|
|
|
|

قراءات رواية "حز القيـد"
المتخيل السردي وبناء الشخصية في رواية "حز
القيد" لمحمد العريمي
أ. د ضياء
خضير
حين أنجز "محمد العريمي" كتابه الأول "مذاق
الصبر" قدم عملاً ناجحاً ليس فقط على صعيد
تجربته الخاصة القاسية مع المرض والإصابة،
وإنما أيضاً على صعيد كتابة نمط جديد من
السيرة الذاتية ربما لم تألفه الأدبيات
العربية بل الخليجية والعمانية المشابهة. ولقد
قلت في تقديمي للطبعة الثانية من هذا الكتاب
إنه إذا كانت الكتابة في هذه السيرة تفتقد
أحياناً الخيال الخلاّق الذي يحتاجه الروائي،
فإنها لا تعدم وجود عناصر أخرى فاعلة تتكفل
بعض الأحداث والتاريخ الشخصي ووقائع الماضي
بتزويد الكاتب بها، وهي التي نجحت بمجموعها في
أن تبقي الكتاب في تلك المنطقة الوسطى التي
يرتفع فيها النص عن أن يكون مجرد سيرة ذاتية
عابرة لشخص ما، ليكون نوعاً من الجدل الحي بين
ذاتٍ وموضوع، واقع وخيال لا تفصله غير خطوة
واحدة للدخول في العالم الرحيب للرواية، وهو
ما نعتقد أن المؤلف مؤهل لأن يفعله في أعمال
قادمة.
وها هو المؤلف يفعل ذلك حقًّا في روايته
الجديدة "حز القيد" ويثبت أن "مذاق الصبر"
ليست "بيضة الديك" كما يقول في رسالة بعث بها
إليّ مع مخطوطة الرواية. وقد قلت في نفسي بعد
الفراغ من قراءة المخطوطة بأن هذا "الحز" الذي
وضعته الرواية في عنوانها سوف لا يقتصر على
الأثر الذي تركته قيود الاعتقال والسجن على يد
بطلها "علي الناصر" وأعماق روحه، وإنما هو
يمتد إلى كل تاريخ القصة والرواية العمانية
الناشئة ليحدث أثراً أو حزًّا آخر من الصعب
تجاوز الإشارة إليه والتوقف عنده دون رؤية حجم
الإنجاز الذي تحقق في هذا العمل الجديد.
صحيح إنها رواية تقليدية في بعض وجوهها وتبدو
كما لو كانت متأخرة قليلاً عن زمنها على صعيد
الموضوع وتقنيته الروائية المقترحة، وإنها
ربما أعادت إلى ذهن القارئ أعمالاً وتجارب
سردية أخرى توفرت على الكتابة عن السجون
والمعتقلات السياسية العربية مثل "شرق
المتوسط" لعبد الرحمن منيف و"الوشم" لعبد
الرحمن الربيعي، مع معرفة هذا القارئ بأن هذه
الشخصية بريئة وأنها شاهد "ما شافش حاجة" وأن
ما وقع عليه من سجن وتعذيب وامتهان للكرامة
يمثل ظلما صارخا بكل المقاييس وأن الأمر أشبه
بالسخرية السوداء التي لا سبيل للتعبير عنها
بغير الرفض والغضب والإحساس بالمشاركة
الإنسانية. غير أن "حز القيد" تمتلك شرعيتها
وفرادتها ليس فقط لأنها عرفت كيف تمسك
بموضوعها وظلت تلاحقه بطريقتها الخاصة التي لا
تكتمل دون أن يتم القارئ ما هو ناقص ومسكوت
عنه فيها، وإنما لأنها استطاعت أيضاً أن تثير
أسئلة حقيقية تتعلق بزمنها وعصرها الذي يشهد
في عالمنا العربي ردة وعودة جديديدتين
للاستعمار والهيمنة والصراع الذي ما زلنا نشهد
بعض فصوله الدامية في فلسطين والعراق. وإشارة
المؤلف في إهداء الرواية إلى الجرح العربي
النازف في هذين القطرين العربيين مفهومة
وواضحة.
ولئن كانت "قحطين" التي وقعت فيهــا أحــداث
هــذه الرواية مدينة خياليــة، فإنــها مثل
"عمورية" في"شرق المتوسط" فضاء روائي خيالي
وواقعي أيضاً من السهل على المواطن العربي
البسيط أن يتعرف على نفسه فيه ويستشعر محنة
بطله "علي الناصر" مع الأجهزة الأمنية
والبوليسية التي تسد عليه الأفق وتطفف عليه
حقه بالحرية والكرامة في أكثر من بلد عربي.
ولعل ذلك يرجع إلى أن طريقة تعامل الكاتب مع
الفضاء الروائي بما فيها من تحديد ودقة في
الوصف من شأنها أن تجعل الحكي في القصة
المتخيلة ذا مظهر حقيقي مماثل لمظهر الواقع.
وهو ما يجعل القارئ مجبراً على القيام بعملية
مقايسة منطقية، فما دامت هذه الأحياء والشوارع
والسجون أشياء حقيقية، فإن الأحـداث والشخصيات
المتخيلة التي سـردها تحمل هي الأخـرى مظهر
الحقيقة. وبذلك تصبح "قحطين" التي لا وجود لها
على الخارطة مدينة حقيقية لا تختلف عن تلك
المدن التي نعيش فيها إن لم تفقها واقعية
ورسوخاً في وجدان القارئ. وذلك يعني أيضاً أن
علاقة الوصف في هذه الرواية الواقعيةبالمكان
ليست علاقة تقليدية أو ميكانيكية، بل هي تخضع
لمقتضيات الوضع النفسي للشخصية والظروف التي
تعيشها. ولذلك فهو ليس وصفاً محايداً أو
تابعاً، لأنه يسهم في خلق المعنى ويستخدم
للتعبير عن موقف الراوي، ويوحي من خلال تعارض
الأمكنة وأنماط الحياة الموصوفة واختلافها،
باختلاف الوضع الاجتماعي والنفسي للشخصية أو
الشخصيات المعنية.
ولعل وصف حال المعتقلين الذين حشروا في سيارة
الشرطة من أجل نقلهم إلى السجن أن يمثل
تمهيداً يعطي القارئ فكرة أولى عما سيكون عليه
حال السجن والسجناء بعد هذه الرحلة التي قيل
لعلي الناصر عندها أن الأمر لا يمثل غير تحقيق
بسيط لا يستغرق أكثر من بضعة أيام.
" تحركت الشاحنة على طريق معبد، ثم شقت
طرقها في درب ترابي متعرج مليء بالصخور وأكوام
التراب.. لا أعرف المكان المتوجهة إليه، ولا
من كان معي داخلها ! وأطبق على الصندوق رعب
مخيف وموحش كوحشة العوالم المظلمة داخل أكياس
تبعثرت على أرضيته.
بيني والعالم المحيط بي فتحة صغيرة أمام
فمي.. أستنشق من خلالها هواءً لوثته روائح
السخط في قلوب من كانوا معي، وظني أن حالهم
مثل حالي.. قلوب مضطربة تسكن داخل ضلوع أرهقها
العمل، وأضناها اللهاث غير المنقطع وراء ما
يُبعد عنها شبح العوز ويكف عنها الفاقة. فتحة
اكتظت بهواء الشهيق والزفير، وأصوات مكتومة
امتزج فيها الرعب بالذل والخوف بالمهانة،
وبكاء واحد أخافته الظلمة بدا خافتاً
ومتقطعاً، يراوح بين حدود العزلة داخل كيس هو
قيد وعصابة في آن، وأنّةَ ألمٍ كانت تزداد
كلما ارتفع صندوق الشاحنة أو سقط.. وهي تشق
طريقها على درب ترابي وعر كثير المطبات
والمنعطفات"
وإذا لم يكن "محمد العريمي" قد أجترح شيئاً
جديداً في الرواية العربية على صعيد الموضوع
وتقنيته السردية، فأنه قد أوجد فيه دون شك
دماءً جديدة وأعاد إلى الأذهان صورة المأساة
القديمة الجديدة الخاصة بالسجن السياسي
والفضائح المرافقة له.
وكما هو الأمر في "مذاق الصبر" لا يمكن للكلمة
في هذا النوع من الكتابة أن تكون مناسبة
للتسلية ولا طريقة للعبث بالألفاظ والصور
الفارغة، وإنما هي تعبير عن نمط حياة كلية
وإشارة أخرى إلى يقظة فكرية ونفسية، ومحاولة
لاختبار الرجولة وأصالة الموقف، وتأكيد
للممكنات الإنسانية في مواجهة واقع غير
إنساني، وسعي دائب لامتلاك المعنى والأمل في
عالم مغلق يطبق على جسم الإنسان الفرد وروحه
ويحصرهما داخل دائرة سجن مادي ومجازي لا يمنح
المرء أية فرصة أو إمكانية في الحركة أو قول
الكلمة الحرة، ويجعل من الصعب على الإنسان
مواصلة الاحتفاظ بتوازنه وإيمانه بالمبادئ
والقيم الإنسانية التي يشعر بها شعوراً
طبيعياً ويتطلع لمعرفة المزيد عنها وعن الرجال
الذين يحملونها.
وهي، فضلاً عن ذلك، نوع من التربية العاطفية
والفكرية والجسدية التي لا عهد للبطل بها في
حياته السابقة. ولذلك يمكن للزمن الذي قضاه
"علي الناصر" في السجن أن يساوي جهده المبذول
في خلق ذاته وإعادة النظر في حياته، ومراجعة
وضعه الاجتماعي والعائلي السابق إنساناً
غفلاً، ووجوداً مهمشاً، لا فكر ولا دور له،
ولا إيمان بقضية يناضل من أجلها ويثبت ذاته من
خلالها.
ومهما تكن تفاهة الأسباب وطبيعة الالتباسات
التي قادته إلى ذلك السجن الصحراوي الموحش،
فقد نجح في أن ينتشل روحه ويجعل لحياته معنى،
بحيث يمكن القول إن حياة هذه الشخصية بعد
السجن ستكون مختلفة تمامــاً عما كانــت عليه
قبله، ليس فقط لأنــه شغل نفسه وانتشلها كما
قلنا مـن الفــراغ والضيــاع واللا معنى وعرف
كيف يرتبط بقضية ورجال يحملونها ويناضلون من
أجلها، وإنما أيضاَ لأنه تعلم كيف يوطن النفس
على تقبل الألم الجسدي وصولاً لما هو أهم وهو
الشعور بالتفوق الروحي أو على الأقل الوصول
إلى شعور الرضا عن النفس والانسجام مع الذات.
وكأن تجربة "على الناصر" مع السجن والآلام
الجسدية والقسوة البالغة التي رافقته كما نقرأ
فصولها في هذه الرواية، تمثل ما يشبه المعادل
أو المقابل الذي واجهه المؤلف "محمد العريمي"
نفسه في تجربته مع العوق والآلام الجسدية
والنفسية التي رافقته كما سردها لنا في "مذاق
الصبر" فـ"الجسد بوصفه بيت الروح وحاضنة
الوعــــي الإنساني يكتسب في حالات من هذا
النوع معرفة أوسع عن طريق الألم " كما
ذكرنـــا في مقدمة"مذاق الصبر".
فقد كان الضرب المبرّح وجلسات التحقيق
والتعذيب الوحشي المتكرر الذي مارسه "الخازوق"
وغيره من المحققين والجلادين مع بطل الرواية
ورفاقه في السجن قد فعلت فعلها في بلورة إحساس
هذا البطل بنفسه واعتداده بذاته وخلقت عنده ما
يشبه المناعة التي توقف أساليب التعذيب
الجسدية والنفسية والإغراءات من الوصول إلى
أهدافها في إذلال الإنسان وامتهان كرامته
ودفعه لتقديم اعترافات غير موجودة، ولكن من
شأنها أن تلحق الأذى بآخرين مثلما تلحق الأذى
بصاحبها نفسه.
ولئن كانت "مذاق الصبر" نوعًا من التمرين
الإجباري على كتابة سيرة ذاتية دفعت إليها
ظروف خاصة بالمــرض والإعاقــة، فإن "حز
القيد" قد عبرت عـن نفسـها بالإجابــة عـن
ســؤال ضروري طرحـه بطلها "علي الناصر" منذ
البدء على نفسه، وحاول إشراكنا في الإجابــة
عليه وهــو "مــا هــو الإنســـان" ؟
و"مــا هدفه في هــذه الحياة الدنيا"؟
وكأنــه يستعيد بذلك التعريف الأولي الذي وضعه
الناقد المجري "جورج لوكاش" للجنس الروائي:
"يعبر جوهر العمل الروائي الأكثر عمقا عن ذاته
في السؤال التالي: ما هو الإنسان؟ " و "حز
القيد" من جهتها تنطلق وهي تحاول الإجابة على
سؤال من هذا النوع نحو أفق أوسع يتجاوز فيه
الكاتب والكتابة المصير أو المصائر الفردية
وصولا لما هو جوهري في الوضع البشري.
وماهية الإنسان التي حاولت "حزّ القيد"
الإجابة عنها لا تقتصر على الراوي البطل الذي
تعرض لامتحان نفسي وجسدي وفكري عنيف، وإنما
تعدته إلى رؤية وجوه ومصائر إنسانية أخرى
رافقته في السجن، ومارس بعضها تأثيرا
واسعاعليه مثل "سعد" الحاضر الغائب والمتهم
الرئيسي الذي تبحث عنه السلطات، وربطته بـ
"علي الناصر" علاقة عابرة لم تتح لها الظروف
أن تتعمق وتتسع، وكذلك "ظافر" الذي فضل الموت
على أيدي جلاديه على التنازل أو الإقرار
بالضعف أو الهزيمة، ومنحت صحبته القصيرة لـ
"علي الناصر" داخل السجن أشياء كثيرة وعلمته
الإصرار على المقاومة وتحمل المشاق والوقوف في
وجوه الجلادين القتلة.
لقد أعاد "علي الناصر" اكتشاف ماضيه وأعاد
النظر في علاقاته الاجتماعية والعائلية فيما
هو يكتشف ذاته ويعيد النظر في حياته.
يضاف إلى ذلك أن البعد الرمزي في الرواية لا
يقتصر على الجانب الذي نرى فيه مضمر السرد
يبرز ويتضخم ليكون اسم علم لمدينة وشخوص
يضطربون في أسواقها وحاراتها ومدن الصفيح
القائمة على أطرافها، وإنما هو يلامس بعدا
وجوديا غائرا يكون فيه القيد معادلا موضوعيا
لقدر غاشم وموت يتربص بالأحياء وأشواق روحية
مكبوتة، وجسد لا يقوى على مغالبة التوق
للانطلاق نحو فضاء أوسع، وعوالم أكثر قدرة على
توفير شروط تحرير الإنسان من بؤس قدره الأرضي.
وحينما يصرخ "علي الناصر" مرة وهو في أعماق
زنزانته قائلا: " يقتلني هذا الخواء المدمر:
خواء الذات، وخواء المكان ".
فإن شكواه هذه لا تقتصر على الضيق بسجن مراغة
البعير الأجرب الرهيب، وإنما تتعداه إلى وصف
مشاعر الإنسان إزاء وحشة القبر وضغط الوجود
وصعوبة القدر البشري الذي يمكن أن يشعر به
الإنسان حتى وهو خارج السجن.
ولعل جانبا من الأسباب في نجاح هذه الرواية
هي أنها قدمت للسجن صورة نمطية يمكن أن تطال
أماكن وسجونــًا أخــرى لا يخضع أصحابهــا
والساكنــون فيها لسلطـة "الخازوق" أو غيره
مــن زبانية جهنم الأرضية هذه.
والرواية وهي ترتد بين حين وآخر إلى زمن مضى
لتعالج شخصيات وأحداثًا انطوت عليها مراحل
سابقة تقوم بعملية ثأر ضرورية على المستوى
الشخصي الخاص والاجتماعي العام من أجل التأمّل
وفحص العلاقات العائلية الخاصة "الزوجة، الأم
والأب والحبيبة وبعض الأصدقاء" و كشف ما جرى
في تلك المراحل المعنيّة من تاريخ "قحطين" من
أساليب لا إنسانية عاشها الناس في ظل الخوف
وفقدان العدالة وتسلط الأجهزة الأمنية التي
ترفع شعار الوطن والوطنية. وهي تلقي بحكمتها
وظلالها الثقيلة على الحاضر محذرة من أن
مجتمعنا المعاصر ما زال مهددا بانتهاكات من
هذا النوع طالما كان البطل الفرد معزولاً
ومعرضًا للضياع وفقدان الكرامة في ظل واقع
مظلم وقبيح.
والمنهج السوسيولوجي الاجتماعي الذي يتداخل مع
المنهج السيكولوجي النفسي هوالذي يؤلف الإطار
النظري لبناء الشخصية في هذه الرواية، مع ما
يتضمنه ذلك من خطر إضفاء طابع الفكر المفهومي
والآراء الاجتماعية والسياسية المجردة على ما
هو في الواقع معطى مباشر ملموس وحيّ. وبعض
أشكال الحوار ذات الطبيعة اللفظية و "المثقفة"
تكشف أحيانًا عن أبعاد مصنوعة لبعض الشخصيات
ذات الطابع الأحادي في تكوينها ؛ فهي إما
ايجابية لا شيء يظهر تناقضاتها وأخطاءها، وإما
سلبية غير قابلة للإصلاح والتقويم. ومحاولة
الروائي رؤية بعض أبعادها الداخلية وتلمس
ملامح فكرها ومواقفها وتحولاتها النفسية تبقى
غير كافية أحيانا للتعبير عن حيويتها
الداخلية. وقد ذكر الراوي في أكثر من مناسبة
وهو يصطدم بالشخصيات المواربة لبعض المحققين
والمشرفين على السجن أنه تعلم فيما بعد " أن
حسن الأخلاق عند بعض الناس ليس سوى وظيفة أو
قناع يستخدم لجني مكسب أو تحقيق غاية ".وهو
يقول ذلك لأنه رأى فيما بعد أن المحققين في
سجن مراغة البعير الأجرب يغيرون من عنف
أساليبهم أحياناً مع الضحية فيبدون أكثر
إنسانية وأقرب إلى فهم مشاعر ضحاياهم، ولكنه
سرعان ما يكتشف أن ذلك مجرد استراتيجية الهدف
منها محاولة توريط المتهم وغشه لانتزاع ما
يمكن أن يكون أخفاه عنهم من حقائق بأسلوب آخر.
وكون أغلب الحوارات في الرواية مصممة ومدروسة
ربما جنبها الوقوع في خطر الترهل والانزلاق
نحو زوايا وموضوعات واشارات قد لا تخدم البناء
العام للرواية، ولكن القاريء يشعر مع ذلك بأن
لغة الراوي المشارك و البطل الرئيس فيها
موضوعة على ألسنة بعض الشخصيات تتقاسمها معه
وتتكلمها بنفس طريقته بكيفية أو أخرى. وهي،
كما ذكرت، لغة موحدة غالباً، محمولة على إهاب
عبارة قصيرة وذكية وقادرة على فهم أبعاد موقف
الشخصية المقابلة ودوافعها النفسية والفكرية
ومرامي القول عندها. ولئن كانت الفصحى
المستخدمة في هذه الحوارات دون الدارجة شيئاً
مفروضاً لأنه يسهم في اضفاء طابع العموم
والاتساع ويبعد عن المتخيل السردي تهمة
الارتباط بأرض وبلد دون سواه، فإن من شأن ذلك
أيضاً أن يفقد الشخصية بعض خصوصيتها، ويجعل
الملفوظ الحكائي معوّماً يمكن أن يحدث ويقال
في أماكن وأزمنة كثيرة، وليس في مكان وزمان
محددين.
والواقع أن راوي محمد العريمي لايملك في هذا
الجانب خيارات كثيرة، كما نعرف. وهو مضطر إلى
اللجوء إلى هذا النوع من اللغة، وإلى الرمز
والمواربة في القول. ولكن إحكام مستويات
الخطاب والتنويع في لغة الشخصيات وتباين
الإيقاعات وتعدد الأصوات يعتبر المبدأ الباني
في الرواية الحديثة بوصفها نصاً مركباً لا
تقتصر شعريته على بلاغة التعبير الخارجي،
وإنما على دلالاته وإيحاءاته ومدى غنى عوالمه
الداخلية وتميزها. واختلاف الموقع الوظيفي
والاجتماعي للشخصية لا يعني بالضرورة اختلاف
صوتها وتميز موقعها داخل الرواية. إذ قد يكون
المظهر اللفظي للخطاب مضللاً. وليس يكفي أن
يعرف الراوي حقيقة بعض الناس ويدين سلوكهم
فيكشف مثلاً مزاعم بعض المحققين الذين يقولون
بأنهم ينطلقون في عملهم هم الآخرين من دوافع
وطنية ليثبت أنهم شخصيات وأصوات مختلفة. إذ
المهم هو مدى اختلاف زاوية الرؤية وقدرة
الشخصية على التعبير عن الخصوصية من خلال
الممارسة والمواقف العملية والتعبيرات اللغوية
المكوّنة نتيجة لمعرفة خاصة بالعالم.
والواقع إن راوي محمد العريمي يبدو على ضعفه
وهشاشته الظاهرة ممسكاً بخيوط اللعبة الروائية
كلها، لا يكاد أحد يفلت من نمط الحياة ونوع
الفعل والمصير المحدد له سلفاً.وموضوعية
الراوىالظاهرة وأساليبه الحذرة في النقل
والتعليق وحرصه على نسبة الأخبار ولأفكار إلى
أصحابهالاتمنع من أن يكون مجمل الخطاب في
الرواية خطابه الخاص المكوّن في جانب منه وفق
تصوراته وتصميمه وقناعاته الخاصة. ومشكلة هذا
الراوي لا تتمثل فقط في أن أغلب علاقاته مع من
جمعته معهم باحة السجن خارجية خفيفة وتفتقد
العمق الكافي، وإنما هي تتمثل أيضاً في عجزه
عن الاندماج في النسيج الاجتماعي والفكري
والدخول فيه دخولاً حياً وفاعلاً. ولعل رغبته
في التعلّم والتعويض عمّا فاته هي التي جعلتنا
نراه يسلك داخل السجن سلوكاً متناقضاً
أحياناً. فهو يسعى إلى أن يثبت التهمة الموجهة
إليه لا أن ينفيها. وهو يحدث نفسه في إحدى
المرات هكذا:
" يا لهذا المنطق المعوج ! لعمري أنها مفارقة
عجيبة أن يفكر المرء أن عليه التصرف على نحو
يثبت التهمة عليه لا ينفيها، ويؤكد لنفسه قبل
غيره أنه أهل للإعتقال وأن وجوده في السجن
يقوم على إدانة حقيقة لا على مجرد شبهة "
وذلك لا يمنع من القول إن هذا الراوي ينجح
أحياناً في رسم صورة لبعض الشخصيات كتلك التي
ارتبط معها بعلاقات في طفولته وشبابه وبقيت
صورتها حية في ذهنه. ومن هذه النماذج البشرية
الشعبية نموذج "أم زيد" التي كانت تتردد على
دار الراوي وتنقل بطريقتها الخاصة الأحداث وما
يدور في الحي والمدينة من أخبار بكيفيّة تكاد
تكون منهجيةومنظمة. وكذلك شخصية حسون الحلاق
"المجنون"الذي ينقل لنا الراوي صورة
قلميةطريفة من صوره وقد ترك زبوناً لم يكمل
حلق ذقنه ووقف يحذر الناس بأعلى صوته وهو يهز
يده بعنف ملوحاً بموسى الحلاقة من تصديق
الافتراءات والأكاذيب التي يطلقها "راديو"
المصلّح "خميس" عن نزول الكفرة على سطح القمر.
وأخيراً لقد وصل "علي الناصر" إلى السجن
وغادره منتصراً بعد أن أجبر التغيير الذي حدث
في النظام الحاكم في "قحطين" سلطات السجن على
اطلاق سراحه. غير أن من الصعب القول إن انتصار
البطل في نهاية هذه الرواية يمكن أن يتعدى
مغالبة النفس والثبات على المبدأ والنجاح في
إعادة صياغة الشخصية على الرغم من حز القيد
الذي سيبقى أثره على يدها وأعماق نفسها
طويلاً. إذ لم يكن التغيير الذي حدث قد جاء
استجابة مباشرة لإرادة الجماعة السياسية التي
اتهم علي الناصر بالانتماء إليها وحاول أن
يفهم ولوفي وقت متأخّر الأسس المادية والفكرية
لعملها السياسي والتنظيمي. والرواية لم تقل
لنا شيئاً عن هذا التغيير المفاجيء الذي دفع
سلطات السجن إلى أن تعمد إلى تغيير صورة
السجان داخل السجن وتضع في خزانة الحديد التي
كانت تضم أنواعاً مختلفة من أدوات التعذيب
واجهة زجاجية تضم عدداً من الكتب والمراجع.
ولذلك فهي نهاية مفتوحة على احتمالات شتى،
ولكن البارز منها أن التغيير لم يحصل حقيقة في
بنية النظام الحاكم في "قحطين" أو أنه كان
شكلياً لم يمس العمق، وأن الحصيلة لا تتعدى
إنجازاً فردياً قام في الأساس على ما يشبه
التحدي الداخلي الذي واجه فيه بطل الرواية
نفسه أكثر مما واجه محققين وجلادين أنذالاً.
واللحظات التي يصف فيها هذا السجين السياسي
مشاعره المختلطة ساعة خروجه من السجن وانتظاره
للحافلة التي ستقله إلى أهله ومدينته تستحق أن
تروى لما فيها من دلالات ومعانٍ:
" استنشقت نفساً عميقاً كمن أخرج رأسه إلى سطح
الماء بعد أن كتم نفسه حتى نفد ما في رئتيه من
أوكسجين.. أحسست أني بحاجة إلى استنشاق المزيد
منه لتخليص جسدي من كل الهواء الملوث بزفير
الجلادين، والسجانين، والمعذبين.. ومشيت
استنشق الهواء وانظر إلى السماء، واشكر الله
سبحانه وتعالى أني خرجت أمشي على قدمي من
مراغة البعير الأجرب.. لا ميتا ولا مجنونا ولا
على نقالة، كما هددني الخازوق وتوعد !
مشيت على درب كثر رمله وحصاه وترابه.. لا ظل
فيه لغير شجرة لاحت من بعيد.. كثة خضراء في
لوحة كستها الشمس والجفاف يبابا: شجرة قاومت
حرارة الصحراء وتقلبات طقسها، واينعت دون
سواها وسط الظمأ.. رأيت فيها ابتسامة ظافر
الخضراء وعلى صخرة تحت ظل تلك الشجرة جلست
أنتظر الحافلة ".
وهذه الشجرة الوحيدة وسط الصحراء لا تعكس فقط
الأمل في إمكانية وجود حياة خضراء في ذلك
اليباب الصحراوي الذي يقبع السجن في وسطه،
وإنما هي أيضا المعادل الموضوعي لفكرة مزدهرة
وحياة فردية غنية يمكن أن تكون ملجأً وملاذاً
للضالين واليائسين وفاقدي الأمل في الإصلاح
والحياة الإنسانسة الكريمة.نعم إنه مجرد أمل
في خلاص فردي ربما كان الراوي المشارك وهو
يغادر معتقله الصحراوي يدركه ويفكر فيه أكثر
من سواه. وهو لاشك يتذكر كلمات المحقق "على
البكري" الذي أكتشف "علي الناصر" متأخرا أنه
الأخ الأصغر لأحد أصدقاء العائلة ومعارفها
القدماء:
"زمن المباديء والتضحية بالنفس ولّى واندثر..
نحن اليوم في عصر لا يعرف الإنسان فيه غير
مصلحة نفسه، وسواه لا يهم. اكبر يا رجل ودعك
من أوهام الطفولة وسير البطولات الزائفة ".
والسؤال هو هل كانت هذه الكلمات هي النبوءة
التي تلخص النتيجة التي انتهت إليهاتلك
التجربة المريرة التي خاضها راوي محمد العريمي
وأجيال من المثقفين والمناضلين العرب في مرحلة
سابقة من عمر تاريخنا العربي الحديث ؟
وقد لايكون من مهمّتنا الاجابة على مثل هذا
السؤال،ليس فقط لأن جانبا من هذه الاجابة يقع
خارج متن الرواية نفسها،وإنما أيضا لأن
اهتمامنا منصب على بناء شخصيّة بطلها الذي
أفلت بنفسة من السجن،ولكنه سيبقى غير قادر في
اعتقادناعلى البقاء داخل نزعته الفرديّة، حبيس
عالم مغلق بلا نوافذ،بعد أن جعلت ممرّات السجن
العمياءعينه مفتوحة على مشهد الصحراء يحدوه
الأمل في أن يرى غابة كاملة وراء تلك الشجرة
الوحيدة يشارك الجميع في زراعتها وتعهّدها
بالرعاية.
ــــــــــــــ
*كاتب وناقد من العراق
 |
 |
|
|
|
|