قراءات رواية "حز القيـد"

المشهد السردي فـي عُمان
 نماذج من السيرة والقصة والرواية

ابـراهيـم عبدالمجيـد*

عُمان دولة ذات بعد حضاري ضارب في القدم. وهي تشهد مثل سائر بلدان الجزيرة العربية نهضة من العمارة والتصنيع والتعليم والصحة وغيرها. وفي مثل هذه الحالات لابد ان يبدأ النهوض من الفنون والآداب. وكما يحدث في الجانب المادي من الحضارة، اذ يبدأ النهوض مما انتهت اليه البشرية، يحدث في الفنون والآداب. فعمان او غيرها، ليست في حاجة الى التجربة الحصرية التاريخية في الأدب. أي تأسيس تاريخ للرواية او القصة، ذلك حدث في مصر في بدايات القرن الماضي حينما انفتحت مصر على أوروبا واكتشف كتابها فن القصة والرواية والمسرح، الآن هذه الفنون وغيرها ليست في حاجة الى اكتشاف. هي موجودة حول الناس في كل مكان بفعل الميديا وثورة الاتصالات واتساع المعرفة.

 اذن فالعمانيون لابد ان تكون بداياتهم مع الفنون من النقطة التي انتهت اليها الفنون والآداب. من هذه الزاوية قرأت ما توصلت اليه من أعمال روائية او قصصية. لكن قبل ذلك أحب أن أقف عند نوع آخر من السرد، الذي هو اقرب الى السيرة، أو السيرة ذاتها وفي هذا أقف عند عمل للشاعر سيف الرحبي وعمل للروائي محمد عيد العريمي.

٢مذاق الصبر / حز القيد..

يقول الدكتور ضياء خضير في تقديمه للكتاب «هذا كتاب فريد في بابه، يحتل او ينبغي أن يحتل مكانة متميزة بين الاعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة، واذا كنا غير قادرين على تحديد نوع الكتاب «مذاق الصبر» فلأنه بطبيعته ينأى عن التصنيف، اذ يكتفي المؤلف بتقديم مادة خام ولا يعنى بالشكل وطريقة الكتابة على الاسس النوعية الشائعة، فليس لأنه يجهل أو يتجاهل مثل هذه الأسس، وانما لأن الرغبة الضاغطة في الكتابة عن التجربة ومحاولة الكشف عن ملابساتها ضمن الوضع البشري الاستثنائي الذي عاشه صاحبها هي التي تسبق ما عداها، وتجعل من الممكن أن يحرز النص هذا القدر الطيب من النجاح والتأثير، ويحقق جماليته الخاصة بصرف النظر عن شكل الكتابة والنوع الذي تنتمي اليه.

هذا الكلام كله يعني باختصار ان الكتاب يقع ما بين السيرة والرواية والمقالة، وهو ما سيقوله الناقد فيما بعد، والحقيقة ان جانب السيرة هو الضاغط الاكبر، فالكاتب محمد عيد العريمي الذي تعرض لحادث اصابه بشلل رباعي يذكرنا بالكاتب المصري المتوفي صبحي الجيار صاحب سيرة «ربع قرن من القيود». وانا هنا لست في معرض المقارنة بين السيرتين، ولكن في معرض الأسى على الكتاب الذين يتساوون أحيانا حتى في مرض عضال مثل الشلل، ما يهمني هنا هو السرد واسلوبه، ورغم ان الكاتب يعتذر للقارئ عما اعترى النص من قصور لأنه لم يكن معنيا بشكل الكتابة قدر عنايته بمضمونها.

والحقيقة ان السرد هنا بسيط ينم عن دراية باللغة، قريب الصلة من الرومانسية، وكيف لا يكون كذلك، إلا ان الكاتب المعني بالمضمون لا يمشي وراء الحزن، ولا يجعل نفسه محور انهيار العالم، ويستطيع كثيرا ان يختزل المعاني في جمل سهلة مثل «لم يختلف اليوم الثاني للحادثة عن الذي سبق، ولم يكن افضل حالا عن ما تلاه من أيام».

ويقدم الينا في سلاسة رحلته منذ الحادثة حتى السفر للعلاج بالخارج ومسيرة العلاج والمرضى الذين قابلهم والجو المحيط وحياته بين اليأس والرجاء، وتتفجر كثيرا جمل تحمل طاقة فنية لأنها بنت تجربة كبيرة مثل «وأنا جليس الكرسي المتحرك الذي غدا، أحببته أم كرهته، جزءا من جسدي»، على ان الجميل في هذا الكتاب هو التصالح مع الحالة، واللغة العذبة السهلة، انه شكل آخر من السرد، لا يطمع ولا يطمح ان يكون حالة أدبية، وكل نجاحه هو في الروح الانسانية التي تتدفق رغم قسوة الحالة وفداحة الخسارة الجسدية لصاحب السيرة، محمد عيد العريمي هنا ينتصر للارادة الانسانية دون مبالغات، ينتصر لها أيضا بسلاسة السرد، على ان هذا السرد سيتطور كثيرا حين يكتب محمد عيد العريمي روايته الاولى «حز القيد». هنا ستتسع مساحة المغامرة والصور الشعرية والاخيلة خاصة ان الرواية عن السجن، وليست عن سجن محدد، لكن سجن متخيل، سجن في بلد تسمى «قحطين» ولعل ذلك من قحطان، فهي اذن بلد عربي، أي بلد عربي. الرواية رغم انها عمل متخيل، إلا انها ابنة معرفة واسعة بأحوالنا العربية، هذه السجون المفتوحة بتهم غير حقيقية للمناضلين وللناس العاديين على السواء، فبطل الرواية راح ضحية معرفته بشخص دعاه الى مشاهدة فيلم سينمائي معه، ومن السينما تم القبض عليه، فالذي دعاه حسب أقوال أجهزة الامن يشكل مع غيره تنظيما سريا مناهضا للنظام. أغامر فأقول ان هذه الرواية أيضا قريبة من السيرة، ولكنها سيرة جماعة رغم ان كاتبها فرد. وهكذا يظل الكاتب في منطقة المراوحة بين السيرة والرواية في عمليه، «مذاق الصبر» و«حز القيد»، والمهم هنا هو انه يساهم في فتح باب الكتابة في مناطق خطرة وصعبة، واذا كان ثقل السيرة في الكتاب الاول يجعل السرد بسيطا، فان الرواية في الكتاب الثاني تجعل السرد اكثر حركة واكثر تشظيا واكثر استجابة للغرائب فأشكال التعذيب النفسي والبدني في المعتقلات العربية تتفوق في الحقيقة على أي متخيل.. ونستطيع أن نقول على الإجمال ان محمد عيد العريمي، بعيدا عن مضمون عمليه، يحقق في السرد بساطة وحيوية، لكنه في الكتاب الثاني لا يبوح بأفكاره أو رؤاه الفكرية الا من خلال الصور المتتالية منذ لحظة الاعتقال، وهذا الذي يجعل الجانب الروائي في الكتاب الثاني هو الاكثر حضورا، لكن العريمي في الكتابين لا يحاول ان يحقق شكلا، هذه قد تكون ميزة للقارئ العادي، لكنها تقلل من اسهام المؤلف الفني، فالبحث عن شكل جديد او مغاير هو العلامة الفارقة بين كاتب وآخر، لكن يظل العريمي في الكتابين هادئ الصوت وهذه ميزة تحسب له رغم قسوة التجربتين، التجربة الاولى الواقعية والتجربة الثانية المتخيلة.

ــــــــــــــ

 * روائي مصري / مجلة نزوى/ 46/2006