قراءات رواية "بين الصحراء والمـاء"

ملامح البداوة في الفن الروائي المعاصر
رواية “ بين الصحراء والماء "1" أنموذجا *
 من بحوث ندوة الخيمة ـ الجزائر من 26 إبريل إلى 3 مايو 2007

د. صبري مسلم، رئيس قسم اللغة العربية - كلية الآداب ـ جامعة ذمار، اليمن*

 حيث نتحدث عن جذرنا البدوي فإننا لا نقصد البدائي"Primitive"  وبالمفهوم الأنثروبولوجي لدى تايلور وليفي بريل وجيمس فريزر "2" وسواهم وإن التقت بعض الممارسات والطقوس والأفكار مع تلك الشعوب البدائية، بيد أن جذورنا الأولى في الصحراء العربية عامة كانت ترتكز على قيم المروءة والفروسية ومبادئ  إكرام الضيف وحماية الضعيف، وهي تمتلك رصيداً ضخماً من التعاليم الإسلامية التي تنظم حياة البدوي ورؤيته للكون والحياة.

وهنا فإن مصطلح "Bedouns" "3" هو الذي يبدو أكثر ملاءمة إلا أن الدكتور إحسان محمد الحسن يورد مصطلحاً آخر وهو "Nomads"،     ويعرفه بقوله إن "البدو هم الناس الذين يعيشون في الصحارى ويسكنون في الخيام ويتجولون من مكان لآخر بحثاً وراء العشب والماء" "4". وليس من شأن العمل الروائي أن يتورط في مأزق التنظير الفوقي للبداوة بحيث يتناشز هذا التنظير مع النسيج الروائي الفني، وإنما يمكن للفن الروائي بمرونته المعروفة وسعة صدره أن يحتضن شريحة اجتماعية تنتمي إلى البداوة وأن يرصد حركة الشخصيات التلقائية داخل النص وأن يراقب تشكل أفكارهم ورؤاهم وبما يسمح به السياق الروائي وطبيعة الحياة الصحراوية التي كانت فضاء مكانياً للرواية، وهذا ما فعله الروائي العماني محمد عيد العريمي في روايته  بين "الصحراء والماء" .

ومنذ الصفحة الأولى من رواية بين الصحراء والماء يطل علينا بطل الرواية "ودعيد"  ليفصح لنا عن أعماقه وعبر تقنية المنولوج المنبعث من أعماقه " أنا بدوي عجنته صحراء الربع الخالي بقسوتها، ملول وصعب المراس، شبيه بالبيئة التي جاء منها، تلك التي استنفدت كل ما لديه من طاقة على الصبر" “5” ويتأكد لنا انتماء بطل الرواية إلى حياة البداوة حين نقرأ في دفتر مذكرات بطل الرواية :" بدأت حياتي من قرية نائية صغيرة قابعة وسط بحار من الكثبان الرملية على التخوم الشرقية لصحراء الربع الخالي الرهيبة حيث تعتمد حياة أهلها على رعي المواشي وتربية الجمال ".

وبشأن تاريخ ولادته يقول "لا أعرف بالضبط متى ولدت فعلى تخوم صحراء لاتسكنها إلا الريح والخواء في الأرض والسماء، وفي صباح يوم صيفي فتحت عيني على غمامة حزن أطبقت على الناس والمكان وبين أصوات النحيب والعويل حزناً على وفاة أخ لم يكمل عامه الخامس ضاعت صرختي الأولى"7" وأما مكان ولادته فيقول عنه" المفارقة أني ولدت في الصحراء داخل خيمة أقيمت من سعف النخيل وجذوع الشجر".

ومن الواضح إن بطل الرواية المعمد برمل الصحراء وقد وخز وجهه هجيرها قد امتدت الصحراء ليس فقط إلى مظهره ومن خلال الحلق الفضي المتدلي من أذنه “ مجدم العودة “ الذي يبعد عنه الضر والشر كما قالت عنه جدته بل نفذت الصحراء إلى طباعه وسلوكه وأسلوب تعامله مع الآخرين، لقد كان محمد – وإن كان أهل قريته يدعونه “عوض” إشارة إلى وفاة أخيه وأنه عوض عنه - يحمل الصحراء في رأسه وسلوكه وثقافته ومع ذلك فهو محايد في رؤيته للصحراء إذ لم يكن يكيل المديح لتلك البيئة القاحلة المهلكة وفي الوقت ذاته فإنه لم يرفض انتماءه إليها بل وقف إزاءها وقفة موضوعية واستعان على فهمها بآراء لسواه ولاسيما من الأوربيين الذين كانت الصحراء فضاءً جديداً عليهم وقد انبهر بها بعض المغامرين وأحبها وكتب عنها ما يستحق أن يدرج في غضون رواية مثقفة كهذه الرواية " في كتابه الكلاسيكي  “ الرمال العربية “ يقول المغامر البريطاني ولفرد ثيسجر الذي عبر صحراء الربع الخالي ما بين عامي 1945  و 1950 مرتين بصحبة عدد من البدو من سكان الصحراء، ويظل البدو، كرمهم وسخاؤهم على الرغم من شح مصادر رزقهم وما يملكون أعز ما في ذاكرتي، ولأني لم أكن بدوياً كان يغيظني تقديم آخر ما تبقى لدينا من طعام للزوار "9".

وإذا كان الأوربي من نمط المغامر البريطاني ثيسجر يبدى إعجابه بالأسلوب البدوي في العيش فليس لأنه يريد أن يعيش هذه الحياة بوصفها بديلاً للأنموذج الغربي بقدر ما هي مجرد مغامرة تشبه في بعض وجوهها تسلق جبل والوصول إلى قمّته ليس من أجل العيش على القمة بل إن المسألة لا تتعدى حدود المغامرة.

ولا يخفى هذا المعنى على مضمون الرواية لأن رؤيتها للصحراء لم تكن وبأي حال من الأحوال رؤية رومانسية أو افتراضية بل إن من المؤكد أن المؤلف الذي تتماهى شخصيته مع بطل الرواية الذي يحمل اسمه قد كابد هذا الفضاء المكاني القاحل وعايشه وخبر مرارته، كما ملأ رئتيه من هوائه النقي زمن هدنة الرمال وهدوء أجوائها وصفاء نجومها المتلألئة " فالصراع الأزلي من أجل البقاء في واحدة من أكثر البيئات قسوة وخشونة جعلت من البدوي على اختلاف مناطق سكنه وطبيعتها إنساناً حساساً ومتوتراً وعصبياً إلا أنه يتمتع بخصال نبيلة وتعرف عنه مآثر تحمد له، وما تزال شخصية البدوي التاريخية تجسد في أذهان كثير من عرب المدن نموذجاً للعربي الأصيل الذي ظل يحتفظ بأخلاق ونبل وشهامة العرب القدامى" “10”.

وليست رواية بين الصحراء والماء بصدد التنظير للصحراء ولا ينبغي لها ذلك بيد أن الصحراء في ظرفها القاهر وجدبها القاتل قد تكون نمطاً من انتقاء البقاء للأقوى والأجدر إذ لا مكان للضعيف هناك، ألم يختف شقيق بطل الرواية في يوم ولادته من الوجود، على أن الصحراء في الوقت ذاته قد تفرز  نقائض في هذا الشأن وحسب طبيعة الاستجابة أو رد الفعل على ذلك الجدب وتلك القسوة التي لا حدود لها، إن امتداد الأفق وانبساط الرمال في كبد الصحراء قد يدعوان إلى التأمل والنفاذ إلى جوهر الأشياء والذكاء الحاد الواخز مع أن هذا لا يطرد تماماً إذ إن قسوة البيئة حد الموت جعلت بعض النفوس هناك غليظة جافية وليس بعيداً عن أذهاننا جفاء الأعراب وانغلاقهم على بداوتهم وافتقادهم المرونة حين ينتقلون إلى بيئات حضرية في بعض الأحيان وإن كان ثمة النموذج الآخر الذي يمثله عوض بطل الرواية وهو الذي شاء الروائي محمد عيد أن يؤرخ لنفسه من خلاله، والروائي بوعي منه يخطف هذا النص الروائي باتجاه السيرة ولكنها ليست السيرة الشخصية بقدر ما هي انعكاس لسيرة أمة بأكملها، وموقف بطل الرواية من الصحراء والبداوة هو موقفنا جميعاً، ومن منا يستطيع إنكار جذوره البدوية الضاربة في عمق الصحراء " ترتبط البادية في أذهان الناس بالجدب ووحشة المكان وخوائه الكامل أرضاً وسماء، وانعكس ذلك بحسب قول من قال على الحياة الاجتماعية والإبداع الإنساني، ونسي هؤلاء أن الذاكرة العربية الخصبة بالشعر والحكايات والأساطير الشعبية هي إنتاج الصحراء  دون سواها وأن البادية هي مهد اللغة العربية وحاضنتها" “11” .

وقد شاءت رواية بين الصحراء والماء أن تكون ذاكرة للبداوة وصحرائها وتراثها وأغانيها ومعتقداتها ولاسيما في نصفها الأول وحتى نصفها الآخر الذي هو سجل آخر للبحر والبحارة وثقافة الملاحة وطقوسها إذ إن الجذر الأول وأعني به الجذر البدوي ما يزال يشتغل في مدن السواحل وأناسيّها الذين وفدوا في معظمهم من قلب الصحراء وتثقفوا بثقافتها ومنهم بطل الرواية الذي حمل البداوة في رأسه بوصفها بنية فكرية وثقافية حاضرة في ذاته على أنها لا تعني أنه اقتصر عليها وانكمش على بداوته وإنما أثبت أنه قادر على أن ينطلق إلى رحاب أخرى أكثر سعة ولكنه لم ينس قيمها الجيدة وتربيتها القاسية له، فالصحراء أمّه وقد أرضعته حليبها المرّ الذي لا يستطيع نسيانه لذلك فهو ينتمي إليها ويجاهر بذلك على أنه يشرئب إلى أقصى الأفق الحضاري وبلا حدود وقد تدرّج في الانطلاق من الصحراء إلى البحر ومن ثمّ إلى الشمال الأميركي وكلية “ فندلي “ورفقة “راكساند دي براون “ الأميركية التي رمز النص الروائي من خلال شخصيتها للحضارة الجديدة والمدنية الراهنة. لاسيما أنه قرأ انطباعها الأول عنه من خلال مذكراتها التي أهدتها إليه في حفل تخرجه " انتهيت قبل قليل من جلسة المحادثة الأولى مع محمد.... هذا الفتى العربي الساذج الذي أمضى الساعة الأولى ينظر إلى الزرين النافرين من تحت “ البلوزة “ على جانبي صدري أكثر مما كان يستمع إلى الكلمات التي تخرج من فمي" “12”. ولكن الفتى البدوي وبعد بضعة أشهر من ذلك التاريخ تكتب عنه راكساند دي براون " اتضح لي أن الفتى العربي الذي وصفته بالسخف خلال لقائي الأول به حينما كنت أتدرب في معهد اللغات بالكلية، اتضح لي اليوم أنه نبيل الخلق، فقد حضر إلى الكنيسة لمواساتي في وفاة جدتي وكان يرتدي حلة سوداء أنيقة ويمسك بأصابعه السمر وردة بيضاء وضعها بخشوع جم إلى جانب الجثمان، وعندما أهالوا التراب على التابوت كان كتفه يلامس كتفي، شكراً يا محمد" “13”.

وإذا كان مصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال عدائياً مع الغرب الأوربي وقد صب هذه الكراهية على الفتيات الأوربيات اللواتي عاشرهن وهن خمس نساء منهن جين مورس وسيمور وآن همند وشيلاغر ينود وسواهن “14”. فإن “ ود عيد “ لم يكن كذلك بل كان متوازناً في علاقته مع العالم الجديد، وآية ذلك علاقته مع راكساند دي بروان، وهو ايضا لم يكن منبهراً بالحضارة الأوربية كبطل توفيق الحكيم في روايته: عصفور من الشرق “15” وإنما استوعب عصره ومرحلته لأن هذه المرحلة خرجت عن حدود الانبهار أو العداء، وهي تحتاج الآن إلى أسلوب تعامل مختلف وطريقة فهم مستجدة.

استوعبت رواية بين الصحراء والماء لكاتبها العماني محمد عيد العريمي عادات الصحراء وتقاليدها وطقوسها وأغانيها واحتفالاتها في الأعراس والمآتم وفي أعيادها الدينية وسباق الجمال فيها، وحين يحس المؤلف بأن بعض المصطلحات البدوية تحتاج إلى توضيح فإنه  يوردها في هامش النص، فالتغرود على سبيل المثال هو "نوع من الغناء ينشده البدو وهم على ظهور جمالهم لحثها على السير في حين أن الطارق يشدو به البدو وهم على ظهور إبلهم أو في مجالسهم ليلاً" “16”، وقبيل خاتمة الرواية تتردد أصداء غناء بدوي يفخر بالبادية بل يتغزل بها:

" إن فرشت الأرض تتغطى سماها

وإن بعدت الشوف يثنيك السراب

غالية في خاطري وأفدي ثراها

رملها وسيوحها وذيك الهضـاب

سعد من رأسه تربى فـي ذراها

حاش كل العز من ذاك التراب

من يحب البادية يعشق لظـاهـا

ومن يحب الصيد يصبر للعذاب" “17”

         

ويفرد النص الروائي صفحات لطقوس الأعراس والأعياد الدينية ومناسبات الختان وعودة الغائب " كان الناس يرتدون أفضل ثيابهم وزينتهم وحليهم، فالرجال يلبسون الخناجر ويتوشحون أحزمة الرصاص ويحملون البنادق والسيوف، في حين تتزين النساء بأفضل حليهن من الذهب والفضة كالعوص والغلاميات والمرتشحة والمرية والحجل، ويتبرجن بأطيب المعاجين العطرية، وكان أكثرها استخداماً المحلب “ وهو مزيج من الزيت والصندل والزهور الجافة وماء الورد “ كما يدهن شعورهن بمسحوق ورق السدر لتثبيت تسريحة تسمى العقفة ويخضبن أياديهن وأرجلهن بالحناء بزخارف جميلة تبهر النظر وتزيد الجميلات منهن جمالاً " “18”.

وثمة عادة جاهلية تجد صداها عند البدو وهي أن ينهق من يدخل مدينة لأول مرة وقد عبر النص الروائي عن ذلك : " طلب المكاري مني أن أنهق بصوت عالٍ كما تنهق الحمير ! رفعت عقيرتي ونهقت، فصاح المكاري بعدي يحثني على مواصلة النهيق : عاش عوض عاش... وكنت قد استعديت لهذا  الموقف بعد أن أخبرتني أمي قبل أيام عن عادة يطلب فيها من الصبيان أن ينهقوا كالحمير عندما يدخلون مدينة لأول مرة " “19”، وجذر هذا الاعتقاد يأتي من أن العرب كانت تعتقد بأن الرجل إذا أراد دخول قرية أو  مدينة فخاف وباءها، فوقف على بابها قبل أن يدخل وعشّر كما ينهق الحمار ثم دخلها لم يصبه وباؤها “20”  

ومن البديهي إن رصد عادات الصحراء وتقاليدها وطقوسها ومراسيمها هي مما ينهض به علم الاجتماع أو  الأنثروبولوجيا “علم الإنسان “ وثمة ما يجمع بين العلمين  “ الأنثروبولوجيا الاجتماعية “21”. ولكـــن ذائقة الـــروائي الفنان وموهبتـــه تصهر هـــذه العادات والتقاليد والطقوس في بوتقتها كي تضفي عليها طابعاً سردياً وهي توردها في سياق روائي يتجانس تماماً مع النسيج الفني للرواية، وينطبق هذا تماماً على ما ورد في رواية بين الصحراء والماء من مهاد بدوي يجمع بين التجربة الشخصية لمؤلف الرواية وأفكار أخرى استقاها من ثقافته في هذا المجال.

وبوعي من النص الروائي “ بين الصحراء والماء “ تنبثُّ الحكايات في أكثر من موضع من الرواية وهي قد ترد على لسان الجدة بوجه خاص وقد تطول الحكاية بحيث تستوعب صفحات طويلة من الرواية وهدف هذه الحكايات داخل النص أنها تحتضن معتقدات الصحراء وأساطيرها وغالباً ما تكسر رتابه السرد وواقعية الأحداث فتخطفها باتجاه الغرائبية والطرافة، وغالباً ما يمهد النص الروائي لمثل هذه الحكايات : " في روايات جدتي لقصص جدها الظفري وغيرها من حكايات وأساطير الصحراء من الحقيقة شيء ومن الخيال شيء ومن الرغبة كثير، عودكم رجال ولاكل الرجاجيل، بهذا تبدأ جدتي حديثها عن جدنا الكبير الظفري " “22”.

ويؤرخ النص الروائي لظهور جهاز الراديو في البادية حيث أثار ردود أفعال متباينة ففي الوقت الذي رحب فيه الشباب بالجهاز فإن بعضهم عارضه معارضة شديدة مستعيناً بالدين والتحريم وأما السيارة فإن بعضهم هرع إلى رجال القرية كي يخبرهم بأنه رأى الشيطان يمشي على أربعة أرجل “23”.

ويرهص النص الروائي بمفارقة تفضي إلى خاتمة أحداث الرواية التي بدأت بالبادية ثم الانتقال إلى مدينة جوار البحر “ صور “ والانطلاق من هناك إلى فندلي بالولايات المتحدة الأميركية ثم العودة إلى صور وإلى البادية، وبدلاً من أن يجدد عوض العهد مع البادية مهد الطفولة وسجل الذكرى فأنه أورد عبر منولوجه المتصل وكانت قدماه تغوص في رمال الصحراء “ صدق سليم المر حين قال لي ذات يوم : هذه الرمال ليست رمالنا، ليست الرمال التي كنا نلهو ونلعب الساري على كثبانها" “24” مما يعيد إلى أذهاننا مقولة الحكيم الإغريقي هرقليطس وهو يردد : أنت لا تنزل إلى النهر مرتين لأن هناك أبداً مياهاً تجري" “25” 

وهنا يرد تساؤل ترى لماذا عاد بطل الرواية عوض إلى الصحراء فتنكر لها في خاتمة الرواية ؟ و لاسيما عبر دايولوجه مع سليم المرّ مطرب الوادي الذي تحول إلى النقيض تماماً فهو إمام جامع وداعية وواعظ يصرح ببغضه للبدو والبادية على حد سواء ولا يعني هذا أن هندسة نموّ الشخصية بالاتجاه المتضاد مع بداياتها قد شمل شخصيات الرواية جميعاً فقد بقي انطباعنا الأول عن شخصية والد البطل ووالدته وجدته ومعلمته شمسه وكلبه وجحشه “ قبيلي الذي أسماه غدير “ والمجانين الذين أفرد لهم موضعاً في الرواية وشخصيات أخرى تبدو أقل أهمية ترى لماذا عاد بطل الرواية إلى البادية بعد مرور خمسة عشر  عاماً على مغادرته لها ليقول عنها : " وصلت الوادي وقد استبدلت المطية بسيارة ذات دفع رباعي، لم أجد القرية ولا ديار قطينها، اختفى الوادي تحت كثبان الرمال ولا اثر لحياة كانت، وقفت ونظرت في كل الاتجاهات لاشيء غير الجدب والقحط ورمال مجنونة قضت على مظاهر الحياة بقسوة ووحشية " “26” فهل أراد النص الروائي أن يكرس حقيقة ماثلة أمام أعيننا وهي أن الراهن لا يحتمل التعامل مع البداوة إلا على أساس واحد لا غيره، وهذا الأساس إنها مرحلة مضت وانقضت إلى غير رجعة وإن العودة إليها شبه مستحيلة أو لنقل إنها مغامرة حمقاء لا ضرورة لها، ويبدو أن هذا المضمون هو الذي دار في ذهن المؤلف حين جعل بطل روايته عوض يزور وادي المر على طرف صحراء الربع الخالي للمرة الأخيرة ويصرح بأنه لن يعود إليه وإلى الأبد مع تكريس حقيقة أن كل شيء قد تغير في هذه البادية، وإن البدو هذه الأيام لم يعودوا كما كانوا رموزاً للقيم النبيلة السامية بل تحولوا إلى مسخ بدو كما عبر سليم لأنهم فقدوا حس البداوة ولم يجنوا من التحضر شيئاً.

 

الهوامش :

1. محمد عيد العريمي، بين الصحراء والماء، مؤسسة الرؤيا للصحافة والنشر، سلطنة عمان 2006 ولهذا الروائي روايات أخرى وأعمال قصصية وكتب وترجمات منها : رواية حز القيد ومجموعة قصصية “ قوس قزح “ وكتاب مذاق الصبر وتعريب لرواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل.

2. ثمة كتب كثيرة عن الإنسان البدائي ومنها ما ألفه جيمس فريزر في الغصن الذهبي والفولكلور في العهد القديم، وكتاب العقلية البدائية لمؤلفه ليفي بريل، وثمة كتاب عن تايلور للدكتور أحمد أبو زيد وكتب أخرى كثيرة.

3. منير البعلبكي، المورد، دار العلم للملايين، ط 35، ص 96.

4. د. إحسان محمد الحسن، موسوعة علم الاجتماع، الدار العربية للموسوعات، بيروت 1999، ص 123 – 124.

5. بين الصحراء والماء، ص 21.

6. نفسه، ص 33.

7. نفسه، ص 37.

8. نفسه، ص 39.

9. نفسه، ص 59.

10. نفسه، ص 54.

11. نفسه، ص 65.

12. نفسه، ص 26.

13. نفسه، ص 26- 27.

14. الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال، دار العودة ط 2، بيروت 1972، ص 34.

15. توفيق الحكيم، عصفور من الشرق، دار مصر للطباعة، القاهرة 1977، ص 108.

16. بين الصحراء والماء، ص 75.

17. نفسه، ص 238 – 239.

18. نفسه، ص 79.

19. نفسه، ص 114.

20. ينظر : ابن طباطبا العلوي، عيار الشعر، تحقيق : طه الحاجري و د. محمد زغلول سلام، المكتبة التجارية، القاهرة 1956، ص 38.

21. د. عاطف وصفي، الأنثروبولوجيا الثقافية، دار النهضة العربية بيروت 1971، ص452.

22. بين الصحراء والماء، ص 48.

23. نفسه، ص 68-70.

24. نفسه، ص 237.

25. ديف روبنسون وجودي جروفر، أقدم لك الفلسفة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2001، ص 14.

26. بين الصحراء والماء، ص 234.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * جريدة سبتمبر اليمنية العدد: 1339  / الخميس 02 أغسطس 2007