
"بين الصحراء والماء"..العمل الروائي الثاني
للعريمي
الرواية لا تشكل عملا ذهنيا خاصا بالكاتب
وتعقد مع المتلقي الانعتاق من جغرافية
المكان.. مدينة صور وثقها الكاتب من خلال
تفاصيل تقليدية عززت من مكانتها التاريخية
والبحرية
رافق العريمي في هذه المسافة: أحمد بن سالم
الفلاحي *
"بين الصحراء والماء"... هو العمل الروائي
الثاني الذي عبر عن سيرة الزمان والمكان لحياة
القاص، والكاتب والروائي محمد بن عيد العريمي،
الذي سبق وأن أصدر كتاب مذاق الصبر، ورواية حز
القيد، وقوس قزح” مجموعة قصصية، ونصوص قصيرة".
"بين الصحراء والماء" ليست عملا متخيلا لذاكرة
تستنطق الفراغ لتوجد صورة واهمة، ولكنه يجسد
حالة اجتماعية، وحراكا اجتماعيا لطالما عانقته
البشرية منذ اليوم الأول لميلاد هذا الإنسان،
والى اليوم الأخير من حياته. "وما ان ابتعدت،
حتى انتابني حزن عميق.. شعرت اني قد فقدت كل
ما يمت لي بصلة إلى الرمال.. ولم يعد هناك ما
يربطني بهذا المكان غير ذكريات باهتة، وحكايات
جدتي عن جدها الظفري".
"وادي المر"؛ ذلك المنشأ الطفولي لمناخات
الكاتب الأولى نحو الحياة بكل تفاصيلها، هي
أيضا ليست حالة ذهنية خاصة، ففيها تطواف يأخذ
بعدا مكانيا يبدأ من الريف وينتهي بالمدينة،
هذا الريف المخضب بقيمه، ومثله، ومثاليات
أبنائه، وبساطتهم أيضا؛ والمدينة بكل تفاصيلها
المحبوب منها والمذموم، التي تتشابك فيها
مصالح أبنائها فتوحدهم، وقد تزرع بينهم
الشقاق، المدينة التي تنزع ـ في صورتها العامة
ـ إلى التنصل عن القيم، ولا تعترف الا بروح
المادة التي تتراوح حقيقتها بين الربح
والخسارة. " الشمروخ لم تكتف بالحضور الى
السوق سافرة الوجه بصحبة مجموعة من الفتيان
يلاحقهم دونية السلوك ووضاعته، بل صعدت مت
توتر علاقتها ببعض رموز السوق الذين ظلوا
يمقتون وجودها بينهم منذ حضورها بتدخين
السيجارة علنا بعد ان ظلت تتعاطاها سرا مع
أصحابها خلف المقهاية".
حلم المدينة الدائم
العريمي وان بدا للوهلة الأولى أنه يعيش حالة
خاصة، ولكنه يعبر عن مرحلة زمنية هامة في حياة
كل البشرية عندما تعبر عن حراكها الاجتماعي
المستمر، هذا الحراك الذي عبرت عنه القبائل
العربية ـ بني ذبيان، وبني عبس، وبني مرة،
وغيرها؛ في تطوافها الجميل، من المشرق إلى
المغرب، ومن المغرب الى المشرق، في صورة ـ وان
غدت متكررة ـ ولكنها عبرت عن الرغبة في البحث
عن الجديد، وفي البحث عن معنى الاستقرار، وعن
نزق هذه النفس التي لا تهدأ بقدر ما تعانق
الرحيل، حيث تعيش حالة رحيل دائمة.
"بين الصحراء والماء" قد لايريدها العريمي
بذاتها المطلقة، بقدر ما يعبر عن مرحلة زمنية
أصبح فيها الرحيل والتنقل لا زم من لوازم
المدنية، في صورها المختلفة، التي بدأت تتشكل
في ذهن من استطاع الانعتاق من ديمومة البقاء،
والتكرار، في قرية او ريف قد لا يحقق للواحد
منا حلم الارتقاء، وهذا الانعتاق – أيضا – لا
يجيده إلا اؤلئك الذين استوطن أنفسهم ذلك
القلق الخفي لمعنى حياة جديدة، تستشرف أفقا
جديدا – وان بدا بعيدا جدا ـ هذا الاستنطاق
المرحلي لحياة مرتقبة لا يستحضره أيضا إلا ذوو
النجابة، وذوو الأبعاد الفكرية التي ترى ما
وراء الأفق."ولطالما نسجت لتلك المدينة صورا
خيالية في رأسي وان أرهف السمع لحديث بعض رجال
القرية او أقاربي الذين مروا بالمدنية او
عاشوا فيها، وهم يتحدثون عن أهميتها بوصفها
الميناء الرئيسي للمنطقة والجسر الذي عبر عليه
سكان المنطقة الشرقية في هجراتهم الى شرف
أفريقيا وأسفارهم الى الهند والى مدن الخليج
العربي".
ولذا لا يوقعنا المهندس محمد عيد العريمي في
فخ الارتباك، عندما نعيش التوحد والانزواء مع
"بين الصحراء والماء" بقدر ما نستحضر معه تلك
الصورة الطفولية التي عشناها، ونحن نحلم بأن
نزور احد الحواضر المشهورة في ذلك العمر
الطفولي الجميل، فكيف يكون الحال عندما يتحقق
لنا العيش فيها، هي حالة ليست استثنائية
بالطبع، ولكن محمد العريمي استطاع بحنكته
القصصية ان يجعل منها صورة متخيلة تحمل بين
جنباتها رؤى خاصة، تحمل خصوصية المكان الذي
ولد فيه وهو "وادي المر"، والشخصيات التي
تفاعلت مع الحدث ومنها شخصية الكاتب نفسه،
والمسافة الواصلة بين وادي المر، و"فلقة موسى"
بأسطوريتها، وبين صور؛ هذه المدينة الرائعة،
التي لم تكن حلم الوصول إليها لمن يعيش في
"وادي المر" فقط، بقدر ما كانت حلم كل
الساكنين في الجزء الشرقي من سلطنة عمان، هذه
المدينة الاستثنائية في بعدها الجغرافي،
والتاريخي، والبحري، حيث كانت – ولا تزال ـ
حاضرة الشرقية بلا منازع.
وهي المدينة التي شدت اليها الرحال – كما يذكر
لنا كبار السن من ابائنا – الذين سافروا الى
شرق افريقيا على وجه الخصوص، والذين شدوا
اليها القوافل الواحدة تلو الأخرى وذلك لبيع
البسر العماني، ويقايضوه بمختلف السلع الآتية
من الهند، وشرق افريقيا، ودول الخليج العربي.
وبهذا شكلت هذه المدينة – ليس عند العريمي
فقط، او ساكنيها – ولكن عند كل من ارتبط
وجدانيا وفسيولوجيا بهذه المدينة، هذا بخلاف
حالات النسب التي ولدت من جراء هذا التواصل
المستمر، والمناخ الدائم لهذه القوافل.
اسقاط الأسطورة على المكان
وهذه "الجدة" التي شكلت عند العريمي المناخ
المعرفي الخصب في " بين الصحراء والماء" هي
نفس الجدة التي نقتات منها صورة المعرفة
الاولى، هي نفس الجدة التي تحلقنا حولها ونحن
صغار نستمع منها تلك الحكاوي البدائية في معنى
المعرفة، هي نفس الجدة التي حملت على عاتقها
غرس المثل، والقيم، هي نفس الجدة التي جعلتنا
نتخيل تلك الصورة المروعة في جزء من حكاياتها،
وجعلتنا نحلم بقصر جميل يتحاور فيه قيس وليلى،
وجعلتنا في الختام نلتحف السماء، ونعيش مع
النجوم ثنائية العاشق والمحروم في آن واحد.
"شعرت تلك الليلة وانا اصغي الى جدتي، بعد ان
خصتني بتلك الحكاية الممتعة ان لي حظوة في
نفسها لا يضاهيها شيء، اذ لم اسمع يوما انها
انفردت بأحد في خيمتها ن منذ ان توفي زوجها،
جدي، ولا خصت احد قبلي من افراد الاسرة
بحكاياتها".
و"فلقة وادي موسى" الأسطورة اقرب منها الى
الواقعة الحقيقية، يوثقها العريمي في "بين
الصحراء والماء"، كأحد الشواهد التي تعزز
الصورة المتخيلة عن المكان، ففي كل جزء من
أبعادنا الجغرافية، هناك أسطورة، تحكي قصة
متخيلة، قد تقترب من الواقع، وقد تبتعد عنه،
ولكنها تظل الصورة العالقة في الذهن تتداولها
جلسات الراوي في كل عصر، خاصة وانها تلقى
مرتعها الخصب، في زمن تصاب فيه المعرفة
بالقحط، والذبول، تلقى هذه الأسطورة مساحة
أكثر اتساعا فيه، وعلى الرغم من عدم اقتناعنا
بها – أحيانا ـ الا إنها تظل ضرورية لتوثيق
حالة المكان، حتى تتواصل المخيلة في طرح
أسئلتها، ليظل هناك توق الى المعرفة، واستكشاف
ما وراء المتخيل، وهذا ما دعا محمد العريمي ان
يعود الى "فلقة موسى" مرة أخرى بعد خمسة عشر
سنة من مروره هناك، ليستكشف الحقيقة الصورة من
جديد:"لم يكن السير على طريق الجمال عسيرا على
خلاف ما توقعت، ولا كان طويلا كما ظننت، وحين
دخلت فلقة موسى، لم اشعر برهبة المكان ولا
ب"قدسيته" اختفت البحيصة، ولم أجد أثرا
للمسيلة الناعمة، وأصبت بالذهول حين رأيت كهوف
المغيبين وقد تحولت الى مقالع لصخور البناء".
عشق مقدس للمكان
أناخ العريمي راحلته طويلا في المساحة التي
اتاحها لنفسه في قريته ـ منشأ الطفولة ـ
"بوادي المر"، واتخذ من المكان قدسية
الارتباط، وحتى هذه المدينة ـ صور ـ بكل
تفاصيلها الدقيقة، بكل تقليعات أبنائها، بكل
مد بحرها وجزره، لم تلغ من ذاكرة العريمي ذلك
الحنين الى مرتع الطفولة، فمع اول فرصة
للفرار، كان الملجأ الذي احتضن "عوض" هذا
القروي الذي لم تسطتع المدينة ان تحتويه، ان
تلغي منه ذاكرة الطفولة، أو جمال قريته في
"وادي المر"، وكانت الجدة، والكثبان الرملية،
والسدرة، وحتى "غدير" الذي أرعبه البحر مع اول
ملامسة له بحافريه، تركه "عوض" وفضل الفرار
حيث يمكن للنفس ان تستريح، وان تجد مرتعها
الآمن، ان تجد هويتها، ان تجد حقيقة نفسها، هي
ليست معلمة المدرسة من أوعز الى "عوض" بالعودة
الى قريته، ولكنها المدينة بأكملها لم تستطع
ان تروض هذا القروي وتعيش معه، او هو يعيش
معها حالة من التوحد الدائم، انه الحنين الى
المكان، هذا المكان الذي شكل عند العريمي
قداسة خاصة.
ولكن على الرغم من هذا العشق القدسي عند
الأستاذ محمد العريمي للمكان الذي تشكلت فيه
طفولته الأولى، لم ترعبه المدينة بكل تفاصيلها
الكثيرة، ولم يرعبه ذلك التراكم المعقد في
تكويناتها وأجزائها، بل عمد على استنطاق كل
هذه الأجزاء ولو على مراحل مختلفة:" طباعي
التي تنم عن تربية بدوية، ساهمت أيضا في خلق
هذه الفجوة، وبقدر ما كنت غريبا عليهم كانوا
هم غرباء عني وأكثر... خاصة في ألعابهم
وتساليهم تلك التي يجري معظمها داخل البحراو
على شاطئه". "صعب علي الاندماج مع أولاد
المدينة، او أهل البحر، كما أخذت أناديهم بعد
ان سمعت احددهم يدعوني بلقب بدوي، وهم لم
يألفوني أيضا". "بعد ما عرفت علاقة المدينة
بالبحر، صدقت، وأكدت لي الأيام ان كل شيء ممكن
في هذه المدينة العجيبة، وان سكانها مسكونون
بحب البحر الى درجة لهوس". "عند مدخل سوف
المسباخ توقفنا، فانفتحت أمامي ساحة واسعة تغص
بالناس على اختلاف مهنهم: دلالون، وبائعو سمك،
سقاة مع حميرهم المحملة بقرب الماء والبرسيم،
ونساء يعرضن الحلويات، وحمالون، وآخرون لم
اعرف ما يفعلون، او يبيعون". "واصلت في الأيام
التالية جولاتي الاستكشافية ما تبقى من زوايا
سوق المسباخ". وسدرة "الخيسة" التي شكلت
الحاضنة للعائدين من البعيد، "كانوا يعودون
الى وطنهم ورؤوسهم ملأى بأفكار وتجارب
وممارسات لا تعرفها المدينة ولا تعنيها بشيء:
يتحدثون عن فلسفات ونظريات غربية ومفردات لا
أحد يفهمها، يتحدثون عن سارتر، والوجودية، وعن
ماركس ولينين، والشيوعية، وعن القومية
والحرية، ويتحدثون عن الإمبريالية، ورأس المال
والاشتراكية، يتحدثون عن أشياء كثيرة، لكنهم
سرعان ما يتخلون عنها عندما لا يجدون من يفهم
حديثهم فيعاودون الحديث بلهجة أهليهم
والاستماع الى قصص البحارة، وربابنة السفن،
وعند الضحى يتجمعون تحت "سدرة الخيسة".
صدق البوح والانتماء
هذه الرموز كلها شكلت عند العريمي بدايات
انطلاق هامة في تكوين مخزونه المعرفي عن
المدينة التي بدت تشغله في كل مرة منذ وصوله
اليها، وحتى الانتهاء من استنطاق واحتواء كل
تفاصيلها، فغدت أمامه على اتساعها محتوى آخر
شكل به هذا الرصيد الذي كتب به روايته الرائعة
هذه "بين الصحراء والماء".
"إن ايت حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا
رويت بصدق"، نعم انه الصدق الذي ينقلنا من لا
شيء إلى الشيء بكل تجلياته، وحالة الصدق
المطلقة التي وثقها الأديب محمد بن عيد
العريمي في روايته "بين الصحراء والماء" صدق
الانتماء، وصدق البوح، وصدق الانفعال أحيانا،
تجليات قد لا يعي القارئ للوهلة الأولى لهذه
الرواية كل هذه الرؤى، ولكن من يعقد صفقة ود،
ويستحضر حقيقة المشهد، لا شك يدرك ذلك كله،
ويقر بروعة ما كتب هذا الذي اتخذ من الصحراء
اللاحدود للاتساع، ومن المدينة أكثر من نقطة
ابتداء.
اعتمد الكاتب في هذا العمل على اللغة السهلة
الممتنعة، في معالجة أحداث الرواية، فكانت من
السهولة بمكان احتواء ما حملته من أحداث
بالنسبة للقارئ، ولا تحتاج ابدا الى قارئ
متخصص، او مشقة في البحث عن قاموس للكلمة،
العريمي يكتب بصدق، وبالتالي فما كتبه وصل
بصدق، وحقق النجاح الذي يود، فهنيئا لعمان
بشبابها المبدعين من مثل شاكلة العريمي، وغيره
من الادباء الذين يثرون ساحتهم العمانية
بمختلف الاشتغالات الفكرية في كل مجالات
الحياة.
واذا كان هناك من سؤال يمكن يوجه الى هذا
الكاتب يتلخص عن سر استبعاده لواقعة "سفينة
الغنجة" هذه الواقعة المشهورة بالقرب من هذه
المدينة التاريخية، والمشهورة بتراثها البحري،
وذلك في منتصف القرن العشرين الماضي.
وواقعة سفينة "الغنجة" تتخذ شهرتها من هول
المأساة التي نتجت عنها، حيث فقدت اربعين
راكبا من ركابها، في حادثة اهتزت لها المنطقة
الشرقية من أقصاها إلى أقصاها.
هؤلاء الركاب الآتين من شرق افريقيا، والسفينة
وربانها من مدنية صور، والواقعة معروفة
ومشهورة، فلو وثقها العريمي في هذه الرواية
لكانت باقية تقرأها الأجيال الى يوم الدين،
فالكتاب خير حافظ لمثل هذه الأحداث، والرواية
الشفاهية تفقد قيمتها ـ يقينا ـ مع فقدان
شخصياتها.
ــــــــــــــــ
كاتب وصحفي عماني / جريدة عمان

|