قراءات رواية "بين الصحراء والمـاء"

عندما يكونُ عمَلُنا أن نكذب بصدق
عن أمسية "بين الصحراء والماء"

سليمان المعمري*

 بُعيد أمسية "بين الصحراء والماء" التي نظمتها أسرة كتاب القصة في الخامس من الشهر الجاري احتفاءً بهذه الرواية كان القاص مازن حبيب يُعيد على مسمعي ومسمع الصديق حمود الشكيلي في جلسة ضمتنا في مقهى لا يبعد كثيرا عن النادي الثقافي  فكرةً سبق أن طرحها للروائي محمد عيد العريمي وهي أن هذا الروائي يشكل ظاهرة فريدة ومُلهِمة في الأدب العُماني قد يمضي زمن طويل قبل أن تتكرر : الشق الأول من هذه الظاهرة كونه قَدِم إلى الكتابة من منطقةٍ أخرى غير منطقة الكتابة ، أما الشق الثاني انه بدأ الظهور الكتابي وهو في الخامسة والأربعين من عمره واستطاع خلال عدة سنوات أن يوجد له مكاناً في الساحة الأدبية العُمانية ، إنْ برواياته أو حتى بالترجمة عن الإنجليزية  .

لعل هذه المقدمة مناسِبةٌ للدخول إلى ثنايا أمسية احتفائية بروايةٍ في زمن مازالت فيه الروايات العمانية الجيدة تُعَدّ على أصابع اليد الواحدة ، أو اليدين الاثنتين مع قليل من التفاؤل .. ولعلها ليستْ مصادفة أن تكون أمسية "بين الصحراء والماء" هي فاتحة نشاطات أسرة كتاب القصة لعام 2008 م .. هذه الأمسية التي قدمتْها بلغة باذخة وأداء إذاعي متمكن المذيعة القطرية الزائرة للسلطنة بدرية حسن ..

 

كَتَبَه "الصبر" فكَتَبَ "القيد" :

 " يبقى أني مجرد محاولٍ أسعى لأن أكونَ كاتباًَ يُجيدُ التعبيرَ عن مواضيع مفيدة وممتعة في آن. فإذا نجحتُ فرِحتُ وإذا فشلتُ لا أنعي حالي" ، هكذا بدأ العريمي شهادتَه .. وقال انه عندما قرر خوض غمار التجربة الأولى لكتابة نص طويل، لم يكن يملك تصوراً واضحاً عن كتابة "السيرة" و"الرواية"، لذلك لم يكن معنياً كثيراً بالشكل قدر عنايته بالمضمون. وهكذا راهن العريمي على خصوصية الموضوع الذي يتصدى له ( قصته مع الإعاقة وقهرها ) وشفافية البوح ، لأنه يؤمن أن "متعة القراءة في السيرة تكمن في صدق روايتها" .. هذه المراهنة على الصدق هي – من وجهة نظري – ما حقق لـ"مذاق الصبر" هذا النجاح لدى القراء باختلاف نوعياتهم  . 

نجاح "مذاق الصبر" أغرى العريمي – كما يقول في شهادته - باختبار نفسه في نص طويل فكانت رواية "حز القيد" ، " قلت يوما إن "مذاق الصبر" كتبني، أما "حز القيد" فأنا كاتَبُها ، مختلق شخصياتها وأمكنتها وأزمنتها ومحرك أحداثها، وان مررتُ بفتراتٍ كنتُ خِلالها أمشي خلف بعض شخوص الرواية" . أما عن كتابته لـ "بين الصحراء والماء" التي اعتَبَرَها سيرة وطن ومكان قبل أن تكون سيرة إنسان فقد عزاها لحُبِّه لقريته وادي المر التي ترعرع فيها صبيا وتركت تلك السنين في نفسه تقديرا كبيرا للبدو والبادية والصحراء .

      

الناقد والمنقود :

 لفَتَ حميد الحجري الأنظار إليه كمشتغل واعٍ بالنقد بأطروحته لرسالة الماجستير التي نالها من جامعة السلطان قابوس عام 2006 م عن الصورة في شعر سيف الرحبي ، والتي ستصدر بعد ذلك في كتاب عنوانه "مخيلة الذئب" عن طريق وزارة التراث والثقافة ضمن مشروعها لنشر إبداعات الكتّاب العمانيين .. بعد أربعة أيام من مناقشة تلك الرسالة عبر سيف الرحبي في حوار إذاعي عن سعادته برؤية نواة لنقد عُماني مستقبلي ، وذلك لأن الحجري قدم تلك الرسالة "بشكل الدارس النقدي المتبصر والذي يتأسس كناقد مستقبلي وليس فقط كدارس أكاديمي يعتمد على التجميع والبحث الملفق غالباً للطلبة " .. هذه السعادة من المنقود تجاه ناقِدِه تكررتْ مرة أخرى لدى الروائي محمد عيد العريمي الذي كرر خلال الأمسية وفي مناسبتين إعلاميتين : إذاعية وتليفزيونية ، أن ما أسعده خلال هذه الأمسية هو اكتشاف أسرة القصة ناقدا حقيقيا ورصينا وانْ اختلفَ معه في بعض رؤاه حول الرواية ( أفتح قوساً هنا لأقول أنه من الصعب على أسرة القصة تبني زعم اكتشاف الناقد رغم سعادتها به ) .. هذه السعادة أيضا عبّرت عنها الدكتورة أسية البوعلي من مجلس البحث العلمي في إحدى مداخلات الأمسية والتي عَزَتْ "الحب" و"الإخلاص" اللذين كتب بهما الناقد ورقته والدقة البحثية والمنهجية الواضحة واهتمام الحجري بالتفاصيل الدقيقة لرواية "بين الصحراء والماء" إلى كونه شاباً يافعاً لم تشغله مشاغل الحياة بعد !! . 

 

سطوة المكان وسحره :

 هكذا اختار الحجري عنوانَ ورقتِه النقدية ، مشدداً على أن المكان كان البطل الأبرز لهذا العمل الإبداعي ، مستشهداً بعبارة للكاتب عبدالجليل سعد كتبها في موقع العريمي على الانترنت أن هذا النص – بين الصحراء والماء – يبدأ بالمكان وينتهي به ، وما بين هذا الابتداء والانتهاء ليس هناك تصاعد للأحداث أو نمو للشخصيات .. ينطلق العريمي من دائرة الحياة الشخصية الضيقة ليسرد بشفافية عالية سيرة الوطن .. المكان إذن هو بطل "بين الصحراء والماء" ، أما الحدث والشخصيات – العنصران المهمان لأي رواية - فيتواريان أمام هيبة هذا المكان ، ولعل هذا الحضور للمكان هو ما استدعى بدوره الحضور البارز للوصف ..  القاص حسين العبري سجّل في مداخلتِه ما يشبه الاعتراض على كلام الناقد طارحاً التساؤل التالي : "من الذي يشكل جزءاً للآخر : المكان للكاتب ؟ أم الكاتب للمكان ؟ " ، موضحاً أنه يرى أن المكان أضاف للكاتب بينما الكاتب أضاف الآن فقط للمكان من خلال الكتاب .. رد حميد الحجري بالقول إنه – وان كان ركز على أهمية المكان في هذا العمل الأدبي – لم يغفل الجوانب الفنية الأخرى "فهناك مثلا جو أسطوري حاول الكاتب أن يبثه ، ولكنني قلتُ إنه ليس هناك شخصيات وأحداث بقدر ما هناك سطوة للمكان ، أنا أرى أن الكاتب يصور لي المكان من زوايا متعددة ، إذْ ليس بالضرورة أن تكون المتعة أو الإثارة مرتبطتين بتنامي الأحداث والشخصيات ، كما أن المكان لا يعني فقط المكان الجغرافي ، فقد يشمل الأحداث والشخصيات" 

 

بيضة أم دجاجة : سيرة أم رواية ؟ :

 رأى حميد الحجري أن "بين الصحراء والماء" عمل أدبي ينتمي إلى السيرة الذاتية أكثر من انتمائه للرواية ، موضحاً أن إشارة العريمي في بداية الكتاب أن «بعض الأسماء والأحداث في هذا النص من نسج الخيال، وبعضها الآخر من صميم الواقع» لا تغير شيئا من حقيقة نسبته إلى السيرة الذاتية، ويدعم الحجري حجته بأن عملية التجنيس الأدبي، في كثير من الأحيان وفي عديد من النماذج، إنما تتم بمراعاة الطابع العام للعمل، وليس بمراعاة كافة تفاصيله وجزئياته. و"بين الصحراء والماء" يؤرخ حياة كاتبه، على نحو صريح، عن طريق إيراد تفاصيلها الواقعية الدقيقة التي نتوفر عليها من مصادر أخرى، أهمها موقعه على الإنترنت، والزاوية الخاصة بسيرته الشخصية على وجه التحديد ، مؤكدا أن الكاتب يسرد في هذا الكتاب وقائع حياته في مجملها دون تغيير في الأسماء، أو تحوير في الأحداث الرئيسية.

ثم يعرج بنا الناقد إلى مصطلح "قص الطفولة" الذي عرّفه بأنه نوع من السرد يحاول كاتبه إعادة بناء وتقديم الذكريات الأولى للطفل ، مشيراً أن الناقد فيليب روجون أضاف إلى هذا التعريف أن هذه الإعادة لبناء الذكريات الأولى للطفل لا يعني أنْ تُقَدَّم هذه الذكريات بصوت راوٍ عليم محيط بكل شيء ، بل إن ما يميز "قص الطفولة" هو أن الكاتب يحاول أن يحاكي صوت الطفل .. يخلص الحجري من ذلك إلى القول أن "بين الصحراء والماء" ينتمي للسيرة الذاتية لا إلى "قص الطفولة" لكون الحكي عن بعض ذكريات الطفولة خلال الكتاب جاء من خلال هذا الراوي العليم لا من خلال طفل .. ثم يتساءل الحجري : إذا كانت هذه سيرة ذاتية فما مشروعية وجود شخصيات من نسج الخيال ؟ ، ويرفض طارح السؤال الإجابة عنه لأنه ليس هناك مشروعية لأي فكرة مسبقة لمصادرة خيارات الكاتب مؤكدا أن ثمة نمطين سلكهما الأدباء فيما يتصل بعلاقة المتخيل بالواقعي في السير الذاتية ،  يتمثل الأول في تحويل الحياة الشخصية إلى رواية، على نحو ما فعل الروائي الإنجليزي شارلز ديكنز في روايته (دايفيد كوبر فيلد) ، أما النمط الثاني فيقوم على ترميز الحياة الشخصية، في الكثير من جوانبها، على مستوى الشخصيات والأحداث، بحيث ينسدل ستار من الرموز بين القارئ وتاريخ الشخصية المقروءة. ونقف على هذا النمط في (قصة نفس) للفيلسوف المصري زكي نجيب محمود .. أضاف الحجري أن العريمي يسرد وقائع حياته في مجملها سرداً واقعياً دون تغيير في الأسماء على نحو يدفع إلى التساؤل : أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الخيال ؟ ، وأكدأكأكأأ الناقد أن ما أضافه الكاتب من عناصر واقعية لم يؤثر على صدقية العمل ، وأن الأسماء والشخصيات التي وضعها الكاتب من نسج خياله ما هي إلا عناصر بسيطة في مقابل الشخصيات والأسماء الواقعية .

كان لهذه الجزئية نصيب الأسد في المداخلات التي تلتْ ورقة الناقد ، فقد عقّبتْ الدكتورة أسية البوعلي بالقول إنها لا ترى أية إشكالية في كون هذا العمل الأدبي روايةً أم سيرة ذاتية ، مشيرة إلى ذلك النوع من الروايات الذي يُطلق عليه "رواية السيرة الذاتية" .. أما القاص خالد عثمان فقد تساءل أولا : ما العيب أن تكون هذه سيرة ذاتية وليست رواية ؟ ، ثم أكد جازما أنها ليست رواية وإنما سيرة ذاتية صرف .. القاص حمود الشكيلي من جهته قال إن الثقافة العربية مازالت ترفض السيرة الذاتية وما يترتب عليها من اعترافات مؤلمة للكاتب أو للآخرين ، ولذا كان اللجوء دائما إلى الحل الوسط "السيرة الروائية" .. أما مفجّر هذه الإشكالية – وأعني به الكاتب محمد العريمي – فقد أدلى بدلوه في هذا الجدل بالقول إن السرد في "بين الصحراء والماء" سرد روائي ، فيه الحقيقة والخيال الذي لجأ إليه تفادياً أن يكون الكتاب سيرةً ذاتية مائة بالمائة .. مؤكدا أن " عملنا نحن كُتّابَ السرد أن نكذب " ! .. 

 

فتاة أمريكية في النادي الثقافي  :

 فاجأ حميد الحجري الحضور بأن العريمي بعث له بالبريد الالكتروني – قبل يومين من الأمسية – الطبعة الثانية من الرواية بعد حذف شخصية راكساند .. المفاجأة تكون مبررة إذا عرفنا من هي راكساند هذه .. إنها الفتاة الأمريكية التي مثّلتْ المحرّض لبطل الرواية على كتابة ذكرياته بصدق ، تماما كما فعلتْ هي .. المفارقة تكمن – حسب الحجري- بكون نص لفتاة غربية أمريكية هو المفتتح لنص مخصص لحكايات عمانية تراثية .. لقد انضمت راكساند لنص العريمي وانتمتْ إليه وباتت أحد عناصر البنية الفنية للعمل .. وقد حفزت مخيلتنا لمقارنة لا سبيل لتحاشيها بين راكساند والبطل ، وجمال مذكراتِها ينبع من الصدق لا من جمال الكتابة ، وهذه مناسبة للاستشهاد بعبارة الانجليزي كوليردج التي ما فتئ العريمي يستشهد بها بين فينة وأخرى : "أية حياة – مهما كانت تافهة – ستكون جميلة إذا ما رُوِيَتْ بصدق " .. في المداخلات التي تلتْ الورقة النقدية سأل الباحث محمد بن سعيد الحجري الناقدَ : كيف تقرأ حذف العريمي لهذه الشخصية ؟ ، وكان رد الحجري : لعل الكاتب رأى إلى حد ما أنها عنصر غريب عن جسم الرواية ، وهو الأمر الذي أكده العريمي بعد ذلك ، ولكنه على ما يبدو عدل عن هذا الرأي ، واقتنع بأهمية راكساند في الرواية .

نقطة راكساند هذه تقودني إلى مداخلة أخرى خلال الأمسية قدمها كاتب هذه السطور ومفادها أنه في الوقت الذي يتفق فيه الجميع تقريبا على أن العمل الإبداعي بعد نشره يخرج من يد الكاتب ويصبح ملكاً للقارئ ، إلا أن هذا الأمر لا ينطبق – في أحيان كثيرة – على محمد عيد العريمي .. فما فتئ نص العريمي ملكه حتى بعد نشره ، يزيد وينقح في الطبعات المتوالية لكتبه بدون أي تحرج .. وكان رد الكاتب أنْ لا ضير في ذلك مادام جاء في صالح العمل الأدبي ، وأن الطبعة الثانية من هذه الرواية جاءت لأنه شعر أنه لم يعطِ "بين الصحراء والماء" حقها من الوقت بسبب تعجله صدورها عام 2006 ليتسنى له المشاركة في مسابقة جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي والتي تشترط أن يكون للكاتب ثلاثة كتب  .

بين الريحان .. والصحراء :

طرح القاص خالد عثمان مداخلة عن تكرار بعض الشخصيات والأحداث من "الريحان والدخان" – الجزء الثاني من كتاب "مذاق الصبر"  - في رواية "بين الصحراء والماء" مستشهداً ببعض الأمثلة كجمل بعينها تكررتْ في الكتابين إضافة إلى بعض العناوين .. ورد الكاتب أنه سبق أن ذكر في شهادته أن نجاح "الريحان والدخان" شجعه على فصل هذا الجزء في الطبعة اللاحقة لـ"مذاق الصبر"، وإعادة الاشتغال عليه بالإضافة والحذف والتنقيح لإعطائه سمة مستقلة لا يربطها شيء بـ"سيرتها الأولى"..

 

الصحراء في الأمام .. البحر في الخلف :

 طرح الناقد سؤالا عن أي الانتماءين كان أشد تجذرا ورسوخا في وجدان الكاتب خلال هذا الكتاب ، وأيهما كان أكثر فاعلية في تشكيل شخصيته ؟ .. ولا يتركنا الحجري كثيرا للحيرة فها هو يؤكد بثقة أن وجدان العريمي أشدُّ ارتباطا بالصحراء منه بالبحر ، وأن الصحراء هي الأقوى أثرا في تكوين شخصيته . ويضيف أننا عندما نقارن شخصية العريمي بشخصية والده، من خلال الأوصاف والتعبيرات التي يستخدمها للتعبير عن كليهما، نلاحظ أن والد الكاتب، لا الكاتب، هو من اتصف بصفات البحر وعُجن بطبائعه "لقد كان والدي بحارا متمرسا وفيه من البحر كثير"  .. أما الكاتب فقد ذكر علاقته القوية بالصحراء في أكثر من مناسبة ، كقوله : «بدوي عجنته صحراء الربع الخالي بقسوتها » ، وقوله في موضع آخر : «قررت أن أظهر لراكساند شيئا من كرم عرب الصحراء» ، وقوله في موضع ثالث : «لقد تركت تلك السنوات في نفسي تقديرا كبيرا للبدو والبادية والصحراء ».

غير أن تحليلا كهذا ما كان ليقنع ابنَ بحر كالكاتب سالم بن ربيع الغيلاني الذي اعترض قائلا : "أعتقد أن محمد عيد كان قريبا من البحر أكثر مما كان قريبا من الصحراء – على عكس ما استنتج حميد - ، وعزا الغيلاني انتصار الكاتب للصحراء في الكتاب بسبب رغبته في الانفصال عن أبيه وتكوين شخصيته المستقلة .

 

نحن والآخر والتعميم  :

 رأى الناقد أن "بين الصحراء والماء" وثيقة أدبية تؤرخ، على نحو بالغ الشفافية والصدق، للحياة الاجتماعية في خمسينيات القرن الماضي وما تلاها في بعض مناطق المجتمع العماني .. انه كتاب يحفظ من الضياع جانبا من جوانب الثقافة العمانية، في ماضيها القريب، لطالما كان القسمة الأكثر غبنا وإجحافا، والأقل حظا وحضورا، في مجمل جهود المثقفين والكتاب العمانيين، وهو الجانب الاجتماعي. لم يحفل العمانيون قديما، وحتى عهد قريب، ولعلهم مازالوا حتى الآن، بكتابة تاريخهم بمختلف أشكاله: السياسي والثقافي والاجتماعي. ومن بين المستويات الثلاثة المشار إليها كان المستوى الاجتماعي، ولا يزال، هو الأكثر إهمالا. وأضاف الحجري أنه ليس لدى العمانيين من رصيد في هذا المجال سوى ما كتبه المستشرقون، وعملت وزارة التراث على ترجمة مقدار طيب منه، مع ما يصدق على كتابات المستشرقين من تحفظات ومحاذير منشؤها عدم انتماء الكاتب/المستشرق إلى البيئة التي يكتب عنها، الأمر الذي يعرضه للوقوع في تفسيرات خاطئة، أو تقديرات غير دقيقة. وإن كان، في الوقت نفسه، يُؤَمِّنُ له، في بعض الأحيان، نظرة أكثر حيادية ونزاهة.

الباحث محمد بن سعيد الحجري رأى في مداخلته أن عبارة من قبيل أن "العمانيين لم يعتنوا بتاريخهم السياسي والاجتماعي"  تنطوي على تعميم ينبغي أن نحذر منه ، وأن عبارة مثل " جهود المستشرقين يُمكن أن تُكمِل الناقص في تاريخنا " يجب أن ننظر إليها بعين متشككة .. وفي معرض ردِّه اتفق الناقد مع المداخلة ولكنه أضاف أن ما كتبه العمانيون من تاريخهم السياسي والاجتماعي كُتِب باختصار كبير ، وأننا مضطرون إلى اللجوء لكتابات المستشرقين – على ما يعتورها من مثالب ونقص ومبالغات – في ظل النقص الشديد في مثل هذه الكتابات . أما خالد السيابي – أحد حضور الأمسية – فاتفق مع الناقد في نقطة أن الآخر هو الأقدر  ، أحيانا ، على تصويرك ، لأنه ينظر إليك في الغالب بعين محايدة ، بعيدا عن الاعتبارات الأخرى .

 

ثم اختُتِمت الأمسية بتوقيع العريمي على كتابه الذي  أثار كل هذه المناقشات الثرية، لينفض الحضور وهم منتشون بكاتب استطاع في فترة وجيزة أن يسجل اسمه بوضوح في خريطة الأدب العُماني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص واعلامي من عمان