ـ

مداخلة الدكتور الرشيد بوشعير(جامعة الإمارات العربية المتحدة)

في مؤتمر «ثقافة الخوف» و«هاجس الخوف في الرواية الخليجية»

(24-26 نيسان 2006)

لعله من نافل القول أن نشير بدايةً إلى أن هاجس الخوف يُعد هاجساً إنسانياً عاماً ظل يلازم الكائن البشري منذ أن وجد أول إنسان على هذه الأرض، وبذلك يغدو سمة متجذرة في طبيعة الإنسان وآلية من آليات الغريزة التي تستهدف الحفاظ على البقاء وتجنب أسباب الألم والهلاك.

ويُعرف الخوف بأنه «قلق عصبي أو عصابٌ نفسي لا يخضع للعقل، ويساور المرء بصورة جامحة من حيث كونه رهينة في النفس شاذة عن المألوف، تصعب السيطرة عليها أو التحكم فيها»([i]).

وينبغي التفريق بين الخوف بوصفه انفعالاً طبعياً غرائزياً والخوف بوصفه عصاباً مرضياً؛ فالخوف الطبيعي استجابة تلقائية لمنبه خارجي عنيف كالرعد أو الزلزال أو الوحوش المفترسة أو الحشرات والزواحف السامة، أما الخوف العصابي فهو رعب يستحوذ على الإنسان خشية الإصابة بمرضٍ معد أو خشية رؤية الأموات، أو خشية رؤية الدم أو الماء أو الظلام أو الخلاء أو المرتفعات أو النار وما إلى ذلك([ii]).

وعادة ما يبحث علماء النفس عن جذور الخوف العصابي في خبرات الطفولة التي تنطوي على مواقف ومثيرات مزعجة «ترتبط في ذاكرة الطفل الشعورية أو اللاشعورية»([iii])، وتمارس تأثيرها في سلوكه النفسي لاحقاً.

وإذا كان الإنسان في العصور البدائية يتعرض لانفعال الخوف من مصادر طبيعية خارجية فيضفي عليها مسحة غيبية ويجسدها في آلهة وثنية مرهوبة، يتقي أخطارها بالقرابين، كالإله «دمناروس» إله الريح، والإله «مقارت» إله النار عند الكنعانيين([iv])، وإله المياه «عاي» البابلي([v])، وإله البحر «بوسيدون»([vi])، وإله مملكة الظلام والمخاطر الرهيبة «هاديس»([vii]) عند الإغريق.. نقول: إذا كان الإنسان يتعرض لانفعال الخوف من مصادر خارجية، فإنه في العصور اللاحقة ـ عصور التطور الحضاري ـ أصبح يخاف من أخيه الإنسان أكثر من خوفه من الوحوش أو غضب الطبيعة، وإذا كان الخوف في العصور البدائية طبعياً في الغالب، فإنه أصبح في العصور اللاحقة عصابياً أو حضارياً ينتجه الإنسان من خلال خطاباته الأيديولوجية التي تستهدف تدمير أخيه الإنسان أو الهيمنة عليه فكرياً واقتصادياً وسياسياً، ولذلك بات الخوف ثقافة تتراءى في أنماط الإبداع التكنولوجي والفني والأدبي على حد سواء.

وأيا ما يكون الأمر، فإننا لن نستطيع في هذه العجالة أن نرصد مظاهر ثقافة الخوف في سائر أنماط الإبداع، وإنما نقف عند نمط معين من أنماط هذا الإبداع، وهو نمط الإبداع الروائي، والإبداع الروائي في منطقة الخليج العربي تحديداً لانشغالنا به في السنوات الأخيرة.

إن هاجس الخوف في الرواية الخليجية يتراءى في المضامين وفي الأشكال على حد سواء.

ففي المضامين يتراءى هذا الهاجس في الخوف الاجتماعي، والخوف السياسي، والخوف الطبقي، والخوف الميتافيزيقي، والخوف الإثنوغرافي، فضلاً عن الخوف من الحرب.

وفي الأشكال يتراءى هذا الهاجس في طبيعة الخطاب الروائي الذي يتسم بالتغامض أحياناً، ويتراءى في «العتبات» المراوغة حيناً آخر.

أولاً: تجليات الخوف في المضامين.

‌أ-        الخوف الاجتماعي:

وهو الخوف ذو المصدر الاجتماعي الناتج عن الضغوط الاجتماعية المعنوية أو المادية على الأفراد، ويتراءى لنا هذا النمط من الخوف في كثير من الأعمال الروائية الخليجية.

ويكفي أن نتمثل هنا بثنائية «أظاليل طلح المنتهى» لعبدالحفيظ الشمري، و «نافذة الجنون» لعلي أبي الريش، و «القارورة» ليوسف المحيميد.

ففي الجزء الثاني من «أظاليل طلح المنتهى» للشمري نقابل ثلة من الشباب يخشون وطأة الضغوط الاجتماعية فينزوون في شقة وينغمسون في اللهو بقوة تضاهي قوة المنع.

وهؤلاء الشباب ينتمون إلى شرائح اجتماعية ومهنية مختلفة؛ فـ «العربي فرقنا» طبيب مخلوع وفنان تشكيلي، وهو مؤسس مشروع الشقة التي سموها «عرين السباع»، و «دحام المداوي» شاعر حالم، و «صقر المعنى» مطرب شعبي، و «ضاحي الأبرق» كاتب، و «خليل المهبد» و «خويلد الأملس» معلمان، و «مبارك راعي الربابة» عازف شعبي، و «حمد المزين» ضابط، أي أن هؤلاء الشباب لم يكونوا من حثالة المجتمع، وإنما كانوا يمثلون أهم الشرائح الاجتماعية، وهو ما يعني أن انزواءهم كان عن وعي وإصرار وهروب وتحد، وليس عن صعلكة وجنوح أو نزوة عارضة؛ فالذات الاجتماعية التي يمثلها «جند لحيان الأجرب»([viii]) و «حرس الفضيلة»([ix]) و «فرق مكافحة الحريات العامة»([x])، وما إلى ذلك من الهيئات الاجتماعية التي تبالغ في قمع الذات الفردية ومطاردتها ومحاصرتها، هي التي أرعبت هؤلاء الشباب وأدت بهم إلى التنفيس عن كبتهم بهذا الأسلوب الذي ينخر القيم الاجتماعية.

وهذه الذات الاجتماعية لا تمارس ضغوطها المخيفة في المدينة التي أضحت في نظر هؤلاء الشباب «متاهة معاندة»([xi]) محاصرة بالممنوعات(*)، وإنما تمارس تلك الضغوط في البيوت كذلك؛ فبعض هؤلاء الشباب كانوا «يهربون من جحيم الصمت في بيوتهم المثقلة دوما بالممنوعات والمحرمات والمؤجلات والمستحيلات»([xii])، على حد تعبير الراوي في «جرف الخفايا».

وفي جلسة من جلسات الطرب بـ «عرين السباع» يتشاجر «صقر المعنى» عازف العود وزميله «مبارك» عازف الرباب، ويستفحل الخصام بينهما فيضطر «المداوي» أن يباعد بينهما فيأخذ «المعنى» إلى غرفة فوق سطح منزل والده المتزمت ويستضيفه أياماً ريثما يصلح بينه وبين غريمه ومنافسه، ولكن «المعنى» يختفي فجأة، فينبري رواد «العرين» جميعهم للبحث عنه حتى نهاية الرواية دون جدوى.

وتحوم الشكوك حول كثير من الجهات المتصلة بالذات الاجتماعية على إثر إبلاغ الأمن بـ «جرف الخفايا» عن اختفاء «صقر المعنى»؛ وخاصة بعد توسل والدة الغائب إلى الأمير كي يساعدها في العثور على ابنها؛ فقد شكل الأمير لجنة لمتابعة هذه القضية التي شغلت الناس، ولكن همة هذه اللجنة ما لبثت أن اعتراها الفتور والملل، وخاصة بعد تلقيها بلاغات كثيرة عن اختفاء عدد كبير من الناس بـ «جرف الخفايا»، وهو ما يضاعف خوف هؤلاء الشباب ويزيد من انزوائهم في قوقعتهم التي يسمونها «عرين السباع».

وفي «نافذة الجنون» لعلي أبي الريش نقابل بطل الرواية السلبي الذي يحس بثقل القيم الاجتماعية عليه فيحاول أن يتمرد عليها، ولكنه يرمى بالجنون ويصبح همه الوحيد في الحياة هو أن يثبت رجاحة عقله للذات الاجتماعية، تلك الذات التي تقمع نزعاته الفطرية وتشل إرادته فيتجذر الخوف في صدره:

«يا إلهي! كلما حاولت أن أنسى يداهمني الخوف»، يقتحم حياتي، لا أحد يستطيع أن يقطع الخوف من صدري، بل كلما حاولت أن أفعل شعرت أن خوفي يقتعلني من جذوري»([xiii]).

وفي «القارورة»([xiv]) ليوسف المحيميد نقابل «منيرة الساهي» بطلة الرواية التي تعبر عن هواجس الخوف التي تكابدها المرأة في مجتمع لا يعترف بمواهبها وحقها في التفكير والإبداع فتضطر أن تعيش داخل شرنقة الصمت والرعب محتملة مسؤولية كونها مخدوعة.

إن «منيرة الساهي» الكاتبة الصحافية اللامعة تحاصر من الذات الاجتماعية الساخرة من فكرها وإبداعها، وعندما تلمع في سمائها الغائمة بارقة أمل تنصفها، تكتشف أنها كانت بارقة زائفة؛ ذلك أن «حسن العاصي» يتملقها ويمثل دور المعجب بكتاباتها منتحلاً اسم الرائد «علي الدحال»، ويستطيع أن يتقمص دوره بإتقان فيبدو رجلاً مهذباً محترماً ويقنعها بالزواج منه، كي تكتشف فيما بعد أنه كان حارساً صغيراً عند باب مكتب أخيها الضابط «صالح»، وأنه كان متزوجاً وأبا لعدد من الأطفال، وعندما يكتشف زيفه في حفل زفافها تحمل مسؤولية ما حدث وتحاصر من الذات الاجتماعية ومن أفراد عائلتها، فتقبع في غرفتها تجتر هواجس الخوف، وخاصة من أخيها محمد العائد من «أفغانستان».

‌ب-   الخوف السياسي:

وهو الخوف ذو المصدر السياسي الناتج عن قمع السلطة السياسية لأصحاب الرأي المخالف من الأفراد، ويتراءى هذا النمط من الخوف في كثير من الأعمال الأدبية التي تعرف عادة بـ «أدب السجون».

ويمكن أن نتمثل لهذا النمط من الخوف برواية «شرق المتوسط» لعبدالرحمن منيف، ورواية «حز القيد» لمحمد عيد العريمي.

في «شرق المتوسط» لمنيف نقابل «رجب إسماعيل» الشاب المثقف الذي يجرؤ على ممارسة العمل السياسي المحظور فتقتحم الشرطة منزله الذي كان يأويه وأمه وشقيقته «أنيسة» وزوجها «حامدا» وأبناءهما، وتلقي به في غياهب السجن، حيث يُنكّل به تنكيلاً يفقده صوابه وملامحه الإنسانية.

إن «رجب إسماعيل» يكتم خوفه في البداية ويمتنع عن تنفيذ أوامر جلاديه الذين كانوا يريدونه عميلاً لهم، ولكنه ما يلبث أن ينهار بفعل التعذيب فيوقع على وثيقة التعاون معهم مقابل الكف عن تعذيبه والسماح له بالسفر إلى فرنسا كي يعالج مما أصابه في السجن.

وقد كان «رجب إسماعيل» يخاف من التعذيب، ويخاف من الانهيار، ويخاف من اتخاذ أهله وأقاربه رهينة، كما كان يخاف من طول مدة سجنه واستمراره في المعتقل:

«هل تنقضي هذه السنون وأخرج مرة أخرى؟ سبع سنين.. ست سنين، ما أطولها: آلاف الأيام انتهت ولم نقض بعد نصف المدة التي حكما بها. هل تنتهي المدة؟ ألا يستطيعون أن يلفقوا لها تهمة جديدة ونقضي في السجن خمس سنين أخرى؟ إنهم قادرون على كل شيء!» ([xv]).

وتدور أحداث رواية محمد عيد العريمي الموسومة بـ «حز القيد» في فضاء متخيل، وهو فضاء «قحطين»، ولكن ذلك الفضاء كان ينضح واقعية وراهنية بما يتخلله من إسقاطات ومواقف وأفكار تحيل على منطقة من مناطق الخليج العربي، كما يبدو من خلال الفصل الأول المعنون بـ «حكاية البداية»([xvi]).

ومحور هذه الرواية هو «علي الناصر»الفقير الذي كان يعمل بإحدى الشركات، ويتعرف على زميله «سعد ثابت بن مرة» مصادفة على إثر مشاركته في ندوة ثقافية أظهر فيها شجاعة نادرة في التعبير عن آرائه السياسية ودفاعه عن سكان مناطق أطراف المدينة الذين كانوا يعانون من «فجيعة غياب معظم الخدمات الأساسية الضرورية للإنسان.. تلك التي اجتمعت لتزيد من عزلة المكان وتعزز من هامشيته، فظل كما كان دائماً مرتعاً لويلات الفقر والمرض والأمية»([xvii]).

وقد تركت آراء «سعد» أثراً في نفس «علي الناصر» الذي كان ينتمي إلى أولئك البؤساء الذين ينحدرون من أطراف المدينة الفقيرة، ولذلك فإنه يتجاذب أطراف الحديث مع «سعد» معبراً عن إعجابه بجرأته، ويقبل دعوته لمشاهدة فيلم سينمائي.

وفي قاعة السينما يتصرف «سعد» متذرعاً ببعض الأسباب الطارئة التي تحول دون متابعة الفيلم، وقبل نهاية العرض يفاجأ «علي الناصر» برجال الأمن والعساكر يداهمون قاعة السينما ويتحققون من هويات المشاهدين فيعتقل «علي الناصر» بتهمة علاقته بـ «سعد» المتهم بتشكيل تنظيم سري مناهض لنظام الحكم، ويحاول أن يدافع عن نفسه أمام المحقق المقدم «إبراهيم منصور» الذي ينصحه بالاعتراف والتعاون مع الأمن، ثم ينقله إلى معتقل «مراغة البعير الأجرب» الفظيع، حيث يعذبه «العقيد سليمان الخازوق» الدموي السادي الذي يجد متعة في تعذيب السجناء، محاولاً انتزاع اعترافه بذنب لم يقترفه؛ فكل ما في الأمر أن «سعداًَ» ـ أو «رأس الأفعى» كما يسميه رجال الاستخبارات ـ استغل عفويته وحسن نيته ليستخدمه «وسيلة للتمويه»([xviii])، على حد تعبيره.

وفي السجن يتعرف «علي الناصر» على بعض زملائه في الشركة، وفي مقدمتهم «ظافر» مدير التموين الذي كان رئيسه في العمل، الذي اكتشف فيه رجلاً صلباً عنيداً لا يبالي بتنكيل «العقيد سليمان».

وبعد أشهر من مكوث «علي الناصر» في «المراغة» يفاجئه «العقيد» في زنزانته بابتزازه ومقايضة حريته بشهادة زور؛ ذلك أن العقيد السادي كان قد تمادى في تعذيب «ظافر» حتى لفظ أنفاسه وأراد أن يتنصل من مسؤوليته عن موته بالتواطؤ مع «الدكتور عارف» طبيب السجن، زاعماً أنه قد مات منتحراً، وهو يريد منه أن يكون شاهداً على ذلك مقابل إطلاق سراحه.

وهنا نرى «علياً الناصر» يعاني من خوف التعذيب على يدي ذلك العقيد الدموي الذي كان يستمتع بإراقة دمه وكسر عظامه وإرهاقه نفسياً.

‌ج-    الخوف الطبقي:

وهو خوف متبادل بين الطبقات الاجتماعية، وخاصة الطبقة الإقطاعية والطبقة الفقيرة، ويتراءى هذا النمط من الخوف في كثير من الأعمال الروائية الخليجية، من مثل أعمال «عبده خال»، وأعمال «عبدالحفيظ الشمري»، وأعمال «عبدالله خليفة»، وأعمال «علي أبي الريش».

ففي رواية «عبده خال» الموسومة بـ «الموت يمر من هنا»([xix]) نرى «السوادي» الإقطاعي الظالم الذي يبث الرعب في نفوس الفلاحين الفقراء بقرية «السوداء» المعزولة التي تعاني من اكتساح الطوفان والقحط والجوع، ولكنه في الوقت نفسه يخشى أولئك الفلاحين وينزوي في قلعته الحصينة خوفاً من انتقامهم.

وفي رواية «فيضة الرعد»([xx]) للشمري نرى سكان القرية الفقراء يعانون من القحط والسيول والنكبات والحروب مع القبائل والقرى الأخرى، إلا أن المصدر الأول لمعاناتهم هو الإقطاعي «حدران الكيس» شيخ القبيلة الذي كان يبذل كل ما في وسعه لإذلالهم واستعبادهم واستغلالهم والاستيلاء على ما يأتيهم من مساعدات حكومية شحيحة، ولذلك فإنهم كانوا يمقتونه في صمتٍ خوفاً من بطشه، ما عدا «غزالة الملاحي» التي كانت تجرؤ على مقارعته جهراً، ولذلك فإنه كان يخشى أن تفضحه في الصحف التي كانت تنشر فيها مقالاتها مشهرة به.

وفي رواية «زينة الملكة»([xxi]) لعلي أبي الريش يطالعنا نموذج آخر من نماذج الإقطاع المخيف يتمثل في «النوخذة أحمد بن سلطان» الذي يهيمن على البحر (في مقابل الأرض) ويضطهد البحارة الذين يعملون في سفنه، على نحو ما يفعل بـ «يوسف الراوي» (زوج زينة) الذي يغرقه في اليم طمعاً في الاستيلاء على زوجته الجميلة.

وفي رواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة نقابل النوخذة «محمد سرحان» الذي تمخر سفينته عباب البحر بحثاً عن اللآلئ في الأعماق مسخراً عدداً كبيراً من البحارة الفقراء الذين يعانون خوفاً من الغرق والحيتان المفترسة وسياط النوخذة التي تلهب جلودهم.

ويحاول «مطر» ـ أحد هؤلاء البحارة ـ أن يستعطف النوخذة كي يعفيه من الغوص؛ لأن أذنيه كانتا تؤلمانه وتنزان دماً، ولكنه يرفض بشدة، ويغوص «مطر» مضطراً، ولكنه ما يلبث أن يطفو على سطح البحر والنجيع يتدفق من فمه وأذنيه فيموت ويقبر بين الأمواج، بينما كان البحارة صامتين واجمين، ما عدا العجوز «موسى الملا» الذي كان يردد «إنا لله وإنا إليه راجعون»([xxii])، و «علياً» الذي راح يتساءل في ثورة مكبوتة: «هل مات أم قُتل؟» ([xxiii]).

وتهب رياح وعواصف هوجاء فيغير النوخذة مسار السفينة طلباً للنجاة ويفقد عدد من البحارة، وبعد أهوال وصراع مرير ترسو السفينة على شاطئ ناء مجهول، وتبدأ رحلة جديدة عبر الفيافي والصحارى الملتهبة، وتضيع حصيلة اللآلئ التي كان يحتفظ بها النوخذة في حزامه، فيأخذ البحارة في البحث عنها بين الرمال حتى يعثروا عليها ويعيدوها إليه، بينما كان «علي» البحار يحرض زملاءه على الاستيلاء على تلك اللآلئ وتوزيعها على الجميع بالتساوي، وفي نهاية المطاف يقع النوخذة وبحارته في قبضة قطاع الطرق الذين يستولون على تلك اللآلئ.

إن البحارة كانوا يخافون النوخذة بالرغم من انفرادهم به في الخلاء، كما كان النوخذة يخاف تمردهم عليه وبطشهم به، ولذلك نراه يتملقهم ويدعوهم إلى الاتحاد والصمود أمام العواصف الرملية في نغمة إنسانية جديدة على أسماعهم([xxiv]).

‌د-      الخوف الميتافيزيقي:

وهذا النمط من الخوف ينجم عن المعتقدات الخرافية والأسطورية، من مثل السحر والشعوذة والجان والشياطين، وما إلى ذلك.

ويطالعنا هذا النمط من الخوف في روايات كثيرة، وخاصة في روايات «سعود بن سعد المظفر»، و «علي أبي الريش»، و «رجاء عالم».

ففي رواية «المعلم عبدالرزاق»([xxv]) يلجأ سعود المظفر إلى أسلوب الواقعية السحرية أو العجائبية؛ إذ نرى بطل الرواية «راشدا» ينهر كلابا دخلت إلى باحة منزله فيلوّح بعصاه كي يصرفها فتتزاحم في فتحة «الحوى» فارة، ويبلغ به الغضب حدا فيقذف تلك الكلاب بعصاه ويصيب أحدها إصابة قوية فيعوي وينكفئ على وجهه ثم ينزلق هارباً وهو يعرج.

وعندما أراد «راشد» أن يلتقط عصاه لم يجدها، وبعد أيام رأى عجوزاً أعور أسود البشرة في سوق السمك وهو يعرج ويتكئ على عصاه المفقودة، فأخذ يلاحقه عسى أن يسترد عصاه، ولكن العجوز رفض إعادتها إليه وتوعده بالانتقام منه؛ لأنه آذى «مخلوقات الله» من سكان الليل، ثم اختفى فجأة وكأن الأرض قد ابتلعته.

ومنذ ذلك اليوم أخذت الكلاب السوداء ترعب «راشداً» وتطارده أينما حل، كما أن ابنته «زيانة» تقع على الأرض بلا حراك وقد اصفر وجهها هلعاً وسال لعابها.

ويعرض «راشد» ابنته على «المعلم عبدالرزاق» الذي يمتلك قدرة خارقة على معالجة الممسوسين والمسحورين، فيدخل في معركة عجيبة مع الجن تنتهي بالمصالحة وقبول ذبيحة قرباناً.

وفي رواية «نافذة الجنون» لعلي أبي الريش تخاف والدة بطل الرواية على ابنها من المس فتلجأ إلى السحر والشعوذة وتغطس خاتمها في الماء ثم تطلب منه أن يشرب كي تبعد عنه «الشياطين»، كما أن «أبا فرج» يدخل الزريبة بعد سماعه نباح الكلاب ويخرج منها وهو يهذي بعبارات مبهمة ويمزق ملابسه، كما تروي والدته([xxvi]).

وتعج رواية «سيدي وحدانة» لرجاء عالم بأعمال السحر والسحرة، من أمثال «جمو» ابنة الشيخ «محمد الدين بيكوالي» التي كانت «ذات سطوة»([xxvii]) في عالم السحر، ولذلك فإن الآخرين يتقربون منها ويخشون سطوتها.

‌ه-       الخوف الإثنوغرافي:

وهذا نمط من الخوف لا نكاد نجده إلا في الرواية الخليجية تحديداً؛ وذلك لملابسات تاريخية تتصل بظاهرة العمالة الوافدة التي تشكل نسبة عالية بالقياس إلى السكان المحليين في بعض الأقطار الخليجية، ومن هنا لا نستغرب عندما نرى كتاباً من أمثال محمد المر وإبراهيم مبارك وعلي أبي الريش يدقون ناقوس الخطر في كثير من أعمالهم السردية، ويكفي هنا أن نستأنس برواية «السيف والزهرة» لعلي أبي الريش.

ففي هذه الرواية نرى البحار «خلفان» يصارع الموج بقاربه الصغير، فإذا بقادم غريب «يرتدي سروالاً فضفاضاً وقميصاً طويلاً انسحب حتى حاذى ركبتيه» يقترب من القارب على متن يخته الآلي السريع ويعرض مساعدته، فيرتاب «خلفان» فيه ويرفض مساعدته، فيبتعد ثم يعود مرة أخرى ليكشف عن نواياه طالباً المساعدة على تهريب بعض الوافدين إلى البر بطريقة غير شرعية مقابل رشوة، ومنذ هذه الحادثة تطرح مسألة العمالة الأجنبية في الرواية، وتترى أخبارها.

ففي اليوم الثاني نرى «خلفان» يبيع سمكه على الشاطئ، فيسمع صوتاً يحذر الزبائن من شراء السمك، لأنه «مسمم»؛ فقد «وجدوا جثث آدميين مسجاة على الشاطئ، وقد مزقت بطونها وبُترت أجزاؤها»([xxviii]).

ذلك أن الرجل الغريب تخلص من العمالة الوافدة التي كان يريد تسريبها إلى البر بإغراقها في البحر، كي يفلت «من طائلة القانون»([xxix])؛ لأن أفراد تلك العمالة لم يكونوا يحملون جوازات سفر.

لقد أرعبت هذه الحادثة الناس كثيراً بعد أن لفظ البحر جثث الضحايا في «الخور» و «الغبة» وصدرت تعليمات تحذر صيادي السمك من المجازفة وركوب البحر، فكانوا يجلسون قلقين في «ديوانية» أبي صالح (وهو صاحب مزرعة) الذي كان يتمتم في حزن وأسى: «البحر أصبح ملكاً لغيرنا»([xxx]).

وفي «حلم كزرقة البحر» لأمنيات سالم تستعيد بطلة الرواية ذكرياتها بأسلوب قريب من السيرة الذاتية وتعبر عن خوفها من ذلك الآخر خوفاً إثنوغرافيا؛ إذ أن ذلك الآخر ـ وهو هندي في هذه الرواية ـ يغدو بعبعاً أو فزاعة بالنسبة إلى الأطفال؛ لأنه يمكن أن يعتدي عليهم فيخطفهم أو يغتصبهم، ولذلك يحرص الأطفال على امتلاك سكين للدفاع عن أنفسهم إذا حاول أولئك الأغراب التعرض لهم([xxxi])!

والآخر في الروايات الخليجية لا يشكل خطراً أمنياً حسب، وإنما يشكل خطراً حضارياً؛ لأنه يسهم في تحطيم الهوية التي ترمز إليها الجدة أو الأب في رواية أمنيات سالم؛ وهو ما يفسر خوف بطلة هذه الرواية المستمر من موت جدتها أو موت أبيها: «ماذا سأفعل لو مات أبي أو جدتي؟.. أموت أنا لا بأس، لكن هؤلاء لا.. (كم) يثقل رأسي هذا القلق!» ([xxxii]). ذلك ما تفصح عنه بطلة الرواية في سياق التعبير عن حنينها إلى الماضي الذي أخذت ملامحه تتلاشى في سياق التحول الثقافي والاجتماعي والحضاري الذي تشهده منطقة الخليج.

وقد يتخذ الخوف الإثنوغرافي بعدا آخر في الرواية الخليجية، وهو البعد «الكولونيالي» أو الاستيطاني؛ إذ أن هذا الآخر في بعض الأعمال الروائية الخليجية يصبح مصدر خوف على الثروة والوطن، وهو ما تومئ إليه بعض شخصيات رواية «نباح» لعبده خال على سبيل المثال([xxxiii])، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض شخصيات رواية «علي الدميني» الموسومة بـ «الغيمة الرصاصية»([xxxiv]).

‌و-     الخوف من الحرب:

وهذا النمط من الخوف يتراءى لنا في كثير من الأعمال الروائية التي تناولت حرب الخليج خاصة(*)، وفي كل تلك الأعمال كان الناس يعبرون عن خوفهم من تلك الحرب العبثية المدمرة؛ فكلما انطلقت صفارات الإنذار يهرع الناس إلى الملاجئ خوفاً من صواريخ «سكود»([xxxv])، وكلما عادوا إلى بيوتهم سدوا حواف نوافذ بيوتهم بالأشرطة اللاصقة «منعاً لتسلل غازات السلاح الكيماوي المحتمل»([xxxvi]).

* * *

هذا عن هاجس الخوف في مضامين الرواية الخليجية، أما عن هاجس الخوف في أشكالها، فإنه يتراءى في طبيعة الخطاب الروائي الذي يتسم بالتغامض والإغراق في الرموز أحياناً، كما يتراءى في «العتبات» المراوغة التي تدرأ الشبهات عن الكاتب أحياناً أخرى.

ويمكن أن نتمثل برواية «الغيمة الرصاصية» لعلي الدميني في هذا المقام؛ فهذه الرواية تقوم على مجموعة من الأحداث المتداخلة أو المتوازنة التي يمكن أن تتواصل فيما بينها بطريقة غير مباشرة، ولكنها تظل منفصلة عن بعضها من حيث البناء والزمن والسرد والشخصيات، وهو ما يجعل بناءها بناء مفتوحاً أو نصاً سردياً مفتوحاً على تأويلات يمكن أن تتعدد بتعدد القراء.

وما من شك في أن مثل هذا الخطاب الروائي لا يقدم معنى جاهزاً، وهو ما يومئ إلى رغبة المبدع في النأي عن المساءلة وخوفه من مواجهات السلطة الاجتماعية أو السلطة السياسية.

وبطبيعة الحال فإننا لا نزعم أن كل الأعمال الروائية الخليجية التي تتسم بالغموض أو التغامض تعكس الخوف من السلطة الاجتماعية أو السلطة السياسية؛ إذ أن اللجوء إلى مثل هذا الخطاب يمكن أن يعكس الرغبة في النأي عن المباشرة والتقريرية أو الرغبة في مواكبة أساليب ما بعد الحداثة، فضلاً عن الرغبة في الإفادة الإبداعية من فلسفة التأويل (الهرمنيوطيقا).

أما ما يتصل بـ «العتبات» فإن الذي يهمنا منها تحديداً هو عتبة «المقدمة» التي تعبر في كثير من الأحيان عن توجس الكاتب خيفة من السلطات الاجتماعية والسياسية.

فالكاتب عندما يقدم لروايته لافتاً نظر القارئ إلى أن أحداثها خيالية بعيدة عن الواقع وأن «أي شبه بين أشخاص وأحداث هذه الرواية وبين أشخاص حقيقيين وأحداث حقيقية هو مجرد مصادفة»، على نحو ما ورد في مقدمة الدميني لرواية «الغيمة الرصاصية»، يعبر ضمناً عن خوفه من تبعات إبداعه ويحاول أن يدرأ عنه أي شبهة قد تؤلب عليه السلطات الاجتماعية أو السياسية.

* * *

وأيا ما يكون الأمر، فالذي نخلص إليه أن هاجس الخوف في الرواية الخليجية يتراءى في المضامين والأشكال على حد سواء، وهو لا يختلف عن هاجس الخوف في الرواية العربية أو العالمية، سواء في مصادره وأسبابه أم في نتائجه وتجلياته، ولكنه أحياناً يتلون بألوان محلية تميزه من حيث العرض لا من حيث الجوهر، وهو ما يبدو لنا في هاجس الخوف الإثنوغرافي أو هاجس الخوف من الحرب في الرواية الخليجية.


 

([i])   الدكتور أسعد رزوق: موسوعة علم النفس. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الرابعة. بيروت 1992. ص109.

([ii])  المرجع نفسه. ص110-120.

([iii]) الدكتور عبدالعلي الجسماني: علم النفس وتطبيقاته الاجتماعية والتربوية. الدار العربية للعلوم. الطبعة الأولى. بيروت 1994. ص295.

([iv]) يرجع إلى «المعتقدات الكنعانية» للأستاذ خزعل الماجدي. دار الشروق للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى. عمان 2001. ص68.

([v])  المرجع نفسه. ص69.

([vi]) يرجع إلى كتاب الدكتور عماد حاتم الموسوم بـ «أساطير اليونان». الدار العربية للكتاب. طرابلس (ليبيا) 1988. ص64.

([vii])    المرجع نفسه. ص67.

([viii])   عبدالحفيظ الشمري: جرف الخفايا. دار الكنوز الأدبية. الطبعة الأولى. بيروت 2004. ص14.

([ix]) المصدر نفسه. ص10.

([x])  المصدر نفسه. ص11.

([xi]) المصدر نفسه. ص49.

(*)       في موقف من مواقف الرواية يعبر «خليل المهبد» عن محاصرة الممنوعات له على النحو الآتي: «أطلب قهوتي. أفضلها مرة كاوية. أتلذذ باحستائها وأنا أرقب حركة الشارع. ترتكز نظرتي على محلين متجاورين في الجهة المقابلة، واحد كتب عليه «ممنوع دخول الرجال» وآخر كتب عليه «ممنوع دخول النساء»، وبين هذا وذاك هناك سلسلة ممنوعات تذكر في هذا الشارع؛ ممنوع التدخين، ممنوع الدّيْن، ممنوع الوقوف، ممنوع الانتظار.. لم أر أي لوحة تشير إلى عبارة مسموح، فلزوم الخفاء أن تدجج العابرين والمتسوقين بعبارات النواهي والزواجر» (ص170 من «جرف الخفايا»).

([xii])    جرف الخفايا. ص10.

([xiii])   علي أبو الريش: نافذة الجنون. مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع. أبو ظبي (د.ت). ص30-31.

([xiv])   يوسف المحيميد: القارورة. المركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى. الدار البيضاء / بيروت 2004.

([xv])   عبدالرحمن منيف: شرق المتوسط. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة التاسعة. بيروت 1993. ص29.

([xvi])   محمد عيد العريمي: حز القيد. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى. بيروت 2005. ص13.

([xvii])  المصدر نفسه. ص16.

([xviii]) المصدر نفسه ص20.

([xix])   عبده خال: الموت يمر من هنا. منشورات الجمل. الطبعة الأولى. كولونيا (ألمانيا) 2004.

([xx])    عبدالحفيظ الشمري: فيضة الرعد. دار الكنوز الأدبية. الطبعة الأولى. بيروت 2001.

([xxi])   علي أبو الريش: زينة الملكة. منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. الطبعة الأولى. الشارقة 2004.

([xxii])  عبدالله خليفة: اللآلئ. دار الفارابي. الطبعة الأولى. بيروت 1981. ص15.

([xxiii]) المصدر نفسه. ص13.

([xxiv]) يرجع إلى المصدر نفسه. ص60.

([xxv])  سعود بن سعد المظفر: المعلم  عبدالرزاق. مطابع النهضة. الطبعة الأولى. عمان 1989م.

([xxvi]) يرجع إلى «نافذة الجنون» لعلي أبي الريش. ص8.

([xxvii])          رجاء عالم: سيدي وحدانة. المركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى. الدار البيضاء / بيروت 1998. ص10.

([xxviii])         علي أبو الريش: السيف والزهرة. مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع. الطبعة الأولى. أبو ظبي 1984. ص9.

([xxix]) الصفحة نفسها.

([xxx])  المصدر نفسه. ص12.

([xxxi]) يرجع إلى «حلم كزرقة البحر» لأمنيات سالم. منشورات الجمل. الطبعة الأولى. كولونيا (ألمانيا) 2000. ص29؟

([xxxii])          المصدر نفسه. ص49.

([xxxiii])         يرجع إلى «نباح» لعبده خال. منشورات الجمل. الطبعة الأولى. كولونيا (ألمانيا) 2004. ص231.

([xxxiv])         يرجع إلى «الغيمة الرصاصية» لعي الدميني. دار الكنوز الأدبية. الطبعة الأولى. بيروت 1999 ص126-127.

(*)       من الأعمال الروائية التي تناولت حرب الخليج:

         أ- «القارورة» ليوسف المحيميد.

         ب- «الغيمة الرصاصية» لعلي الدميني.

         ج- «نباح» لعبده خال.

([xxxv]) يوسف المحيميد: القارورة. المركز الثقافي العربي / بيروت 2004. ص10.

([xxxvi])         المصدر نفسه. ص11.