قراءات رواية "مذاق الصبـر"

 قراءات من مذاق الصبر..!

لـ: الدكتور سليم صابر*

ليس من السهل قراءة وتحليل ما ورد في الـ"مذاق"، وهو موضوع شائك فعلاً، حيث أنّ ما جاء فيه يعطي الإعاقة موقعًا مميزًا لم يكن معروفًا من قبل، ويعطي المعوّقين حقّهم في ما يسعون إليه من تفهّم ومطالبة بالاندماج الكامل في مجتمعهم، ألا وهو مجتمعنا الشرقي المتماثل في أغلب جوانبه. ويهمني التحديد هنا بأنّ الكاتب قد أعطى فكرة واضحة عما هي مقوّمات الإعاقة ومعاناة المعوّق في أوطاننا، ولم أقم أنا سوى انتشال بعض الخفايا من فكره والتركيز عليها متسائلاً ومجيبًا عنها في نفس الوقت. وتبقى المسيرة التي خطّها محمد عيد أوفي وأفضل عمل قرأته عن المعوّقين ومعاناتهم من حيث التعبير عن الذات، ويعطينا فكرة واضحة عن حياة المعوّق ومعاناته وطموحاته وأمانيه.

للحقيقة، إنّ ما قمتُ به هو مجرّد قراءة خواطر أتت، بتلقائيّتها، تحاور الذهن وتدهشني في ما احتواه الكتاب من مضمون واقعي بليغ، مبيّنةً لي مدى تأثّر الناس، والمثقّفين منهم على وجه التحديد، بما يختصّ بظروف الإعاقة والاهتمام بها، بعد أن كانت حكرًا على ذوي الاختصاصات وحسب. وهذا يبيّن مدى الإلمام ويظهر مدى امكانيّة تغيير الواقع، والعقليّة السائدة، بمجرّد إنارة جوانب المشكلة التي يرزح تحت وطأتها الكثيرين من المعوّقين في هذا الشرق. من هذا المنطلق قمت بقراءاتي.

تصوّرته أمامي، ههنا، وهم يحملونه، بكرسيه الدرّاج، فوق أدراجٍ ما بعدها أدراج! وتصوّرته وهو يهذي، من غثيان النفس ونفورها، ويقول لهم: "ألا دعوني وشأني، فما أنا بقطعة أثريّة تتهافتون، باقتداركم، للحفاظ عليها وكأنّها لا تُثمّن

وأتساءل بدوري: ألا يمكن رؤية الأمور في هذا الوطن إلاّ من منظار البيرقراطي البليد الذي يأبى رفع الرأس والتحليق بأجنحة المخيّلة نحو أفق الذاكرة، تبصّرًا، ليأخذ منها العِبر ويبني إنسانه الراقي كما يجب؟

ألا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض ويصحّح أخطاء الماضي ويزيل شوائبه بجدارة وجدّيةٍ فعّالتين تجعلان من البيئة التي يستخدمها ويعيش فيها جنّة للإنسان مهما كانت إصابته بليغة؟

ألا يمكن لنا أن نتصرّف بوعي علمي وببرغماتيّة تغيّر من مسيرتنا الفوضويّة في مضمار العلم والثقافة والرقي الحضاري الذي تتوق إليه كلّ الشعوب؟ 

ألا يمكن رؤية دمعة على خدّ طفل بريء إلاّ من منظار الكبار ولا نمسحها بصلف؟ ما دمنا كذلك، فلن يعرف التعاطف والحنان منفذًا إلى قلوبهم الطريّة، ولن يعرف مجتمعنا، لأجيالهم، سوى القسوة!

لقد تعوّد هذا الشرق إعطاء أحكامه عن سابق تصوّر، معتبرًا أنّ رأي القوي هو ألأصحّ، لا التعقّل أو التبصّر أو الرويّة. وطالما أننا لا نهتم لرأي الأضعف ولا لأفكاره، ولا نأخذ بدمعة أطفالنا على محمل الجدّ، فسيبقى هذا الشرق ينمو قساوةً عجفاء!

أيا ليت نفسي كم ستهزأ!

جاءني ردّ الكاتب بعد أن ختمت قراءاتي في "مذاق الصبر" كالتالي: " فوجئت، اقتضابًا، أنا الذي اتّبعت أسلوب الاسهاب، ما جاء في سرد الحادث بحدّ ذاته... وكأنني أراه يهرب من قدرٍ، حتميّته واقعٌ مريرٌ لا مفرّ له منه..." بهذه الجملة المعاتبة ـ ربما ـ استهلّ الـ"صابر" قراءته لـ"مذاق الصبر".

وبهذه: "أعتقد أنك أخي محمد كسبت رهانك مذ عدت إلى الحياة، وتلقائيًا عادت ثقتك بالنفس أكبر!" انهى قراءته!

وأكمل: "الفاضل الدكتور صابر، وددت لو لم تنهي قراءاتك، لكنني أثمّن قولك: "وإنما ما زاد في المعنى نقص". وهي إجابتي على عتابك، فهي لخّصت ما كنت سأقوله في جمل طويلة بكلمتين أُصابتا الغاية."

وتابع: "كلماتك يا سيدي أسالت دمعتي وأنا الذي جاهدت، لسنوات طوال، ان لا تسيل. ليس لقساوةٍ في القلب وإنّما تداركًا، كي لا أفتح للدمع طريقا عبر العينين." هكذا جاءني ردّه الأخير على قراءاتي التي أودعتها منتدى "عيون عمان".

جّ بالمرضى العرب، وأكثرهم من شبه الجزيرة، بما معناه أنّ من تواجد معه هناك هو من المحظوظين "مثله" أصحاب أموال أو بكفالة شركات بتروليّة عالميّة تحترم نفسها وتقدّر الإنسان وتمنحه فرصة استعادة قدراته، فكريّةً كانت أم جسديّة، ولا تتخلى عن موظّفيها مهما تقلّبت الظروف، وهذا ما جاء على لسان الكاتب حين شكر الشركة وطبيبها.

محظوظ فعلاً كاتبنا، فلولا تواجده في هذه الشركة بالذات لما كان حصل على كلّ تلك العناية الراقية واللائقة. والسؤال المطروح هو: لو أنه كان يعمل في شركة أخرى أو لحساب شخصٍ ما ذات قدرة متواضعة أكان تمتّع بمثل هكذا معاملة؟

سؤال يحتّم نفسه في مدار قراءة السيرة، ويحتّم رحيلاً في المخيّلة إلى أبعد الحدود، حيث الحواسّ لا تحتمل دقّة الموضوع، حين نلج خصوصيّاته ونبحث فيها في الأعماق، فهو يوصلنا إلى التساؤل الأكبر: ماذا يحلّ بسائق سيّارة أجرة أو موظّفٍ حكومي أو بربّ عملٍ بسيطٍ أو أيّ شخصٍ عادي آخر لو وقع ضحيّة هكذا حادث؟!؟

هشاشة البنى الصحّية في هذا الشرق واضحة، ورقي وتطوّر الإنسان يأتي في الحفاظ على إنسانيّة المعوّق، كما يحلو لعيد تسميته، وأنْسَنة إعاقته.

في الدول الأوروبيّة الغربيّة التي تحترم نفسها سُنّت قوانين صارمة، من قبل مشترعيهم "برلمانات وحكومات"، تحمي هؤلاء الأشخاص المعوّقين. لا بل تأخذهم الدولة على عاتقها وتفرض تأهيلهم وتخلق لهم الأجواء الملائمة وتضع بتصرّفهم المؤسّسات المتخصّصة، كما تخلق لهم بعدها فرص عمل تساعدهم على إعادة إندماجهم في المجتمع. هذا ما يسمى بتساوي الفرص ما بين المعوّق والمقتدر السليم.

هناك ذهبوا أكثر من ذلك بكثير، وما أوضح من الكاتب حين يتكلّم عن كيفيّة تأقلم مجتمعاتهم، مؤقلمين البيئة لكي تستوعب معوّقيهم. ويبقى السؤال: أين نحن في شرقنا من كلّ هذا؟ ماذا فعلنا، ماذا نفعل الآن، ما هو مدى استعدادنا للسير قدمًا ببرامج تمنح المعوّق الشرقي حقّه في تكافؤ الفرص، وماذا نخطّط للمستقبل؟

للحقيقة سوف يبقى معوّقونا يجرجرون أنفسهم على الطرقات، ما أمكن لهم ذلك، ويشحذون في الشوارع لقمة العيش، كرم أخلاقٍ من محسن أو معين!

وإن تمكّن الكاتب محمّد عيد من الجلوس على الكرسي المتحرّك، فذلك بفضل وعي وأخلاقيّة مسؤولي الشركةٍ التي يعمل لديها ولم تتخلّى عنه إطلاقًا، وبفضل مؤسّسةٍ متخصّصةٍ متواجدة في الغرب مهمّتها التأهيل بجدّية، لا كما ينمو هنا وهناك في شرقنا الحزين طفيليّات تدّعي التخصّص وممارسة التأهيل وهي، في شكلها المتواضع وقدراتها البسيطة، خارج الدعم الحكومي أو معه، أبعد ما تكون عن ذلك.

ولا نتكلّمن كثيرًا عن المؤسّسات المنوطة بعناية المعوّقين، حكوميّة كانت أم خاصّة مع استثناءات قليلة لهذه، فإنّ معظمهم قد أنشئوا من أجل إعطاء تلميعٍ للحكومات أو وجاهة يبحث عنها بعض المتطفلين أو حتى اكتساب أرباح مادّية على حساب المعوّقين، وهي في نهاية الأمر تشكّل ، كما قال الكاتب، عبئًا على المعوّقين أنفسهم بدل دعمهم.

كلّ هذا يصل بنا إلى خلاصة واقعيّة وإنّما مؤلمة وهي أنّ الغرب يعطي إنسانه حقّه في الإنسانيّة، ويحترم خصوصيّاته وجسده وتفكيره، ويلتزم بكلّ فردٍ مهما كانت إمكانيّاته المادّية أو الفكريّة أو الاجتماعيّة في الهرم التصاعدي للدولة، بينما يرزح إنسان شرقنا تحت وزر أحمال ثقيلة، ودون أيّ التزام مادي أو معنوي من مسؤوليه، ولا طاقة له عليها!

عادةً، إنّ ما يحصل بعد أيّ كارثة هو اختلاف تداعياتها من إنسان لآخر، حسب قربه أو بعده عن المصيبة بحدّ ذاتها أو حسب ولوجه قلب الحدث.

منهم من يلج الحدث بشجاعة ويتقبّل الكارثة بوعي، ومنهم من يلجها بخوف شديد ويلجأ إلى العقل مع الوقت، ومنهم من يرفض وضعه وينهار كليًا، فيلجأ إلى تناول العقاقير المهدّئة وما من ينتشل نفسه من الحضيض، لا حضيض الكارثة بل حضيض الألم والمعاناة، فيسارع في الخطو بجسده نحو النهاية.

من المؤكّد أنّ من له قدرة الصبر وروح التحدي وطباع العناد يبقى حتمًا يثابر ويبعد عنه شبح الانهيار والموت الجسدي والمعنوي. هذا لا يعني أنّ أمثالهم لا يشعرون بالألم أو بالمعاناة أو بالضغط النفسي اليومي عليهم كأيّ امرءٍ عادي آخر. أشخاصٌ كهؤلاء يبقون حتمًا منارة تضيء على الدوام ليل شرقنا الحزين هذا!

وفي الحياة العمليّة إن من يكون في قلب الحدث يتقبّل الأمر كحتميّةٍ إلهية أكثر من أيّ قريب له، فهو ربما يستوعبها أكثر، نظرًا لكونه على رصيف الانتظار يترقّب ساعة الرحيل!

من لا يتقبّلون ذلك، فتكون وقع الصدمة عليهم أشدّ، هم أقاربه اللزم، كالأب المجروح بكرامته وعزّة نفسه وكبريائه، كالوالدة الملتاعة والمرأة المذهولة والإبن الشجين وكالأهل المحزونين على مصاب قريبهم.

وما يرفع إسم هذا الشرق عاليًا هو نخوة أبنائه! شعوبٌ طيّبة تركض لتساعد وتهتمّ رغم قصر الحيلة لديهم وعدم منفعتهم في كثيرٍ من الأحيان إلاّ في شيءٍ واحد وهو التبرّع بالدم!

نعم إبن وطننا العربي وجد نفسه عاريًا من كلّ مقوّمات إنسانيّته، فتبرّع بدمه، ولو أمكنه لتبرّع بحياته! أليس هذا ما يحصل في الأرض الفلسطينيّة؟

لكن الاهتمام بالمريض والاندفاع الطيّب للمشاركة والمواساة والمؤانسة وإظهار كلّ الاستعداد للخدمات هو سلاح ذو حدّين. لا يُخفى على أحد بأنّ من يرزح وأهله في مصيبة ما هو أكثر حاجةً إلى الهدوء والراحة، النفسيّة منها والجسديّة، وهذا ما يؤمّنه ذوو المريض لتحسيسه بوجودهم بقربه وإمكانيّة الاهتمام به كما يجب، فهناك أمور تحكم ليس فقط الإعاقة وإنّما أيضًا المرضى الرازحين في أسرّة العلاجات المختلفة. أعطي مثلاً على ذلك: استعمال الزحافات لقضاء حاجات المريض في السرير وهو أبسط الأمور.

غالبًا ما يعيق الزوار والمتطفلين المريض ويحرجوه ويضطرّوه للانتظار قبل القيام بمهام معيّنة يفضّل القيام بها بمفرده وبعيدًا عن أعين الآخرين.

من ناحيةٍ أخرى إن تواجد الزوّار لأوقات طويلة تضطرّ الأهل للمسايرة وتُلهيهم عن مريضهم، وقد يكون أحوج إليهم.

كلّها أمور عايشناها، ليس أنا فقط كطبيب، وإنما كلّ من اضطرّ للدخول إلى المستشفى. حتى أنّ البعض بات يفضّل الدخول للعلاج سرًّا دون علم أحد. وقد مارست هذا الأمر على نفسي مرارًا.

من له شخص يعينه هو محظوظ، هكذا هو محمد عيد بامرأته. إنّ تواجد هكذا أشخاص ليُخَفّف الكثير، وصدّقوني، من وقع الإصابة أو المرض على نفسه، فينعشه ويلهيه عن ألمه وينسيه، لفترة طويلة خلال ساعات النهار، حدّته.

ليس من السهل التطرّق إلى المعاناة الذاتيّة، لا سيّما الأوجاع والألم المتأتّي عن الجسد، فالجسد وسيلة تحمل الغاية، والغاية هي الوصول بالروح إلى منابع الله في نهاية الأمر... أليس لذلك خلقت الأرض والسماء ووضعت الجنّة في انتظارنا!

لكن من يعاني، يتمسّك بالحياة أكثر من أيّ شخصٍ آخر رغم فناء كلّ البشر!

هذا لا يعني الخوف من الموت، والمريض أوّل ما يفكّر به، إنما ّهي طبيعة الصراع من أجل البقاء، والنفس لا تشذّ عن هذه القاعدة. ومن يفكّر بالموت بجدّية يفعل دومًا من أجل إبعاده عنه قدر مسافة عن جسده، قدر وقتٍ زائل، قدر روحٍ مناضلة، قدر يومٍ آخر يربحه وقدر محبّةٍ لهذه الحياة الموهوبة من الله!

لذلك من يعاني عليه أن يتحمّل بصبر، وهو يتحمّل حتمًا أكثر من الباقين، وعليه تخطّي عوائق لا يفكّر بها أيّ رجلٍ سليمٍ في كثيرٍ من الأحيان. وفي خضمّ الصراع المرير هذا يواجه الشخص ذاتَه، بتفاعلات أحاسيسها والمشاعر، في عمليّة صمود مستمرّةٍ وإنما متأرجحة في بعض الأحيان العصيبة التي تضع الذات أمام واجهة الواقع الفظّ بمرارة تجاور أحيانًا حدود الانهيار، وهنا تكمن المشكلة.

غالبًا ما يتخطّى الشخص معاناته والانهيار بنفسه من دون مساعدة أحد، وهذا سرّ بقاء الذات على قيد الحياة... هذا سرّ البطولة الصامتة التي لا يعرف بها أحد! هكذا يبقى الألم، وتبقى المعاناة معه، محصورًا في دائرة الذات، هكذا تصبح الضحيّة أقوى، وبكثير، من الجلاّد!

أمّا من يقبعون في أروقة الانتظار ولا يتعدّون بإرادتهم المصيبة، فقد أوجد الغرب لهؤلاء أطبّاء نفسيين متخصّصين يساعدوهم على تخطّي محنتهم. أمّا نحن في شرقنا، عن هذا الموضوع غير المألوف، فحدّث ولا حرج.

والتعامل مع الذات لأوّل وهلة هو الرفض! رفض لكلّ شيء، للواقع المرير، للمصيبة بحدّ ذاتها، ولكلّ شخصٍ له علاقة معها من قريبٍ أو بعيد. إنّما قوّة الإرادة عند البعض، وعمق التفكير الناجم عن طباع المصاب، وانحسار دائرة الألم مع الوقت واستعادة هوّة الكارثة حجمَها الطبيعي، والتي تصبح مجرّد ذكرى أليمة، وتَكَدّس الأحاسيس في الجزء السليم من الجسد، يعطي الفكر انطلاقةً أقوى بكثيرٍ من أيّة إرادة محتملة، وكلّ ذلك يخلق إنسانًا جديدًا في مفهومه وتطلّعاته إلى الحياة.

كلّ هذه الأمور تكوّن جزءً لا يتجزّأ، بشخصيّته الآنيّة، من ذات المعوّق. هكذا فإنّ الإرادة وعمق التفكير ورويّة التطلّع إلى الأمور هم الذين يتحكمون، وبطريقةٍ لاشعوريّة، بمجمل القرارات المتخذة من قبله. هذا بالتحديد يوصله، بإدراكه السليم، إلى خلاصةٍ مفادها بأنّ الإنسان، إن بقي العقل سليمًا معافى لديه، وإن فقد كلّ جسده، وأكملت خلايا الدماغ عملها الطبيعي بانتظام، هو حتمًا ما يزال حيًّا يرزق، فالعقل أساس كلّ حيّ مفكّر. أوَليس وضع كاتبنا أكبر دليل على ذلك؟

فلنأمل إذًا أن يبقى عقلنا سليمًا معافى على الدوام لكي يتسنى لنا متابعة حياتنا بكل حيويّة ونشاط وانضباط خلقي يعطينا إيّاه هذا الرأس المدبّر.

العقل هو أساس كلّ قدرةٍ على التفكير والإبداع. بفضله تبقى الصحوة، والصحوة تعطينا لذّة متابعة الحياة، تعطينا، والنفس، إرادة صمودٍ وتحدّي وعناد، ومذاق صبر مرارته تحلو شيئًا فشيئًا مع النسيان وتعطينا في النهاية الأمل!!! 

من هنا، من هذا الأمل ننطلق نحو علاقاتنا الإنسانيّة لنتأقلم مع وضعنا ومع ما يُخبّئه لنا القدر.

العلاقات الإنسانيّة... التأقلم... الشعور بالعجز، كلها أمور تحكمها أحاسيس ومساعر وليدة اللحظة، أكنا أناس عاديين أم معوّقين، وهي تتحكّم بمشاعرنا وتتداخل في حياتنا على الدوام.

غالبًا ما ننفر من أحدهم في حياتنا اليوميّة، ومن دون سبب يذكر، أو نتقرّب من آخر لدافعٍ أو رغبة فينا لا تُفسّر. أمّا في عالم الإعاقة فالعلاقة الإنسانيّة تحكمها دوافع وظروف مختلفة تحتّم التقرّب والصداقة من دون إمكانيّة الانتقاء أو الرفض أو الخيار.

يخبرنا الكاتب عن فترة التأهيل، فندخل معه إلى عالمٍ تختلف فيه الصور لنراها من وجهة نظر المعوّق. عالمٌ هو، من نسج الخيال إن كنا خارجه، من يلجه يدهش لما فيه من روائع ويذهل لما يحويه، ولما يبيّن لنا ما يحوي هذا الإنسان، من قدرات هائلة كامنة تنتظر العطاء.

إنّه كوكب آخر يعيش فيه أناس مختلفون بعيدون عن واقع الحياة الخارجيّة ولا يأبهون إلاّ لما يحيط بهم من هذا العالم الخاصّ بكلّ جوانبه. إنّه كوكب يلتزم معرفة الآخر والدخول إلى حيثيّاته بأسرع مما نفكّر، بأفضل مما نتصوّر. إنّه كوكب الجمال الداخلي، حيث الذات تتألّق بكلّ حلاها، حيث النفس تعطي من دون مبرّر وتضحي بسلبيّاتها بحثًا عن الإيجابيّات. إنّه كوكب يحتّم ضبط النفس والتزام قوانين قاسية تفرض سرعة الاختيار وعدم التسرّع والتفكير... كلّ التفكير بردّة الفعل.

يتبع ذلك التأقلم مع الإعاقة الجسديّة، أو بالتحديد مع الجسد المعاق بكيفيّة التعامل معه والنظر إليه من منظار مختلف عمّا كنا نعرفه أو نتعامل معه بكامل قدراته سابقًا. هذا أمر ليس بالسهل ويلزمه الوقت، كلّ الوقت، لاستيعاب الفكرة.

وفي هذا الكوكب الخاصّ الذي نعيش فيه نبني مع الوقت، وإن كان لفترةٍ قصيرةٍ نسبة لما نقضيه من حياةٍ خارجه، أحلامًا وتعيش فيها بخيالنا مما يدفعنا للابتعاد عن العالم الخارجي والطبيعي الذي ينتظرنا. من هنا تعلّقنا اللامحدود، حدّ الهوس والمرض أحيانًا، بهذا العالم الخيالي الذي نهاب الخروج منه. وفي هذا العالم الخيالي الذي نكوّنه لأنفسنا نرى ذاتنا قادرين على التعامل معه بسهولةٍ تامّة مما يدفعنا للتكبّش به.

إنّه ذلك الإحساس الذي يعترينا بمعرفة قواعد لعبةٍ تعلّمناها بسرعةٍ فائقةٍ وتعوّدنا على ممارستها وبتنا جزءً لا يتجزّأ منها ومن ذلك المحيط الذي أخذ على عاتقه الاعتناء بنا، وهذا كلّه ينهار بلحظةٍ إن فكّرنا الخروج منه نهائيًا.

هناك من لا ينجح في إعادة رسم طريق جديدٍ له ويبقى سجين إعاقته على الدوام. حينئذٍ تبدأ الهواجس وتتكاثر التساؤلات وتخلق عقدة نقص تجاه أنفسنا بعد أن كنا الأقوى طوال فترة التأهيل التي لحقت الإعاقة.

وتساؤلات محمّد الكثيرة، بهواجسها وأحاسيسها وتفاعلاتها وتشنجاتها، ما هي إلاّ جزء من ذلك الخروج الفجائي للذات إلى عالم الحقيقة من جديد. جرأة محمد وعمق تفكيره إلى حدّ التساؤل عن مصيره ومشاعر زوجته تجاهه وقدرتها على تحمّل واقعه الجديد، إن تبيّن، فهي تبيّن عن مدى حرص الذات في تلك اللحظات على معرفة حقيقة دواخل الأمور كي لا تفلت منها. إنها تعطينا فكرةً واضحةً عن مدى تأثير المأساة على طريقتنا في التفكير، وهي تعطينا وقبل كلّ شيء، أهمّ شيءٍ بنظري، مدى حبّ هذا الإنسان لامرأته ومحاولة تنصيلها منه، إن أمكن، ومدى أنسنة الذات في تطرّفها الإنساني حينما تعتبر نفسها عائق أمام سعادة الآخرين، وأهمّهم من نحبّ.

هناك أمرٌ يجب التحدّث عنه في شرقنا الحزين هذا وهو وضع المرأة على وجه التحديد. وقبل أن أورد خاطرتي يهمني أن أوضح بأنّ ليست كلّ الحالات الاجتماعيّة متشابهة، تمامًا كما الإعاقة، وما أنا بصدد التكلّم عنه لا يتطابق بالتحديد على كلّ امرء. فالمشاعر والأحاسيس، وإن اختلفت شرقًا وغربًا، تبقى الوحيدة المتحكّمة بتفاعل محيط المعوّق معه. من هنا الاختلاف الكبير في تصوّر الإعاقة والفارق الأكبر في متابعة الحالة الفرديّة التي تخلّفها الإصابة من مجتمع لآخر.

المجتمع الغربي اهتمّ بالشقّ الاجتماعي البيئي مؤمنا كلّ ما يلزم من هذه الناحية لمعوّقيه، وتناسى بعض الشيء الشق الإنساني الشخصي والمتعلّق بمشاعره، معوّضًا عنها بأطبّاء نفسانيين. بينما أغفل مجتمعنا الشرقي الشقّ الأوّل كليًا وبقي محافظًا بعض الشيء على الشقّ الإنساني دون أن يؤمّن ذلك قوّة دفع من أجل تغيير وضع المعوّق في مجتمعه.

وبينما يتجوّل المعوّق غربًا بكلّ سهولة، يقبع المعوّق شرقًا في منزله أو في إطار عائلته هربًا من الخروج إلى محيطه نتيجة المعوّقات البيئيّة التي تنتظره. قصّة محمد عن وجبته في المطعم المشهور وحمله وكرسيه المتحرّك فوق الأدراج تفني عن كلّ شرح. هنا يأتي دور العائلة والمحيط الإنساني الدافئ ليعوّض قدر الإمكان عن النقص في الالتزامات الحكومية والقوانين والتطوّر التقني والحضاري في هذا الشرق.

كلّ عالمٍ إذًا تحكمه قوانين مختلفة، وكلّ عالمٍ تتواجد فيه نواقص وما من مجتمع مثالي حتى الآن بقادر على تعويض المعوّق عن إعاقته الجسديّة مهما بلغ من تطوّر.

هذا ما أردت إيضاحه قبل الولوج إلى فكرتي،  فإنّ ما ينقص في عالمهم نعوّض عنه في عالمنا والعكس صحيح.

لا شكّ أنّ المرأة الأوروبيّة تنظر إلى الرجل من منظارها الخاصّ، كما ينظر هو إليها من منظاره الخاصّ، وإن وقعت الواقعة نادرا ما نرى الحبّ يتغلّب على المصيبة والمصاب، ويذهب الإثنان كلّ في طريقه، منذ البداية، ومن دون أيّ أسف. كلٌّ ينسى ويحاول بناء حياته من جديد.

أردت هنا أن أنوّه بدور المرأة العربية بالتزامها بعائلتها وأولادها وزوجها، والإخلاص الذي تكنّه له، وبروح التضحية لديها، وهذا أمرٌ ما زال قائمًا في شرقنا وفقده حتمًا الغرب.

وتبقى دمعة الوالدة حاضرةً لتعلن عن مدى جزعها على إبنها وعدم تقبّلها للأمر الواقع مهما أوجدت لها من مبرّرات، فهي حتمًا تريده كما كان على الدوام... أي رجلاً يمشي ويتحرّك... رجلاً بكلّ معنى الكلمة!

هذا ما لاحظه الكاتب في عيني والدته.... هذا ما ألاحظه في لمحة حزن الوالدة، هي التي تفتخر بشهاداتي العالية ومهنتي، عندما تتحسّر على قدري السيّئ والمرض الذي ألزمني شروطًا قاسية لا مفرّ لي منها!!!

ويصرخ المعوّق الكامن في الكاتب: "لست بطلا ولا أطلب بطولة!" وكأنّه يحذّر الآخرين من اعتباره كذلك، وسرعان ما ننجرف نحن الشرقيين في دواوين البطولات وأساطيرها. صرخته هذه مدوية في قلب الكتاب، فهو متأكّد بأنّ هناك الكثيرين ممن يعتبرونه كذلك. وفي مجتمعنا إن مجدّنا الأبطال أطبقنا على حقيقة الباقين، وهو يعتبر المعركة مبدئيّة لا شخصيّة، وأعطيه كامل الحقّ في ذلك.

ويذهب الكاتب، في إحدى كتاباته، أشواطًا بعيدة في تبيان وجهة نظره هذه لإيمانه بأنّ أغلبيّة الناس لا تفهم بالتحديد "مبنى" الإعاقة الملازم للذات يوميًا، وبالتالي معناها الحقيقي. ومن هنا المغالطات المبدئيّة التي ينفر منها، وإعطاء بطولاتٍ في غير محلّها. بطولات تلك لا ينفيها من ناحية صراعه مع الإعاقة، بل يؤكّدها، وإنما ليبيّن مدى قساوة حياة المعوّق الروتينيّة ورواسب إعاقته.

يقول: "لقد وجدت نفسي في وضع لا انفلات منه ولا خيار أمامي غير القبول او الرفض. إنّه المنعطف، في حياة الانسان، حين لا يجد أحدًا غيره، هو، لمساعدة نفسه في اتّخاذ القرار الأنسب ـ او قل الأقلّ وطأة ومعاناة: الحياة أو اللاحياة، أن أكون أو لا! لا خيار آخر... لا ثالث لهما! وهنا تلعب خلفية الانسان ...، ضع بدل النقاط ما شئت، في تحديد الاطار الذي سيحكم حياته في المستقبل او ما يرغب في ان تكون عليه."

ولكي يظهر مدى قساوته مع نفسه تجاه الإعاقة التي لا بدّ من معايشتها، ولكي يظهر مدى قساوة الحياة اليوميّة التي يعيشها في ظلّ إعاقةٍ تحدّ مجمل تحرّكاته، حتى البسيطة منها، يدوّي محمد عيد صرخته في منتدى "عيون عمان" رافضًا البطولة:

"سأكون قاسيا عليكم... إنني أدعوكم لإلقاء نظرة على الإطار الذي يحكم حياتي، لا للتعرف على مكمن بطولتي وإنما للتعرف على معنى كلمة ربما سمعتموها كثيرا عند الحديث عن المعوّقين ومعاناتهم على كافة اصعدة الحياة اليومية: التحدي!"

يبدأ هنا الكاتب بتعداد جملةً من المشاكل التي تعترضه، منها البسيط ومنها المهمّ، منها الصعب ومنها المربك، منها المثير لاشمئزاذ النفس من ذاتها ومنها ما يُثير القلق، إلى ما هنالك من مواقف تتطلّب التحدّي الدائم مع الذات فيتابع:

"المشكلة: النوم لا يأتي إلا بعد تعب! التحدّي: أن أتعب حتى يأتي النوم: قراءة، مشاهدة التلفزيون، او تصفّح منتدى الـ"عيون"."يقصد منتدى "عيون عمان" عبر النت"

المشكلة: النوم على جانب واحد تترتّب عليه قروح تُسمّى "القروح السريريّة أو قروح الضغط. والتحدي: تغيير وضع النوم كل ثلاث ساعات وما يصاحب ذلك من تقطّع في النوم الذي اصلا جاء بعد تعب.

المشكلة: تجاوز حرارة الجو درجة حرارة الانسان. يعني أن درحة حرار الأعضاء المصابة بالشلل ترتفع مع ارتفاع درجة حرارة الجو، بسبب انقطاع خط الاتصال بين مخ الانسان والمجسّات الحسّية في هذه الاعضاء، وهذا يترتب عليه تخثّر الدم. والتحدي: الاحتفاظ بمخزون وافر من مكعّبات الثلج لمواجهة أي انقطاع في التيّار الكهربائي أو تعطُّل السيارة في منتصف وادي "العق" وأنا في طريقي الى مدينة صور في منتصف يوم من أيام شهر يوليو!! .

المشكلة: أن يقف الناس ينظرون إليّ وأنا أدخل مركزا تجاريا! والتحدي: أن أوزّع الابتسامات يمينا وشمالاً.

المشكلة: أن أسمع، في صوت وأرى في عين من يتعامل معي، "في أماكن الخدمات" ارتباكا يحاول اخفاءه بابتسامة هي الأخرى أشد ارتباكَا. والتحدي: أن أبذل جهدا مضاعفا لتحريره من ذلك الارتباك.

المشكلة: أن تسقط الملعقة من يدي على الأرض وأنا أهمّ بأكل وجبتي المفضلة، والتحدي: أن أرفع الصحن عاليا إلى فمي وآكل الوجبة كما يشرب الماء.

المشكلة: أن تسحب أمّا طفلها وهو يقف محدقا بي. والتحدي: أن أغمز له بعيني وأقنع أمّه أن تتركه ينظر ويقترب أكثر مني.

والمحصلة النهائيّة بعد عشرين سنة من مواجهة مصاعب الإعاقة بالتحدي، أستطيع أن أقول، وباعلى صوت، لقد نجحت وها أنا ذا أتلذذ مذاق الصبر. أنتم وآخرون ممن قرأوا الكتاب وغمروني بعطفهم جعلوا للصبر مذاقا آخر غير المرارة وجعلوا للصبر معنا آخر غير الضعف والاستكانة."

لقد أوردت هذا المقطع، كاملاً، نظرًا لأهمّية ما جاء فيها من دقائق الأمور وحقائق تضع الناس على بيّنة من أمرها، فهي المرّة الأولى التي يتكلّم فيه المعوّق عن أسرارٍ داخليّةٍ تبقى دومًا حكرًا على المعوّق نفسه ولا يعلم بها سوى أهل البيت.

إنّ هذا المقطع بالذات أردته ههنا لكي يرى كلٌّ منا مدى عذاب المصاب، مدى جهاده اليومي ومدى أهمّية التحدّي الذي ينتهجه، لا من أجل إثبات الذات وإنما من أجل الذات نفسها في تصميمها المداوم على الصراع القائم من أجل البقاء وفي مضمونها الحياتي كي تبقى وتقاوم. قسوته الحادّة هذه تعطي مثلاً كبيرًا في الجرأة لا في البطولة.

صدّقًا من لا يمتهن الطبّ لا يستوعب هذه الأشياء ولا يفكّر حتى بها،  فهي لا تأتي على بال أحد ولا ذنب له في ذلك.

إنه تعطينا فكرة واضحة عن مقوّمات الإعاقة وصعوبة التأقلم مع الذات قبل التأقلم مع المجتمع. وأعتقد بأن من يقرأ محمد عيد يتفهم حتما قساوة حياة المعوّق وهذا ما يحول دون أيّ التباس في مفهومه الفكري ونظرته المختلفة للإعاقة، أو لنقل أنه يأخذ فكرة واضحةً عمّا توجبه الإعاقة من مشاكل حياتيّة يعتبرها سهلة، لا بل بسيطة بالنسبة إليه، وتشكّل، كما أوضح الكاتب، للمعوّقين مشكلة توجب التحدي في إطار الإعاقة أو التوقّف عندها.

مارست أنا نفسي، حين اقتضى الأمر، مثل أنواع هذه التحدّيات على الذات. وهذه المشاكل وإن اختلفت في مفعولها وتصوّرها، فهي لم تختلف في قسوتها على الذات ومفهومها تجاه المعوّقات الحياتيّة المتنوّعة.

والمشكلة والتحدّي يتكرّران عشرات المرات في اليوم الواحد وإنما عندما تصبح المشكلة، من باب التحدي، عنادًا وإرادة صمود ومتابعة لحياة طبيعيّة، تفرغ من مضمونها السلبي بالنسبة للذات وتتنتهي معوّقاتها عند هذا الحدّ.

أمّا بالنسبة للذين تعوّدوا على القيام بمهامهم من دون أيّ جهد ملزم، فهم لا يستوعبوا حتى إمكانيّة حصولها. وتُخلق مشكلتهم ساعة تقع الملعقة من اليد ويعجزون ذات قدرٍ سيّئ عن استعادتها بسهولة، حينها يبدأون بالتفكير!

أردت إدراج كلّ هذه الأمور إيضاحًا وتمعنًا فكريًا في ما يحصل لأيّ امرء فيما لو وجد في نفس حالة كاتبنا. فمجمل الناس لا يعون، مهما حاولوا وبذلوا من جهد فكري، كيفيّة تعامل المعوّق مع إعاقته في حياته اليوميّة، وتبقى لغزًا كبيرًا ومحيّرًا يجعلهم يتساءلون على الدوام عن طبيعة حياة أشخاص مثله، وغير قادرين على استيعاب مقدرته في التعاطي مع نفسه ظنًا منهم بأنه حتمًا بحاجة إلى من يسعفه في كلّ شيء.

أليس ما نبحث عنه ف

والبسمة إن أتت من المعوّق تفوق المقتدر في اقتداره!

ومهما شعر الإنسان بالفرح، فهو لن يتخيّل مقدرة المعوّق على استيعاب هذا الشعور والتعمّق به. إنها مشاعر حسّية باطنيّة تختلجنا ولا نعرف قيمتها إلاّ إذا أحسسنا بقوّة الألم، إلاّ إذا تمازج الشعور بالبهجة مع الإحساس بالأسى.

وهنا أوّد أن أورد نصًّا للكاتب يعبّر تمامًا عن مدى ضلوع مجتمعاتنا الشرقيّة بأسانا منذ الصغر، يقول:

"ففي مجتمعاتٍ كثيرة، وحتى وقتٍ قريب، فرضت عوامل إجتماعيّة، كالجهل والعصبيّة والخرافة أحيانًا، عزلةً قهريّة على الشخص المعوّق، فكان يواجه التهميش والإهمال ويصبح وجوده خزيًا على أسرته، ويتعرّض لكثير من أشكال التمييز بين إخوته وأفراد أسرته ناهيك عن المجتمع ككل. وكان محيط حياته يقتصر على جدران المنزل الأربعة، فهو محروم من التعليم وممارسة حياته كأيّ إنسان آخر في المجتمع.

ولأنّه يعيش في بيئة إجتماعيّة تتجاهل أبسط حقوقه الآدمية كالعمل والزواج أو التدرّب على حرفةٍ يرتزق منها، تصبح حياة المعوّق عبئًا على الأسرة وتغدو غير جديرة بأن تعاش........."

أو َنكون جديرين ذات يومٍ بالارتقاء في مجتمعاتنا إلى مستوى الإعاقة لنعيشها كما يجب أن تعاش لا كما هي مهمّشة حتى الآن؟!؟

ويصل بنا الكاتب إلى مقولة: " كلّ ذي عاهة جبّار!!!"

يرفض المعوّق محمد عيد هذا المثل الشعبي الذي يربط الإعاقة بالجبروت. ولكن منطلق محمد هو العبقريّة في مفهومها الإبداعي الخلاّق البحت. هنا أعطيه حقّ فيما يقول وأأكّد بأنّ بعض هؤلاؤ العباقرة ربطوا الإعاقة بحتميّة الإبداع وربطوا المعوّقين بحتميّة خلق شيءٍ ما، ليوفّوا حقّ إعاقتهم عليهم، فيكونوا بذات مستوى يرفع الإعاقة من حضيض المفهوم العام للانعدام الحركي إلى منصّة الكمال الإبداعي. إنه حتمًا تشويه للإعاقة بمفهومها الإنساني وهذا ما أراد أن يلفت الكاتب النظر إليه.

أمّا إن أخذنا المثل الشائع بمفهومه الإنساني المراد به أصلاً تبيان العجز وتحمّل الأعاقة بصبر وأناة وإرادة، فحتمًا أنّ كلّ ذي إعاقة جبّار!

ويهمّني هنا أن أورد نصًا بكلمات للكاتب، أعتبرها بذات أهمّية وقيمة إنسانيّة شاملة بمعناها الحضاري الخلاّق ومشاعرها التي تعيد الإعاقة إلى حجمها الطبيعي، الإنساني، إن لجهة المعوّق أم لجهة المجتمع ككل. ففي النهاية إنّ الإعاقة هي إصابة نتيجة حادثة ويجب أن تأخذ حجمها لكي تعود النفس إلى هدوئها وتستكين وتكمل الذات عملها الفكري البحت ونمط حياتها الإجتماعي في صلب المجتمع من دون معوّقات نفسية داخليّة أو خارجيّة. ويقول النصّ:

"" ............إنّ نظرة المعوّق إلى نفسه هي من أهمّ العوامل التي تغيّر التفكير والسلوك السلبي تجاهه. فإن قدّم إعاقته للناس قبل أن يقدّم نفسه ومهاراته، فإنّ الآخرين سيعاملونه على ذلك الأساس. فأنا أقدّم نفسي من خلال من أنا وليس ما هي إعاقتي، وأنظر إلى نفسي بإيجابيّة قبل أن أطلب ذلك من الآخرين""

ليس أبلغ من هذا الكلام سوى الكلام نفسه!

وإن عدنا بالمعوّق إلى ذاته وكيفيّة تطوّرها، من خلال ما هو وما هو منشأه وبيئته، وما هي طباعه وما يحوي من ثقافة وما يحمل من صبر وإرادة وما يكتنز من ثقافة وعلم وما يحاول أن يبذل من مجهود فكري تحليلي لفهم معوّقاته وأسبابها، نرى أنّ لا بدّ لكلّ ذي إعاقة من تطوير قدراته ومواجهة وتقبّل ذاته حتى يتمكن من الاستمرار... من هنا يبدأ!

إنّه الشعور بالذات الذي يحكم سلوكه مع الناس، كما يقول الكاتب، وهذه الذات علينا أن نشعر بها من داخلنا قبل كلّ شيء. علينا أن نحتويها لننطلق بها ونحلّق بأجنحة من رياح لا تهدأ ... لا تهدأ إلاّ بانتهائنا في رحاب السماء.

من الطبيعي أن نشعر ساعتئذٍ بثقةٍ أكبر بالنفس، فما كنا قبل قد انتهى وولى إلى غير عودة، وما نحن عليه الآن هو مختلف، ويختلف باختلاف نظرتنا لنفسنا وللحياة. وإن كنا قد تخطّينا الإعاقة، بكلّ ما يترتب عليها من رواسب ومشقّات، يصبح إذًا من السهل تخطي الذات باعتماد ثقةٍ أكبر أعطتنا إيّاها الإعاقة نفسها بمجرّد أننا بقينا ههنا لنقول كلمتنا ولم نرحل!

أعتقد أن هذا الأمر يفسّر نوعًا ما تسؤلات الكاتب في كيفيّة تمكنه من نفسه بعد الإعاقة مما قبلها.

أريد أن أنوّه على كلام الكاتب في ما يخصّ هذه النقطة بالتحديد، وأقول، أنا الطبيب، إسأل مجرّب ولا تسأل طبيب!

عندما كنت أتمتّع بكامل بصري الحسّي كان يسودني الوجل إن نظرت وتمعّنت بملامح الأشخاص، أنا الذي لا أهاب شيئًا وأتحمّل بإرادة صلبة الألم والمرض، كانت تنقصني الجرأة في الكلام، والمواجهة الجهارية في الاجتماعات العامّة، والنقاش والحديث أمام جمهور من الناس، بينما كنت سيّد المواقف في الصالونات ومع الرفاق. كنت أتمنى دومًا أن أكتب وتُدرج مواضيعي في المجلات والصحف، وكانت مجرّد أمنية، رغم يقيني بمقدرتي الفكريّة على الكتابة. بقيت أمنية إلى أن أصبت بقصر النظر، ففقدت الدقّة في الملاحظة وغابت ملامح الآخرين عني، وفقدت معها الوجل واسترجعت ثقةً بالنفس كنت أفقدها أمام الجمهور لأناقش وأتحدّث أمام الجمعيّة العموميّة لنقابة الأطباء. وكسبت رهاني مع الصحافة، فبدأت أكتب وتُنشر المقالات في أفضل الجرائد اللبنانيّة، ولم تعد تلك الأمنية حرقة في النفس ليس إلاّ.

أعتقد أنك أخي محمد كسبت رهانك مذ عدت إلى الحياة وتلقائيًا عادت ثقتك بالنفس أكبر!

""أنا هنا!""

يقول في كتابه بأنّه غالبًا ما اضطرّ لاستعمالها من أجل إيصال صوته للمتجاهِل الأكبر ، المحاور، أيًّا يكن.

هو طبعه، وهذا ما لاحظته في كتابه، وهذا ما أعطاه كلّ تلك الإرادة وتلك القدرة على الصبر! هذه الـ"أنا هنا!" مارسها على نفسه... مارسَتْها نفسه على ذاتها قبل أن تمارسها على الغير!

نعم كان عتبي ـ مفاجأتي الكبري ـ أن تكون الحادثة مجرّد مرور عابر على السطر، ولكنني فهمت بعد التأني في الكتاب بأنّ ذلك المرور العابر هو كمرور الحادثة على حياته وإن قلبتها رأسًا على عقب!

أرادها مرورًا عابرًا لا لأنها تشعره بوجودها الدائم، وتُشعره بها حتمًا، وإنّما لأنّها شكّلت مفصلاً في حياته لم يمنعه من الاستمراريّة والتواصل ومعايشة الناس والحياة. كرجلٍ يترك عمله بعد مجهود سنواتٍ طويلة ويتعاقد مع مؤسّسة أخرى، كزوجة مطلّقة "أو زوج"  وتتزوّج لمرّةٍ ثانية، كطالبٍ ينهي دراسته الجامعيّة ويتحوّل إلى العمل، كلاعب كرة قدم شهير ينتقل من نادي إلى آخر بغير إرادته، كطائرة تهوى فيموت من يموت وينجو من ينجو، كفكرة... كحلمٍ يمرّ في مخيّلتنا مرورًا عابرًا وينتهي وكحبٍّ انتهت المشاعر فيه إلى الفراق وحلّ وقت الرحيل والتغيير!

هكذا فإنّ الحادثة التي أخذت موضعها في حياته، بطبيعتها، كما يجب وكما يجب أن تتّخذه لها على الدوام، فإنّ الاقتضاب جاء ليبرهن أن تلك الحادثة حصلت وأخذت حجمها، نقطة على السطر!

نقطة على السطر... إلى هنا انتهينا ومن هنا نبدأ ...

من هنا تنبثق الــ"أنا هنا!"

أعتقادي بأنّه مارس هذه الــ"أنا هنا!" ابتداءً من تلك النقطة بالذات، لذا أراد الاقتضاب مكتفيًا بذكر الحادثة لا شرحها وتبيان أسبابها وموجباتها.

هكذا هو...

لقد أحببت أن أعطيكم فكرةً عمّا كتبت وفكّرت به لكي أعطي كاتب المذاق حقّه وحقّ نفسه في مصالحتها الذاتية مع نفسها ومع الإعاقة!

معركته، أرادها شرسة مع الذات، فيما يطلب منها من التزام وانضباط على حافّة الانهيار، وتصميم مثابر على متابعة الخطى، لمدى الوقت المنظور، مهما كلّف ذلك من قساوةٍ وعنادٍ وبأس أسماه "مذاق الصبر" !

معركته، معركة الآخرين هي، حصرها بين رئتيه وأطلقها هديرًا من صراخ يُسمِع الصوت بعيدًا حيث الصدى، في تردادٍ نازف، يعيد الصرخة تلو الصرخة: "أنا هنا!"

معركة الأحرار هي، طليقي الفكر والمخيّلة، والسماء لا تُطال بالأيادي!!!

ويقيني أنّها... معركتي!  

أردت أن أنهي هنا قراءاتي ولو أنّ هناك الكثير للقول، وإنما ما زاد في المعنى نقص، وأتمنى لكم وللجميع التوفيق وعدم اللجوء إلى الكرسي المتحرّك ذات قدر!

ــــــــــــــــــــــــــ

* أديب وطبيب من لبنان / مجلة المنال