|
|
|
|

قراءات رواية "حز القيـد"
"حز القيد" رواية الكاتب العماني محمد عيد
العريمي
د. أسد محمد*
هل تعلم من بنى أول سجن في التاريخ؟
أرفع أصبعي، وأجيب على السؤال مع الروائي محمد
عيد العريمي، نعم إنه النمرود.
ومع هذا المدخل، أستعرض سريعا حكاية أدب السجن
في عالمنا العربي، هذه الحكاية التي لا تستهوي
أحدا في الكون بما فيها أدنى مخلوقات الله،
حتى وحيدة الخلية، فعندما رأيت في المجهر
الالكتروني نماذج لهذه المخلوقات ـ وحيدة
الخلية ـ كانت تهرب من المسحة الموضوعة فيها،
ثم تصدم بجدار المسحة "سور السجن" وتعود، إلى
بؤرة الدائرة، لأراها بإعجاب دون أن أفكر أنها
في سجن صممته أنا كمخبري لها، والآن بعد
قراءتي لرواية العريمي "حز القيد" قارنت بين
المخلوقين: بطلي "البارامسيوم" وبعض المتعضيات
التي ماتت أثناء تحضري للمسحة، وبطل حز القيد
"علي الناصر" السجين السياسي في جمهورية قحطين،
وصديقه ظافر الذي مات تحت التعذيب.
فتحت الرواية شهيتي إلى مجموعة من المقارنات:
1. الحرية وضدها.
2. السجان والسجين.
3. الأمم الحرة و الأمم المقهورة.
4. كيف كان يعيش الإنسان قبل وبعد أول
سجن.
5. الألم كمكان، وكفضاء.
6. السارد والمتلقي بين ضميري أنا ـ
نحن.
وبعد جوجلة الأجوبة التي أجاب البطل عن بعضها
بضمير السوط ولغة الدم وظلمة الزنزانة،
أخرجتني مواجع الرواية إلى فضيحة خاصة وعامة،
الخاصة تكمن في فعل الإحساس بالسجن وتحول
عاطفتي إلى كتلة ملموسة لها حيز أتحسسه،
وكأنني أنا سجين لقبولي الحياة في ظل قمع،
وعامة، تتمثل في انتماء الكل الاجتماعي إلى
أمة هي الوحيدة ـ تقريبا ـ في العالم تحتوي
سجونا سياسية من محيطها إلى خليجها، رواية حز
القيد، هي رواية من كلمات لها أنصال مشرعة على
جرح الأسئلة، وترك الأجوبة تتفصد من جباه
واقعنا الذي لا يزال يترنح تحت أثقال النمرود
الحي بيننا، و تتمثله أنظمتنا كأسلوب عمل
ونهج، وارتد لأدب على هذا السلوك حتى أصبح
عندنا أدبا اسمه أدب السجون على غرار أدب
المهجر وأدب النكسة وأدب النكبة، وأدب الظلم
الاجتماعي، و...
فماذا عن أدب السجون؟
يكاد يتفرد الأدب العربي بنموذج للأدب هو أدب
السجون رواية وقصة وشعرا، فله جذوره الشعرية
في الأدب الجاهلي، ثم امتداده عبر تاريخنا
الطويل، الذي تناول البقع الجغرافية المغتصبة
من الوطن لصالح السلطة، وتحتكر فيها فلسفة
تعريب ذاتها عبر الترهيب والتخويف والتصفية
والتعذيب، لتصبح هذه البقع هي الوطن، على
شساعته مقيد بأسوار الخوف، وإن كان الأدب
العربي قد قصّر في هذا الجانب الذي يمثل جزءا
هاما من حياتنا، إلا أن مجموعة من الروايات
العربية، مثل رواية خطوات الليل للكاتب السوري
محمد الحسناوي التي تحدثت عن مدرس خاض صراعا
فكريا مع السلطة وانتهى به الأمر في السجن،
كما شكلت رواية الكاتب المصري صنع الله
إبراهيم «تلك الرائحة»، طرحا جديا في أدب
الكتابة عن السجون، حيث استخدم فيها تقنية جبل
الجليد لارنست همنغواي "رواية رأس جبل الجليد
يدلك إلى الكتلة المخفية منه تحت الماء".
وتأتي رواية الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف
«شرق المتوسط» من النضج والكمال في تناول هذا
الجانب من السجون والتي تؤرخ إلى الشخصية
الرمز أو الشخصية النكرة التي تدخل إلى السجن
من أجل فكرة، ويتمثل الصراع أوجه، بل وجمال
القبح أقصى درجاته عندما يسقط السجان، ويستشهد
البطل من أجل أفكاره، ورواية الكاتب الفلسطيني
الوثائقية عوض سعود عوض «ويزهر القندول» التي
صورت حياة بطل فلسطيني من لحم ودم هو المناضل
المثقف عمر محمود القاسم «أبو عباية» الذي
أمضى في سجون الاحتلال الصهيوني أكثر من عشرين
عاما حتى استشهد فيها، و«حياة عراقي من وراء
البوابة السوداء» للكاتب العراقي محمود الدرة,
و«في الزنزانة» للكاتب علي جريشة, و«أيام من
حياتي» لزينب الغزالي, ومن أهم محاور هذا
الأدب: تصوير المعاناة القاسية للسجناء،
وعلاقتها بالأوضاع السياسية والفكرية القائمة،
وفرضيات الأمل بعد القهر، والحرية بعد السجن
كاستشراف مستقبلي يدفع بها الأدب كوظيفة فنية
يطمح من خلالها التعبير عن المستقبل ووجدان
الأمة، ولو قام كل كاتب عربي بتوثيق قصص سجنه
لكان لدينا كم كبير من هذه الروايات، وفي هذا
السياق تأتي رواية الكاتب العماني محمد عيد
العريمي «حز القيد» إضافة لهذا الأدب.
ملخص الرواية:
يتناول موضوع الرواية حياة سجين سياسي، في
جمهورية «قحطين» واسمه علي ناصر حيث يعتقل
بتهم التعامل مع حركة وطنية، ويطلب منه في
الزنزانة الانفرادية رقم 9 وتحت التعذيب
النفسي والجسدي الاعتراف بما يعرفه عن صديقيه
ظافر وسعد وخططهما، والإدلاء بمعلومات عنهما،
لكنه يصمد ويكتشف أنه يخفي شخصية جبارة وقادرة
على التحمل، وكلما عذب ازداد قوة ويقينا
وصلابة في مواجهة المحقق – الخازوق – الذي
استعمل كل أساليب الترهيب والتعذيب لنزع
اعترافاته، لكنه صمد، وسقط الخازوق، بعد أن
حدث انقلاب في الجمهورية وتغير نظام الحكم،
وتم الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين.
جاءت الرواية ضمن ثمانية محاور أو عناوين هي:
إضاءة، حكاية البداية، القبض على سعد، التهمة،
رائحة السخط، مراوغة البعير الأجرب، «لو نسم
دوف»، وحشة القبر، الخازوق، شذى والعفراء، دم
ودموع، و رياح التغيير، وكان العريمي قد اصدر
من قبل كتاب، «مذاق الصبر، سيرة الذات
والمكان» عام 2001 وهذه روايته الثانية،
والناشر المؤسسة العربية للنشر بيروت، 2005،
وأهداها إلى الجرح العربي النازف في فلسطين
وفي العراق.
بناء الروية:
وحّد الكاتب أسلوبه في اقتصاد لغوي واضح،
وترميز لا يخلو من تعليل حسي لجوانب متعددة
تفرض نفسها على بؤر النص بدءا من إصدار
التهمة، مرورا بالقبض ثم التعذيب، وصولا إلى
الإفراج عنه، بحيث أصبح الموضوع: بداية، وطوره
إلى أزمة، ثم قفلة، معتمدا وحدة النص وتاليا
وحدة الزمان والمكان، دون أن يسمح لنفسه بمس
أي من عناصر الموضوع الأخرى، والتزم تكنيكا
احتوى النص ضمن مقاييس مفصلة على قد الحدث،
تاركا بعض المخارج لفضاء حسي ومادي تتحرك
الشخصيات ضمنه بحذر، وتقود المتلقي وكأنه مع
بدايات ونهايات متعددة يربطها نسيج سردي
متماسك رغم تعدد تقنياته التي لعب المتخيَّل
فيه دورا محوريا من خلال أداتي الذاكرة
المفعلة، والإرادة المتوفزة، رغم محاولات
بعثرتهما إلى جزئيات كي يتمكن المحقق العبور
إلى ما يريد، وها النوع من الصراع المحدد بين
شخصين وضيق مكان الأحداث فرض على الكاتب
استخدام أسلوب عين الكاميرا حسب تصنيف "كلودا
ادموناني" وهذه التقنية تناسب كثيرا هذا
النوع من الراويات التي تعتمد عالمين في آن
معا: الزنزانة الانفرادية الضيقة، وعالم
الذاكرة المفتوح إلى فضاء لا محدود، فواقع
الزنزانة فرض اللقطة المباشرة في التصوير،
بينما الذاكرة استنجدت بالاسترجاع نحو الماضي،
والاستباق نحو المستقبل، فاتحة ذراعي الزمن
إلى احتضان جسد الأحداث بحذر، حيث اكتملت
دائرة الحكي داخل – خارج عوالم البطل التي
وحدت شحنات عالية التوتر للأحاسيس والرؤيا
والأفكار والتعبير والرموز ضمن متن مترابط،
أحضر إلى هامشه حكايات متناثرة حول القمع
والخوف والتفكير بقضايا أخرى، لونت النص
بقتامة وسوداوية راشحة من لون الدم والألم،
كما أفلح الكاتب في توظيف تقنيات متعددة لبلوغ
مراده، فقد تجاوز المكان الضيق الذي وجد البطل
نفسه فيه، إلى المواجهة مع الخصم ومع الذات في
سبيل هدفه النبيل، فجدران الزنزانة تسقط أمام
إرادته، ويذوب الخوف بفعل المواجهة مع الذات
قبل المواجهة مع الخصم " يقال إن السجن للرجال
أو السجون تصنع الرجال، وهذا فعلا بعض ما
جربته، ففي مراغة البعير الأجرب اكتشفت جانبا
من شخصيتي كنت أجهله، أو لعلي اكتسبته خلال
تجربة الحبس الانفرادي والتعذيب الجسدي
والمعاناة النفسية. اكتشفت أني أملك قدرة
رهيبة على المقاومة والثبات أثناء الشدة، وأنه
لا يعوزني الجَلَد " ص192.
هذا الفعل المضاد لحرية الفرد، والعزل الشديد
وجد الكاتب نفسه يقدم منولوجا داخليا صارخا،
وحوارا صداه البطل نفسه، فقد كان الحوار
متقطعا، قصيرا، ومرتبطا بوقائع في غاية
الأهمية لجعل النص متفاعلا مع متنه، ووظف
الحوار لكشف جوانب من شخصيتي البطل والجلاد "
- هل تعرف ما هذ، وكيف يستخدم؟
هززت رأسي نافيا.
قال: هذا هو الخازوق.
وهو يضحك ملء شدقيه، أضاف:
- يحمى على النار حتى يستوي جمره، ويشك به
كل خنزير مثلك من الدبر حتى ينفذ من الكتف، ثم
يعلق من كاحليه في السقف " ص 196.
فهذا الحوار الخارجي كان له انعكاسه على
المنولوج الداخلي، الذي منحه الكثير من التحدي
والطاقة والقدرة على المواجهة، مستخدما الفرد
كقيمة تحتوي أنات متعددة للمجتمع، وتعبر عن
ضميره، ووضع نقطة عن نهاية سطر البطل الذي
تركه يتفاعل مع قيمه الإنسانية الرافضة لما هي
عليه من ظلم واقع، وحمّل الكاتب الشخصية رموزا
ودلالات عدة، بالغة الواقعية دون الإفراط في
الانحياز لبطله، الذي تركه يواجه قدره بمفرده
معبرا عن حالات تحدث بالفعل، وغيب الضمير
الجمعي غير الفاعل وكأنه غير موجود أو داعم
للفعل الفردي، ولا تكتمل دائرة القص أو البناء
في الرواية دون الانتباه إلى الوصف المعبر
والمشحون: حسي ملموس وفيضي لانهائي، ومادي
معروف، يلقى القبول من المتلقي، الذي تمسه
شحنات دون أن يشعر بفوارق بين فواصلها:
ـ الحسي "داخل الزنزانة تعطلت الحواس
المعهودة وتداخلت، وحلت مكانها هواجس الموت
ومخاوف الجنون، كنت وحيدا حتى حدود الموت في
حجرة لا تختلف كثيرا عن حجرة حيوان، تميت
كبرياء الإنسان وإنسانيته، وتشعره أن لا فرق
يستثنيه عن فأر أغوته بصلة فقتلته " ص146.
ـ الفيضي، كالألم والخوف والجَلَد " يغدو
وجودي حالة إنسانية لا زمن لها ولا مكان ..
صنو العدم " ص200.
ـ مادي كالدم والتشوهات الجسدية "تثاقلت حركة
هواء الزفير والشهيق.. ازداد العرق المتكثف
على جبيني، وكانت التقلصات تنهش أحشائي ككلب
مسعور.."ص 120.
نُسج هذا المعمار الفني من خيوط لغة نافرة،
حادة، قوية، خاصة في مقاطع: الخازوق، ومراغة
البعير الأجرب، دم ودموع، حيث تخلع اللغة
ثوبها وتكشف عن قبح رهيب، وتظهر أبجدية ما بين
الأسود والغامق لجمل رهيبة مثل "صلبوني، أتلوى
ألما، تبصم بالعشرة يا كلب، الكرباج، عيناي
متورمتين، ظلام، كدمات، بطش الخازوق،
الاغتصاب..." لغة فاعلة، ومؤثرة أنضجت كيانا
للقبح على نحو أشرك المتلقي في كراهية هذا
القبح، والانسياق إلى الفسحة القابلة من حب
الحرية والجمال والفرح، هذا نقطة تحسب
للرواية، وإضافة موفقة من الكاتب، كما ارتكز
البناء على حالات أخرى مثل أدوات التعذيب،
وأشكال التنكيل، وهمجية المحققين، وإن كانت
الرواية هي طموح فني لتدوين المعاش، فقد نجح
الراوي في جعل المتلقي يجوس في واقع وعر مثقل
بالبؤس والألم والقسوة، وفككت الرواية تيمات
معقدة للبنى الإنسانية بين المعطى والمفقود،
بين الأمل واليأس، بين الصبر والتحدي، للوصول
إلى معادلة بسيطة حسية إنسانية " الكل ضد
اللاحرية " لكن دليل بقاء السجون هو دليل على
فعل اجتماعي مبتور، وغير قادر على المواجهة
مبتليا بقابلية الاعتداء عليه، والدليل السجون
المنتشرة على مساحة وطننا الكبير، جعل العريمي
نصه مزحوما بفكرتي التعذيب والرجاء، و الصوت
الوحيد للبطل ناظره بأصوات رمزية متعددة منها
المتلقي، الذي يشاركه بالمطلق كراهية السجان
والتعاطف مع البطل، لقد تمكن الكاتب من جلب
الهدف وهو القارئ إلى بؤرة النص بهدوء وذكاء،
وإبداع، منذ أول كلمة حتى الحرف الأخير، عبر
أنساق متداخلة لواقع فني، وإن كانت بدايته لا
تخلو من مباشرة، فحمل المتن كمومات تالية
لمصير، هو مصير مجتمع لا تزال قحطين هي
جغرافيته المقتطعة من هذا العالم، وللأسف
حقيقة قائمة، و هذا ما جعل الكاتب يختم روايته
بانقلاب عسكري حرر علي ناصر، فهنا بدا العريمي
شديد الواقعية لأننا لا نزال محكومين بهذه
الانقلابات وبنتائجها، ونحن على أمل بألا
نعيشها إلى الأبد.
ــــــــــــــ
*د.أسد محمد: روائي ومؤلف من سوريا / مجلة
نزوى
 |
 |
|
|
|
|