ـ

"بين الصحراء والماء" المكان بطل مطلق غير مهيمن على السرد *

محمد العريمي أديب وكاتب يحمل شهادة بكالوريوس في علوم الهندسة الصناعية، ويعمل مترجما للغتين العربية والانجليزية، مبدع متعدد المناشط والمشاركات، له في الإنتاج الروائي والقصة والمقالة الكثير، وقد ترجم كتابه “مذاق الصبر” إلى الإنجليزية، وصدرت له روايتان “حز القيد” و”بين الصحراء والماء” إلى جانب مجموعتين قصصيتين.

لا شك أن من سيقرأ رواية الأديب العماني محمد عيد العريمي “بين الصحراء والماء” سيجد فيها ما يشبهه، وهي الرواية الثانية ـ وهناك من يعتبرها الثالثة بعد مذاق الصبر وحز القيد.

يمكن وضع هذه الرواية ضمن أدب السيرة، حيث نسج العريمي من خيوط الذاكرة مشاهد تلك السيرة نقلا لواقع كان غادره منذ عقود، وهي بشكل أو بآخر، وفي مشاهد عدة تبدو سيرة ذاتية صادقة للكاتب نفسه، ومع ذلك فهي ليست سيرة شخصية بقدر ما هي “سيرة شعب ومجتمع ووطن” ليس في بيئة الكاتب فحسب، وإنما لمنطقة الخليج؛ نظرا للتقارب الجغرافي والتاريخي، وللواقع المعاصر والتراث المحفوظ والمشترك.

وهو كاتب له قدرة فائقة على حمل الجغرافيا كما يحمل جلده أنّا ذهب؛ ليسترجع تفاصيل الأمكنة وعبق الأجواء المترعة فيها حتى بذرات الغبار وجزيئات الدخان وعبق التراب وأطياف الندى الصحراوي.

يقول في حوار صحافي إن “الماضي يشكل استراحة ألوذ إليها كلما انتهك الألم حاضري”. تبدو أريحية البلاغة لدى العريمي بوضوح، تصاحبه في التعبير اليومي وفي الكلام التلقائي؛ يقول عن روايته حز القيد: “كان اسمها شارع طوبان... ومع التحول الذي طرأ على موضوع السرد جئت في إحدى الحوارات على ذكر حز القيد؛ فاستطبت التعبير ووضعته على الغلاف بدلا من شارع طوبان”.

في حديث لاحق ذكر أنه: “ولد من أب بحار وأم بدوية فعاش فترة صباه مشتت الانتماء بين الصحراء والماء”. بعد عام أصدر روايته الثانية بين الصحراء والماء؛ يؤكد فيها أن الصحراء هي الأم الولود للشعر والحكايات والأساطير الشعبية التي شكلت حسه الحكائي في أعماله السردية.

قسم العريمي عمله على خمسة عشر عنوانا ليميز بها ملامح وتفاصيل الرواية، التي صاغها بروح صادقة، مشحونة بحميمية وحنين، مستعرضا بها مرحلة تاريخية واجتماعية، وبعض الإشارات السياسية بقصد التسجيل لعصر استشرف أنه لولا هذا الرصد والتوثيق لغاب تماما عن الذاكرة، تماما كما غاب لاحقا ذلك الواقع وأصبحت محاولات تخيله عسيرة إلا على من عاصره وظل محتفظا بصور التقطتها عدسة الخاطر.

وعلى الرغم من انطلاق العمل بالظفري أو عوض الولد؛ إلا أن البطل الحقيقي في الرواية هو “المكان” فهو المحرك والمحرض والملهم؛ يمتد من قرية وادي المر على تخوم صحراء الربع الخالي إلى مدينة صور الساحلية، بلا هيمنة على عناصر السرد، بل احتفظت الشخوص والمواقف والأحداث والزمن بحقها بلا إهمال.

وأما السرد فيبدأ مع أول عبارة خطتها أنامل راكساند في إهدائها إلى محمد؛ لفحت نظره أول عبارة قالت فيها “هذه أنا: راكساند دي براون.. وهذا كتابي كتبت فيه كل شيء عني.. وكتبت فيه بعضا عنك... قد تختلف معي أو تتفق حول أهمية محتوى المفكرة للآخرين؛ لكن ما لا يقبل الجدل هو صدق ما جئت على ذكره.. صدق ما كتبت عن نفسي وعن آخرين غيري بينهم أنت....”.

مذكرات راكساند تشجعه وتكشف له جمالية الصدق.. يقول محمد أو عوض “عرفت عن راكساند من خلال حديثها عن نفسها في تلك المدونات ما لم تعرفه أمها عنها ص 25 وص 30”. ومن هنا بدأ ولعه بالتدوين الصادق.

والأغزر لرواية العريمي بادئا من تحت ظل شجرة وسط بحار من الكثبان الرملية على التخوم الشرقية لصحراء الربع الخالي الرهيبة حيث ولد عوض، غير غافل عن مساحة في المكان مهما تناهت في عملية تكريس مدهش للأشياء لتبقى خالدة ما بقي الأدب. قال عنه عبد الجليل السعد “... روائي مهم ومتمكن في عناده وإصراره على كتابة وتتنوع الأماكن التي تشكل الثراء الأول الرواية من روح المكان...”.

المكان حاضر وضاغط بقوة؛ لم يهمل حتى الحيطان وجدران الطين في البيوت القديمة، ومساكن الأسرة في مدينة صور وكتابة تواريخ الولادات والمناسبات والأحداث الهامة عليها، تماما كما حضرت الخيمة والصحراء ووادي المر والبحر والسفينة، وحضرت القرية وبيوتها في ذلك العهد يصفها: “يضم البيت عددا من العرشان المفتوحة التي تؤمن الظل وتسمح بانسياب الهواء ويقام المنزل عادة قرب شجرة غاف وارفة. وتستغل الشجرة للاحتفاء بالضيوف وإقامة المناسبات”.

وهاهو مع الرجال فوق تل رملي وسط القرية حيث يجتمعون مساء للسهر في مرمس الرجال ليلا وعن علاقة أهل صور بمدينتهم الملقبة بالعفية ص 43. ويصف قسوة وشح الطبيعة في البادية ببراعة اللغة المطواعة لديه “سهوب الصحراء ورمالها ليست معطاءة، وسماؤها تشح بالمطر إلا في ما ندر، وحين تجدب الأرض ويصيبها المحل، يطبق على فيافيها الواسعة الصمت.. لا يقطعه إلا أزيز الريح .

وهي تحرك الرمال حيثما تشاء ص 55” بين الصحراء والماء نقل لتفاصيل الحياة اليومية بكل دقائقها وموجوداتها وأشيائها الأليفة والتلقائية الواقعية والمتخيلة؛ في عقدين من الزمن. رسمت بلغة تشكيلية شاعرية ملونة.. “في الصحراء رأيت الشمس تلف برداء أشعتها الذهبية كثبان الرمال المتموجة... بألوانها العسلية والصفراء والذهبية، والليل يدخل بثوب مخملي أقرب إلى الزرقة منه إلى السواد... ص 78”.

من الصحراء إلى البحر الذي وجد بطلنا أن “الإبحار فيه ليس نزهة على شاطئ ولا رحلة برية سيراً على الأقدام.. البحر مشاغب وعنيد.. يشعرك من الوهلة الأولى أنه هو السيد لا أنت... هو البحر مصدر الرزق ومقبرة المسترزق! ص 211”.

كل هذا التوقد والشغف والالتحام بالمكان لا يلبث أن يتذبذب عندما يقف متسائلا وقد لفحته صرعة التحول والتغيير المشوه الذي أصاب الإنسان وشمل المكان “البادية لم تعد كما كانت عليه من قبل وفقد البدو الكثير من ثوابت حياتهم”!

عندها شعر بالغربة وبانقطاع الصلة بالرمال، ولم يعد ما يربطه بهذا المكان إلا ذكريات باهتة، وحكايات جدته عن جدها الظفري. “توقفت في المكان... خطوت نحو الماء...أتأمل البحر؛ جلست وطبعت كفي على التراب الرطب، ثم وقفت وخطوت إلى أن داعبت شفة الموج قدمي. هذا البحر لم يتغير... ص 239”. لم يتغير البحر لأنه المكان الذي أطال في رفقته.

يعود العريمي مع تقاسيمه للرمال، عبر لوحات بلاغية ملونة بالحروف في منمنمات حكائية متجذرة بالمكان مجدولة بأعماق صحراء تستمع لترانيم البحر وأمواجه المشتركة مع أساطير البادية. بين الصحراء والماء عمل يسجل تحولات المجتمع والآثار التي ظهرت على طبائع الناس وعلاقاتهم، وما اعترى أفكارهم من تغير ومسخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نقلا عن جريدة البيان