الهموم النائمة، والتساؤلات الصعبة
والذكية والمحرجة أحيانا، ويحملها الكثير من
الرموز والإيماءات ذات البعد الإنساني
والاجتماعي.
والحقيقة أن الكثير من كتاب القصة الذين
يعتمدون على هذا النمط من القص، يكون فهم
الإنسان لديهم وفهم طبيعته وتصرفاته هو
الإشكال الكبير، العصي على الفهم والتنبؤ، وما
عداه من أشياء توظف للتعبير عن إشكال الإنسان
المشكل، وقديما قال أبو حيان التوحيدي عبارته
الشهيرة:" الإنسان أشكل عليه الإنسان".
يبدأ العريمي قصته هذه بتهيئة المكان
لدلالات الشخصية المركزية، إنه مكان مجنون،
فهناك في سوق الحارة تخلق الريح حركة هستيرية
للأوساخ والأكياس والعلب المعدنية، ويظهر كلب
أعور يركض وراء قصاصات الورق، يريد وقف هذه
الهستيريا، كأنه دون كيخوت في قتاله طواحين
الهواء، ويقابل هذا المشهد قط أسود سمين اكتفى
بمشاهدة حركة الكلب الأعور.
وهنا تظهر شخصية القصة: حسون المجنون،
عنوان القصة، فأي حسون هذا ؟ وأي مجنون ؟ ومتى
كان الحسن جنونا ؟ أو الجنون حسنا ؟
حسون رجل ناهز الستين، طويل نحيف بفك بارز
وفم مفتوحة دون أسنان، ثيابه رثة مرقعة تستر
نصف جسده، يسكن تحت شجرة عجوز بين إطارات
السيارات وألواح الكرتون.
ويعمل حسون حمالا للنفايات ومشتريات
الزبائن في النصف الأول من النهار، وحلاقا
يفترش الأرض في النصف الثاني، وأحيانا يساعد
العجائز على حمل البضائع، أو يقف في الشارع
لينظم حركة المرور.
وتحمل شخصية حسون أبعادا إنسانية متنوعة،
فهو رمز للعطاء بلا حدود، لا يشترط سعرا
لخدماته، ويقدم جهودا دون ثمن، وهو يرفض هذه
الحياة المادية الورقية، فلا يقبل إلا النقود
المعدنية، وهو على وعي يمكنه من تنظيم حركة
المرور والمشاة.
وحسون مثل إشكالا لطبقة التجار والمرموقين،
وخطرا عليهم، فحاول بعضهم أن يتعايش معه، وسلم
بعضهم رقبته لشفرة حلاقته، فكان بين يديه
المرتجفتين كالشاة على مذبحها، ومع ذلك بقي
حسون خارجا عن تيارهم، كاشفا لواقعهم، فقال
بعضهم إنه رجل مدسوس، ثم وصفوه بالجنون، تلك
الوصفة السريعة المختصرة التي وصف بها رسل رب
العالمين قديما.
وحينما نال حسون وسام الجنون ازداد في
تحديهم وشتمهم وكشف المستور منهم، والجنون
يهدم جدار الخوف، ويمنح صاحبة قدرة أكبر على
المواجهة. والطريف في الأمر أن جنون حسون بما
يحمله من تحد لم يعد يمثل خطرا على أحد، لأن
الحقائق مهما كانت ناصعة تفقد تأثيرها حينما
تلتف بثوب الجنون، وهذا ما يريح التجار
والمرموقين، تماما كما كان يرتاح المجتمع في
تراثنا من أقاويل شطحات بعض المتصوفين، وصحوة
بعض عقلاء المجانين، وصراحة المواجهة عند بعض
الشخصيات التراثية، مثل شخصية جحا وماني
الموسوس وبهلول وهبنقة.
لقد أراد العريمي أن يقول لنا بأن حسون
شخصية تحمل الصفاء كله، وتنشر الحقائق بلا
خوف، وتفعل الخير بلا حدود، وهي شخصية إنسانية
نادرة في حياتنا، إن لم تكن مفقودة، وإذا ما
وجدت مثل هذه الشخصية في واقع مثل واقعنا فلا
بد أن توصف بالجنون؛ ولذا انتهت القصة بالقول
إن حسون ما هو إلا رجل نشرت صورته يوما ما في
جريدة تحت عنوان:" خرج ولم يعد".
وفي قصة الشاهد يقدم لنا العريمي شخصية
شاب أصيب بمرض غامض، وقد سافر مثل الكثيرين،
ثم عاد يحمل وجه الأموات، وعندما وصل تنكر له
الجميع، فطردته عجوز من غرفته المستأجرة، ونام
مع النفايات والكلاب في العراء، وعندما استيقظ
وجد نفسه محاطا بسياج له فتحة صغيرة، يرمى له
من خلالها بقايا الطعام.
ويموت الشاب وحيدا غريبا، وبعد موته اهتم
الناس به أشد الاهتمام، فغسّلوه وكفّنوه
وعطروه، وحملوه على الأكتاف، ونصبوا على قبره
شاهدا.
ويمثل الشاب حالة إنسانية تركز على واقع
إنساني عام، وذلك من خلال تلك الشخصية التي
أغرقت في التغريب والانطواء، وطمست معالمها
الظاهرية، فالشاب لا اسم له ولا أسرة ولا
قبيلة، شاب ينتمي إلى مكان ما في مجموعة من
الناس لا نعرف عن هويتهم شيئا، والحدث الكبير
فرض الصمت على الشخصية، رغم الألم الكبير الذي يعتلج داخلها، فالشاب في معاناته لم يقل شيئا،
ولم يتأوه، ولم يقاوم، ولم يعبر عن مكنونه
الداخلي، إنه صمت يقول كل شيء دون أن تظهر
الكلمات على الشفاه.
ويشير مرض الشاب الغامض إلى حالة من
التغيرات سواء أكانت عضوية أم فكرية، تغيرات
تنكر لها المجتمع، فعاش الشاب في غربة وهو في
وطنه.
وعندما توفي الشاب انقلبت الموازيين، وظهرت
حركة وعي في المجتمع، فهبوا لحمل الشاب على
الأكتاف، وقد دفعت حالة الوعي عند الناس إلى
أن يضعوا شاهدا على قبر الشاب، وهذا الشاهد لم
يكن للميت بقدر ما كان للأحياء، شاهد يذكرهم
بحالة التنكر والغباء التي انقلبت إلى حالة
وعي ليست في وقتها.
وفي قصة النجمة والرصاصة نرى شخصية
الابن ناصر سعيد المفعمة بالحياة والسعادة،...
وشخصية الوالد سعيد الناصر الذي كان سعيدا
بابنه ناصر؛ لأنه سيتخرج وسيضع على كتفه نجمة،
وعلى صدره نيشانا، ...
ويأتي طابور التخرج، وينال الابن المركز
الأول مع مرتبة الشرف، ويصعد إلى المنصة،
ويتزين كتفه بالنجمة وصدره بالنيشان، وفي تلك
اللحظة تنطلق رصاصة لتخترق ياقة الابن، رصاصة
لا نعرف كيف أتت ومن أين أتت؟ فتنهي حياة
الابن.
وهكذا فإن الابن ناصر سعيد قد سلب نصره،
ولم يستطع كذلك أن يكون ناصرا لسعادة والده
سعيد الناصر، أما الوالد فقد بقي في دائرة
الطابور والتخرج والنجمة والنيشان، إنه لم
يستوعب ما حدث، ولم يفهم ما حدث، ولا يريد أن
يتجاوز اللحظة التي اعتلى فيها ابنه منصة
التخرج؛ ولذلك فقد بقي مرتديا رداء البزة
المثقوب بالرصاصة المزين بالنجمة والنيشان.
لقد جعل العريمي الحدث هو بطل القصة،
وجعل من الشخصيات أدوات يتلاعب بها الحدث،
ويحكم عليها، وقد وظف رموزا عدة كلها تصب في
دائرة واحدة، دائرة الدهشة من القدر والصدفة،
دائرة الإنسان الذي يواجه الموت، ولا يفهمه،
ولا يستطيع التغلب عليه، والخلاص منه. فالنجمة
هي الأمل، والرصاصة تمثل الموت والصدفة وعبث
القدر، والطابور العسكري يمثل الحياة ذات
التنظيم الدقيق، طابور حياة لا يخرج على
تنظيمه إلا استثناء واحد يهدم كيانه ومسيرته،
وهو الموت أو الرصاصة القادمة الطائشة
المجنونة التي لا نعرف كيف أتت ومن تصيب.
أخيرا، إن ما تلتقي فيه قصص العريمي الأربع
هو تقديمها لإشكالات وتجارب إنسانية عامة، ومن
هنا فإن ارتباطها بمكان محدد أو اتصافها
بالمحلية كان مفقودا، باستثناء قصة حسون
المجنون التي منحها العريمي بعض الخصوصية من
الواقع المحلي المعاش.
وهناك ملمح آخر، فالشخصيات قي قصة قوس قزح
وقصة حسون المجنون تمتلك القدرة على الحركة،
ومحاولة الوعي بالواقع ومواجهته، في حين كان
الحدث هو البطل، وهو المسيطر على الشخصيات
المسلوبة الإرادة في قصة الشاهد وقصة الرصاصة
والنجمة.
ومع ذلك، فإن الفلك الفكري في قصص العريمي
التي قرأت يدور في مسالك محددة ، فهي تعبر عن
حالة الفقد والغربة وعبثية الحياة والقدر
الأعمى، والاستسلام للواقع والموت، فالشخصية
في قوس قزح انتهت إلى استسلام، ورضيت بأن تكون
مستمتعة بمراقبة ما يجري في الحياة، وحسون
المجنون شخصية خيرة ومعطاءة بلا حدود، ولكنها
مفقودة؛ ولذا خرج حسون ولم يعد، والشاهد في
قصة الشاهد مغترب في وطنه ومستسلم كذلك
للإحداث، والرصاصة في قصة النجمة والرصاصة
تفرض منطقها غير المفهوم .
هذه مسارب العريمي الفكرية، وهي مسارب
الكثيرين من كتاب القصة، والسؤال هنا متى
يستطيع العريمي أن يخرج إلى مسارب أكثر رحابة؟
مسارب تعبر عن انفلات الذات من معضلة الموت،
وعبثية الحياة والقدر، والارتياح للكتابة
بوصفها بديلا للموت؟
أظن أن العريمي لن يستطيع ذلك في المستقبل
المنظور، وفرصته الوحيدة في مستقبل الأيام
تنبع من القراءات المعمقة لكتب الأدب والفلسفة
والتصوف والتاريخ والأساطير، والقراءات
المعمقة في كتب مثل كتب الحلاج والتوحيدي
والغزالي وابن عربي والبياتي وعبد الصبور.
قراءة في تجارب محمد العريمي القصصية (2)
الدكتور كامل العتوم
قصة حسون المجنون من قصص العريمي التي يعتمد
فيها على شخصية محورية، شخصية يلتقط بعض
معالمها من الواقع،أو من التراث ، وقد تكون
شخصية يعتبرها المجتمع هامشية، ولكن العريمي
يعيد تشكيلها ، ويرتفع بها إلى مركز الحدث ،
وفق ابتكار خياله، وتنامي أفكاره، وهذه
الشخصية تصبح مصدر إشعاع وقلق وإثارة، فهي
شخصية لا تتوانى عن وضع الملح على الجرح ،
وإثارة الهموم النائمة ، والتساؤلات الصعبة
والذكية والمحرجة أحيانا، ويحملها الكثير من
الرموزوالايماءات ذات البعد الإنساني
والاجتماعي.
والحقيقة أن الكثير من كتاب القصة الذين
يعتمدون على هذا النمط من القص،يكون فهم
الإنسان لديهم وفهم طبيعته وتصرفاته هو
الإشكال الكبير، العصي على الفهم والتنبؤ،
وماعداه من أشياء توظف للتعبير عن إشكال
الإنسان المشكل ، وقديما قال أبو حيان
التوحيدي عبارته الشهيرة :"الإنسان أشكل عليه
الإنسان" .
يبدأ العريمي قصته هذه بتهيئة المكان لدلالات
الشخصية المركزية،إنه مكان مجنون ،فهناك في
سوق الحارة توجد الريح حركة هستيرية للأوساخ
والأكياس والعلب المعدنية، ويظهر كلب أعور
يركض وراء قصاصات الورق ،يريد وقف هذه
الهستيريا،كأنه دون كيخوت في قتاله طواحين
الهواء،ويقابل هذا المشهد قط أسود سمين اكتفى
بمشاهدة حركة الكلب الأعور.
وهنا تظهر شخصية القصة :حسون المجنون،عنوان
القصة، فأي حسون هذا؟وأي مجنون؟ومتى كان الحسن
جنونا؟ أو الجنون حسنا ؟
حسون رجل ناهز الستين، طويل نحيف بفك بارز وفم
مفتوحا دون أسنان، ثياب رثة مرقعة تستر نصف
جسده، يسكن تحت شجرة عجوز بين إطارات السيارات
وألواح الكرتون.
ويعمل حسون حمالا للنفايات ومشتريات الزبائن
في النصف الأول من النهار، وحلاقا يفترش الأرض
في النصف الثاني، وأحيانا يساعد العجائز على
حمل البضائع، أو يقف في الشارع لينظم حركة
المرور .
وتحمل شخصية حسون أبعادا إنسانية متنوعة، فهو
رمز للعطاء بلا حدود، لا يشترط سعرا لخدماته،
ويقدم جهودا دون ثمن ،وهو يرفض هذه الحياة
المادية الورقية ، فلا يقبل إلا النقود
المعدنية ، وهو على وعي يمكنه من تنظيم حركة
المرور والمشاة .
وحسون مثل إشكالا لطبقة التجار والمرموقين ،
وخطرا عليهم ، فحاول بعضهم أن يتعايش معه،
وسلم بعضهم رقبته لشفرة حلاقته، فكان بين يديه
المرتجفتين كالشاة على مذبحها، ومع ذلك بقي
حسون خارجا عن تبارهم، كاشفا لواقعهم، فقال
بعضهم أنه رجل مدسوس ، ثم وصفوه بالجنون، تلك
الوصفة السريعة المختصرة التي وصف بها رسل رب
العالمين قديما.
وحينما نال حسون وسام الجنون ازداد في تحديهم
وشتمهم وكشف المستور منهم، والجنون يهدم جدار
الخوف، ويمنح صاحبه قدرة أكبر على
المواجهة.والطريف في الأمر أن جنون حسون بما
يحمله من تحد لم يعد يمثل خطرا على أحد، لأن
الحقائق مهما كانت ناصعة تفقد تأثيرها حينما
تلتف بثوب الجنون ، وهذا ما يريح التجار
والمرموقين ،تماما كما كان يرتاح المجتمع في
تراثنا من أقاويل شطحات بعض المتصوفين ،وصحوة
بعض عقلاء المجانين ، وصراحة المواجهة عند بعض
الشخصيات التراثية ،مثل شخصية جحا وماني
الموسوس وبهلول وهنبقة.
لقد أراد العريمي أن يقول لنا أن حسون شخصية
تحمل الصفاء كله ،وتنشر الحقائق بلا خوف،وتفعل
الخير بلا حدود ،وهي شخصية إنسانية نادرة في
حياتنا ، إن لم تكن مفقودة، وإذا ما وجدت مثل
هذه الشخصية في واقع مثل واقعنا فلا بد أن
توصف بالجنون، ولذا انتهت القصة بالقول إن
حسون ما هو إلا رجل نشرت صورته يوما ما في
جريدة تحت عنوان :" خرج ولم يعد".
وفي قصة الشاهد يقدم لنا العريمي شخصية شاب
أصيب بمرض غامض ، وقد سافر مثل الكثيرين ، ثم
عاد يحمل وجه الأموات ، وعندما وصل تنكر له
الجميع ، فطردته عجوز من غرفته المستأجرة ،
ونام مع النفايات والكلاب في العراء ، وعندما
استيقظ وجد نفسه محاطا بسياج له فتحة صغيرة،
يرمى له من خلالها بقايا الطعام.
ويموت الشاب وحيدا غريبا ،وبعد موته اهتم
الناس به أشد الاهتمام ،فغسلوه وكفنوه وعطروه،
وحملوه على الأكتاف ، ونصبوا على قبره شاهدا.
ويمثل الشاب حالة إنسانية تركز على واقع
إنساني عام ،وذلك من خلال تلك الشخصية التي
أغرقت في التغريب والانطواء ،وطمست معالمها
الظاهرية، فالشاب لا اسم له ولا أسرة ولا
قبيلة ، شاب ينتمي إلى مكان ما في مجموعة من
الناس لا نعرف عن هويتهم شيئا ، والحدث الكبير
فرض الصمت على الشخصية ،رغم الألم الكبير الذي
يعتلج داخلها ، فالشاب في معاناته لم يقل شيئا
، ولم يتأوه ،ولم يقاوم ،ولم يعبر عن مكنونه
الداخلي، إنه صمت يقول كل شيء دون أن تظهر
الكلمات على الشفاه . ويشير مرض الشاب الغامض
إلى حالة من التغيرات سواء أكانت عضوية أم
فكرية ،تغيرات تنكر لها المجتمع ، فعاش الشاب
في غربة وهو في وطنه.
وعندما توفي الشاب انقلبت الموازين ،وظهرت
حركة وعي في المجتمع، فهبوا لحمل الشاب على
الأكتاف ، وقد دفعت حالة الوعي عند الناس إلى
أن يضعوا شاهدا على قبر الشاب ، وهذا الشاهد
لم يكن للميت بقدر ماكان للأحياء، شاهد يذكرهم
بحالة التنكر والغباء التي انقلبت إلى حالة
وعي ليست في وقتها. وفي قصة النجمة والرصاصة
نرى شخصية الابن ناصر سعيد المفعمة بالحياة
والسعادة ،...وشخصية الوالد سعيد الناصر الذي
كان سعيدا بابنه ناصر ؛ لأنه سيتخرج وسيضع
على كتفه نجمة ،وعلى صدره نيشانا ،...ويأتي
طابور التخرج ،وينال الابن المركز الأول مع
مرتبة الشرف ،ويصعد إلى المنصة،ويتزين كتفه
بالنجمة وصدره بالنيشان ،وفي تلك اللحظة تنطلق
رصاصة لا نعرف كيف أتت ومن أين أتت؟فتنتهي
حياة الابن. وهكذا فإن الابن ناصر سعيد قد سلب
نصره ، ولم يستطع كذلك أن يكون ناصرا لسعادة
والده سعيد الناصر ، أما الوالد فقد بقي في
دائرة الطابور والتخرج والنجمة والنيشان، إنه
لم يستوعب ما حدث،ولم يفهم ما حدث، ولا يريد
أن يتجاوز اللحظة التي اعتلى فيها ابنه منصة
التخرج ؛ولذلك فقد بقي مرتديا رداء البزة
المثقوبة بالرصاصة المزين بالنجمة والنيشان .
لقد جعل العريمي الحدث هو بطل القصة، وجعل من
الشخصيات أدوات يتلاعب بها الحدث ،ويحكم عليها
، وقد وظف رموزا عدة كلها تصب في دائرة واحدة
، دائرة الدهشة من القدر والصدفة، دائرة
الإنسان الذي يواجه الموت،ولا يفهمه ،ولا
يستطيع التغلب عليه ،والخلاص منه، فالنجمة هي
الأمل ،والرصاصة تمثل الموت والصدفة وعبث
القدر ، والطابور العسكري يمثل الحياة ذات
التنظيم الدقيق ،طابور حياة لا يخرج عن تنظيمه
إلا استثناء واحد يهدم كيانه ومسيرته، وهو
الموت أو الرصاصة القادمة الطائشة المجنونة
التي لا نعرف كيف أتت ومن تصيب.
أخيرا، إن ما تلتقي فيه قصص العريمي الأربع هو
تقديمها لاشكالات وتجارب إنسانية عامة، ومن
هنا فإن ارتباطها بمكان محدد أو إتصافها
بالمحلية كان مفقودا، باستثناء قصة حسون
المجنون التي منحها العريمي بعض الخصوصية من
الواقع المحلي المعاش. وهناك ملمح آخر،
فالشخصيات في قصة قوس قزح وقصة حسون المجنون
تمتلك القدرة على الحركة، ومحاولة الوعي
بالواقع ومواجهته، في حين كان الحدث هو البطل
، وهو المسيطر على الشخصيات المسلوبة الإرادة
في قصة الشاهد وقصة الرصاصة والنجمة. ومع ذلك
، فإن الفلك الفكري في قصص العريمي التي قرأت
يدور في مسالك محددة ،فهي تعبر عن حالة الفقد
والغربة وعبثية الحياة والقدر الأعمى
،والاستسلام للواقع والموت، فالشخصية في قوس
قزح انتهت إلى استسلام ،ورضيت بأن تكون
مستمتعة بمراقبة ما يجري في الحياة ،وحسون
المجنون شخصية خيرة ومعطاءة بلا حدود ،ولكنها
مفقودة ؛ولذلك خرج حسون ولم يعد،والشاهد في
قصة الشاهد مغترب في وطنه ومستسلم كذلك
للأحداث ،والرصاصة في قصة النجمة والرصاصة
تفرض منطقها غير المفهوم. هذه هي مسارب
العريمي الفكرية،وهي مسارب لكثيرين من كتاب
القصة ،والسؤال هنا متى يستطيع العريمي أن
يخرج إلى مسارب أكثر رحابة ؟مسارب تعبر عن
انفلات الذات من معضلة الموت ،وعبثية الحياة
والقدر ،والارتياح للكتابة بوصفها بديلا
للموت؟
أظن أن العريمي لن يستطيع ذلك في المستقبل
المنظور ،وفرصته الوحيدة في مستقبل الأيام
تنبع من القراءات المعمقة لكتب الأدب والفلسفة
والتصوف والتاريخ والأساطير ، والقراءات
المعمقة في كتب مثل كتب الحلاج والتوحيدي
والغزالي ز\وابن عربي والبياتي وعبد الصبور.

|
 |
|
|
|
|