قراءات رواية "مذاق الصبـر"

سيرة الذات والمكان قراءة في كتاب  »مذاق الصبر« لـ محمد عيد العريمي

ناصر صالح الغيلاني*

ن تصطلي بجحيم الكلمات وعذابها, أن توج في روحك وعروقك بروق الذكرى المدوية, وأن تنفتح عليك انهمارات من المشاهد المؤرقة الكاوية, وتنهار الأرض تحت قدميك, ويتبعثر الكون ككرات صغيرة ملتهبة, وأن تصر بعد كل هذا على أن تمسك بالقلم وتخط بالمداد كلمات تصر صريرا  خافتا  على الورق هذه شجاعة استثنائية لا يملكها إلا ندرة ومحمد عيد العريمي في كتابه ؛مذاق الصبر« الذي يسجل فيه تجربته مع  الإعاقة واحدا  من هؤلاء.

 إن الكتابة عن تجربة مؤلمة مثل تجربة الإعاقة التي تشبه مقصلة تطوح بعالم المرء الواسع وتدخله في سراديب الألم والعذاب والوحدة تعني فتحا  لأبواب الجحيم من جديد وتأجيج للشقاء والمعاناة, أن تكتب يعني أن تعيش مرة أخرى على صعيد المخيلة الصدمة الصاعقة التي ترج العروق وتخض الروح وتبعث تاليا  حالة من البكاء المتواصل ولهذا لم يستطع محمد عيد العريمي الاقتراب من الورقة والقلم والتحديق في ذاته عبر مرآة الكتابة إلا بعد 20 عاما  فمنذ تعرضه لحادثة الاصطدام بالجمل في يوم 14 يوليو 1981م وسقوط هذا الكائن الصحراوي العملاق على رأسه مسببا  شللا  بجهازه العصبي وفقدانا  للقدرة على الإحساس والحركة في الأعضاء التي تقع أسفل موضع الإصابة في الظهر أي في أطرافه الأربعة عدا الرأس والوجه, ظل محمد عيد رفيق الألم والمعاناة الدائمة والشعور بفداحة وضعه الإنساني الجديد يقول محمد عيد »كان من المفترض أن أصرخ وأرفض وأصاب بالهيستيريا غير مصدق لما سمعت ومكذبا  الأطباء ! نعم.. لم أتصرف على ذلك النحو الذي يعبر عن جسامة مصيبتي, لكن كنت أعرف جل   المعرفة مدى النكبة التي حلت بي, وكنت أدرك أن الألم والحزن سيلازمانني ومن حولي لفترة طويلة قادمة, وربما طوال حياتي« ص32. إن كل هذه الفترة الطويلة من الصمت 20 عاما  من التأمل والاسترجاع والدخول في غياهب الذاكرة والحلم هي التي أخصبت العمل الفني في الروح ومنحت الكلمة طاقتها المضيئة وتوهجها الخلاق وهو أحد أسرار جمال هذا العمل.

إن حجم المعاناة الهائل يطرح بالضرورة سؤال الكتابة بحدة, ولهذا فمذاق الصبر من السطر الأول تواجهنا بسؤال الكتابة في عمق المعاناة, ماذا تستطيع الكتابة أن تفعل ? هل هي ترميم لعالم مدمر غير قابل للاستعادة ? وهل هي تملك هذه المقدرة ? ما جدوى الكتابة ولمن أكتب ? إن كل هذه الأسئلة تطرح نفسها على المؤلف لأن الحرف يشتبك في روح المؤلف مع اللحم والدم والكلمة تصبح عرقا  نابضا  موصولا  بالقلب يقول محمد عيد : »عندما خطرت لي كتابة تجربتي مع الإعاقة, توقفت طويلا.. فكرت كثيرا.. واستشرت بعض الأصدقاء.وكان السؤال, أو بالأحرى الأسئلة : لماذا أكتب ? وماذا أكتب ? ولمن أكتب ? فأنا, والكتابة شرفا  لا أدعيه, لا أستطيع إقناع نفسي, ناهيك عن إقناع الآخرين بالكتابة إذا لم يكن لدي ما يستحق القراءة ويفيد القراء ! « ص19    

إن الكتابة عندما لا تكون قناعة لا تكون إيمان عملية شاقة, مرهقة مضنية, وهي في حالة المرض والآلام الفتاكة وحالات الضجر تصبح استحالة لأنها تحتاج إلى تهيئة نفسية معقولة تسمح للروح أن تشع تفاؤلا  من جوف الضنى والعذاب,  وهي ظروف لا تتوافر بدرجة كبيرة لدى المؤلف فهو وإن توافرت فيه الروح الصلبة المناضلة غير القابلة للتسليم والهزيمة إلا أن الإيمان بالكتابة وجدواها لا يتوافر بدرجة كبيرة تسمح له أن يستفز الإرادة والطاقة والإمكانية إلى حدها الأقصى من أجل الإبداع والمراوحة بين الذاكرة والتخيل من أجل تضفير اللآلئ والجواهر المتناثرة في العمل الفني وصوغها وتشكيلها في وحدة فنية واحدة وكيان منسجم في بنائه ورؤيته الكلية..  فإمكانيات الموهبة متفتحة بسخاء إلا أن الإيمان بالكتابة وجدواها لا يتوافران إلى الحد الذي يسمح للمخيلة والإرادة بتخليق بنية فنية تذوب فيها فصول العمل وتندعم في وحدة متكاملة مما جعل الشكل الفني للعمل حائرا  بين السيرة الناقصة والتخيل المبتسر دون أن ينسجم جزءا الكتاب في توليفة كلية تعطي لمذاق الصبر هويتها الفنية ومرجعيتها المحددة, وكأن المؤلف قد دفع عمله للنشر رغبة في التخلص من عبء ثقيل مرهق.

إن إمكانات الموهبة تتكشف عبر النص من خلال اللغة السردية الجميلة التي تمتاز ببساطتها الممتنعة, وجملها القصار المكتنزة بطاقة تعبيرية وانفعالية عالية, وبنفسها الشعري في بعض الأحايين, إضافة إلى جمالية السرد في العرض والتناول, كذلك القدرة على استحضار المكان العماني والتعبير عنه بحميمية بالغة والتقاط رائحة ومناظر العناصر الأولى للطبيعة من رمال وجبال وبحار ونباتات..إلخ, يضاف إلى هذا قدرة المؤلف على رصد شخصيات عمانية أصيلة أو استحضارها من الذاكرة وتخليقها في النص على نحو يكشف شيئا من خصوصيتها وأعماقها وأنماط تعاملها وأسلوبها الفريد في الحياة.

إن نجاح مذاق الصبر في تقديم سيرة صادقة عن الذات وما حاق بها من تجربة أليمة قاسية وتوصيف تعاملها الفريد مع هذه التجربة الإنسانية, وفي الاقتراب من مناخ مرحلة من تاريخ مدينته والتعبير  إلى حد ما  عن طبيعة الجو النفسي والاجتماعي الذي كان سائدا  في تلك الفترة كل ذلك يحقق لمذاق الصبر مكانة مميزة في الكتابة السردية العمانية المعاصرة, وهذا ما يفسر سر الاحتفاء الكبير بهذا العمل منذ صدوره من قبل الجمهور العماني, حيث إنه حظي بقراءة واسعة لم يحظ بها أي كتاب عماني من قبل, وحتى بعض المتعلمين الذين كانوا لا يمتلكون النفس لقراءة كتاب بأكمله فعلوها للمرة الأولى في حياتهم مع مذاق الصبر !, وربما قد يذهب البعض إلى أن خصوصية التجربة التي عانى منها المؤلف كانت عاملا  محرضا, إلا أن تميز النص, وجمالياته, وما به من إبداع فني هو السر الأول في نجاحه وتزايد الطلب عليه, حيث أن الطبعة الأولى للكتاب نفذت في أقل من عام !.. كثيرون كتبوا عن تجاربهم الشخصية, وحاولوا أن يقولوا شيئا عن أنفسهم وعن البيئة التي عاشوا فيها لكن كتبهم لم يحالفها النجاح, لأن الموضوعات في الأدب لا تهم بقدر ما يهم كيفية التناول الفني لهذه الموضوعات.

ألم الجسد وتحولات الوعي

لا يمكن أن نفهم فنيا  عملا كمذاق الصبر إن لم ننظر إليه على أنه ؛سيرة للذات والمكان« وهذا ربما ما يخلق لحمة فنية بين جزءي الكتاب الأول والثاني ويؤسس لوحدة فنية واحدة تجمع بينهما, فإذا كان الجزء الأول يعالج سيرة الجسد المدمر بفعل الإعاقة وموقف الروح ونضالها الشجاع من أجل خلق حياة حرة وكينونة مستقلة, فإن الجزء الثاني يعالج سيرة المكان الطفولي الأول المدمر بفعل الزمن وقسوته التي غيبت الوجوه وشوهت الملامح لهذا فإن الكتابة هنا هي تشييد للذات وبناء للذاكرة كي تنهضا ضد الجبر واليأس وضد الموت والنسيان.

إن الإعاقة التي دمرت الجسد والزمن الذي طوى البشر ودمر روح الأمكنة وغير ملامحها إلى غير رجعة يشكلان أكبر تحد للكاتب, وهما هاجساه الأساسيان في هذا العمل وهما يضفران إلى حد بعيد جزءي الكتاب بوحدة فنية واحدة.

يتناول محمد عيد في الجزء الأول من الكتاب »مذاق الصبر« تجربته مع الإعاقة في كتابة أقرب ما تكون للسيرة الذاتية بدءا  من تعرضه للحادث الأليم وما جرى له في المستشفى والآلام النفسية التي افترسته وعلاقته الجديدة بمن حوله ورحلة العلاج الشاقة وما يجري له من تغيرات وتبدلات عميقة في داخله وهو يكتشف حالته الجسدية الجديدة ويعيد اكتشاف العالم والناس على ضوء هذه الحالة وشروطها الحياتية الناقصة في رؤية متأملة يرشح منها الأسى واللوعة رغم إشعاعها المتفائل والساخر في أحيان كثيرة, إن الحرف هنا يشتبك باللحم والدم, والحبر صرخة الألم الناحبة في أنفاق الوحشة و العذاب, والكتابة هي   طاقة نفسية هائلة لاستحضار كل ذلك ووعيه »يا إلهي.. ما أفظع أن تكون حياة إنسان مجرد انتظارا للخلاص من أوجاع الذات وأوجاع الجسد.. « ص33 والتعبير عن كل ذلك باللغة, بالكلمات, والكلمات مهما حاولت تظل ناقصة ومحدودة.

إن في سيرة محمد عيد ألما  وعبرة ورؤية فردانية للذات وللتجربة وللعلاقة مع العالم, فالمؤلف لا يكتفي بعرض السيرة فهي لا تهم بل الأهم هي قدرة النص على أن يكون مرآة عاكسة للحالة النفسية وما يجري في الأعماق من تبدلات وتساؤلات تضج بالضنى والمعاناة ؛يا إلهي إلى متى هذا الألم والمعاناة ? ويطغى علي شعور حسن وأكاد أنفجر بالصراخ وأتراجع متسائلا« ما فائدة أن أبكي وأصرخ ? ؛فالغضب لن يجديني نفعا  وإنما سيزيد من إحساسي باليأس وسيضاعف معاناة من حولي.. « ص35

إن السيرة هنا لا ترصد سيرة الجسد والآلام الفظيعة التي تعرض لها بل ترصد دفقات الآلام الهائلة التي تكوي الأعماق وما تولده من انفعالات ومشاعر, من بكاء ولوعة  »في اليوم التالي, فتحت عيني على أمي وزوجتي بجانب السرير. طغى الحزن والأسى على وجه والدتي وهي تذرف الدموع بلا انقطاع, بينما كانت زوجتي فاطمة تنظر إلي بابتسامة تخفي وراءها اضطرابا  وحزنا  كبيرا  وهي تشاهد نصف جسمي مجبرا  بالجص وأنابيب السوائل تدخل وتخرج من النصف الآخر..ابتسامة لا تشبه تلك التي ودعتني بها عندما غادرت المنزل في فجر اليوم السابق « ص27

إن الوعي هنا يولد من رحم الألم, والشعور بفداحة المصير ينتج حكمته الآسيانة المعذبة التي تعيد التأمل في ذاتها ووجودها ».. ويضنيني عبء التفكير في الأيام القادمة : سنوات الشيخوخة والوحدة والوهن ! ويثير الموقف سؤالا  لا مناص منه.. إلى متى يمكنني أن أقاوم ? هنا أرتعد خوفا  ! فزمن المستقبل ليس زمني ولن يكون لصالحي ! وظني أن قدرتي, كأي إنسان, سوف تضعف على المقاومة.. « ص83. حيث يتناوب السرد بالجزء الأول من هذا الكتاب في رصد ألم الجسد الظاهري وتحولات الوعي الداخلي بشكل عفوي وشيق, حيث يشتبك الألم بالوعي ويولدان في احتدامهما وهج النص وروحه الأصيلة.

ومن خلال إعادة التأمل في الذات والوجود, وطرح قضية الإعاقة في المجتمع, يكشف لنا محمد عيد إلى كم نجهل حالة الإنسان المعاق ونفسيته, وسوء الفهم الذي يحمل البعض على الظن أن إعاقته الجسدية تعني إعاقته الفكرية أيضا  !, وكيف ينظر الإنسان المعوق إلى نفسه وإلى الآخرين وكيف يفهم ويعي جيدا  بالمقابل نظرة الآخرين له, وفي النهاية الدفاع عن حق المعوق في الحياة والإبداع والمنافسة وضرورة تأسيس علاقة جديدة بين الشخص المعوق والمجتمع تتوافر فيها الكثير من الحقوق والواجبات.

سيرة محمد عيد الضاجة بالألم, والطافحة بالسخرية في بعض الأحايين تكشف عن موقف شجاع مليء بإرادة وتفاؤل نادرين لا يملكهما الكثير من الأصحاء, فهذه الرغبة في عدم التسليم أبدا, وروح الصراع والتحدي الذي لا يكل ولا يقبل بالهزيمة, والإيمان بالذات وتفردها, والإصرار على التواصل مع الحياة, والعمل, والإبداع.. وكل هذه القيم مشعة  تعلمنا الكثير من الدروس والعبر فيما لو أحسنا الإنصات والاستيعاب.

إن السؤال الجدير بالطرح عند النظر إلى هذه السيرة الذاتية وهذه التجربة في الكتابة, هو أن صاحبها فضل الصمت 20 عاما  قبل أن يكتب ويدفع عمله للنشر, فالحادثة وقعت عام 1981م والكتاب صدر عام 2001م وهي فترة ليست بالقليلة وتعلل إلى حد كبير المنحى الذي اتخذته الكتابة لاحقا  شكلا  ومضمونا, فهذه المسافة الزمنية التي تفصل زمن الحادثة عن زمن الكتابة, والتي قد لا يلقي لها القارئ بالا, هي مساحة عميقة مليئة بالصمت والتذكر والمراجعة والتأمل في الذات والحياة والناس, وهي كلها تخلق تحولات في الوعي  خاصة في ظروف تفرض العزلة والإعاقة عن الاندماج مع المجتمع بشكل طبيعي كما كان في السابق, وهو ما أكسب هذه السيرة العمق في الرؤية والتناول لموضوع الإعاقة.

يبقى ثمة قول ينبغي أن نقوله ونحن نتأمل في هذه السيرة ضمن سياق الكتابة السردية العمانية المعاصرة, وهو أن هذه هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها عماني معاصر على كتابة سيرته الذاتية في بيئة تشكو من ثقل الرقابة الاجتماعية على الذات المفردة, التي تصل أحيانا  إلى حد الهيمنة والرغبة في إجبار كل ذات على الانضواء ضمن الحالة القطيعية, إن  كتابة من هذا النوع هي في غاية الصعوبة والخطورة, لأن شعور المؤلف بحضور أناس على تماس بالتجربة الذاتية أو مجايلين لها يخلق منذ البداية أسوارا  وسدودا  عالية تحجب الكثير من التجربة وتمنع من قول أشياء كثيرة كان ينبغي قولها ربما!.. فأن تكتب سيرة ذاتية معناه أن تعرض خصوصياتك لعيون متطفلة, نهمة, شديدة الفضول, ومتعطشة للمعرفة, عيون ربما حادة وقاسية, لهذا فإن الكتابة هنا وفي ظل عدم وجود كتابات سابقة ومناخ مهيأ لاستقبال مثل هذه الكتابات تعتبر شجاعة استثنائية ومخاطرة كبيرة.. وهي تشق باعتبارها الأولى الطريق لكتابات قادمة من هذا النوع تكسر رهبة التسجيل ومواجهة الذات والمجتمع والسلطة بكافة أنواعها وتجلياتها, وتشجع جميع الصامتين !, ممن يملكون تجربة ذاتية غنية أو ذات تماس مع الشأن العام ويضنون بها على الآخرين جهلا  وخوفا, لأن يدلوا بدلوهم في حبر الكتابة ويقدموا شهادتهم ويمضوا قبل أن يأكلهم الموت ويطويهم النسيان.    

مذاق المكان ورائحته

يمكن أن نقول إن معظم الكتابات السردية العمانية المعاصرة لم تستطع حتى الآن أن تكون علاقة صادقة وحميمية بروح المكان والإنسان العمانيين, ومعظم المحاولات إما كانت مصطنعة أو مزيفة لأنها تكتفي بإيراد أسماء الشوارع والقرى والمدن دون أن تسبر جوهر هذه الأمكنة, وسماتها المنعكسة على البشر, وطبيعة هذه العلاقة الجدلية الخصبة بين الإنسان العماني وبيئته الشديدة التنوع والثراء.. وربما أن الخلل في ذلك يكمن في الوعي السردي المعلق بأماكن بعيدة زارها أو قرأ عنها, وعجزه عن أن يرى ويلتقط نبض الناس والأمكنة كي ينير فرادتها على الصعيد الروحي والنفسي والجغرافي.

إن سعي مذاق الصبر لأن تكون سيرة للمكان وليس للذات فقط وهذا ما تجلى في الجزء الثاني من الكتاب المعنون ب«الريحان والدخان» , ولأن تقبض على لحظات وأزمنة فالتة من عمر الناس والأمكنة كان العدم سيبتلعها لا محالة, وأن تبث فيها روح الحياة ودماءها عبر السرد الفني, ونجاحها في استعادة بعض أوجه الحياة القديمة ومفرداتها, كي تصبح ذاكرة مساعدة للأجيال الجديدة, كل ذلك يجعل لمذاق الصبر مكانة مميزة على صعيد التجربة السردية العمانية, خاصة وأن الجزء الثاني يفتح أعيننا على ما في الحياة العمانية القديمة من غنى, وتنوع, وحيوية قابلة لأن توظف في أعمال روائية مميزة, فكل هذه البيئة البحرية, والبدوية, والصحراوية, والجبلية, والمدنية, وكل هذا الإرث التاريخي الكبير وما به من حوادث ووقائع وأساطير, إضافة إلى الانفتاح العماني المبكر قياسا  على غالبية البلدان العربية على موانئ أسيوية وأفريقية والثراء الثقافي والفني والفلكلوري وتعدد وتنوع مفردات الحياة وتفاصيلها كل ذلك يشكل بيئة روائية غنية لم تكتشف بعد وأحسب أن عملا  مثل مذاق الصبر يشكل اقترابا جميلا من هذه البيئة العمانية والحياة الإنسانية الحيوية, واكتشاف لما بها من إمكانات قابلة لأن توظف فنيا, وهذا ما يعطي لمذاق الصبر قيمة مضاعفة.

يتناول الجزء الثاني من الكتاب «الريحان والدخان»  سيرة مرحلة من حياة مدينة عاش فيها المؤلف طفولته وهي مدينة ؛صور« ولعل عنونة الجزء الثاني بـ»الريحان والدخان« يثير الحضور الطاغي لرائحة المكان في الذاكرة.. إن الريحان كرائحة عطرة للمكان الأول تحاصرها أدخنة الحاضر الجاثمة على النفس, لكن الروح تجاهد كي تلتقط ريحان المكان الأول الضائع بين أدخنة المدنية القاسية, وأن تهتدي بها لاكتشاف طفولتها الخضراء ومكانها المضوع بعطر الماضي, والذي تزيده الذاكرة نضرة  متخيلة, إن الريحان يحيل للخضرة والحياة والبهجة, والدخان يذكر بالموت والاحتراق والاختناق, ويبقى صراع الفن وجدارته في أن ينتصر للخضرة والبهاء. لهذا يبحث السارد عن رائحة المكان القديم أو ريحان العناصر الأولى للأشياء التي تعرف عليها واكتشفها في طفولته, ف»المكان هو الرائحة«, ويرسم صور المشاهد البكر التي التقطها بعينيه الطفوليتين وهو يكتشف بيئته البدوية التي عاش فيها أعوامه الأولى.

 يبدأ السرد في الجزء الثاني »الريحان والدخان«  بهذه العبارة »تذكر أمه أنه جاء إلى الدنيا دون توقع وقبل حينه بأسابيع. ففي صباح يوم صيفي قائظ في عام من الربع الثاني من الخمسينيات, فتح عينيه على غمامة حزن أطبقت على الناس والمكان.. « ص121. وهو يبدأ في الإصغاء  إلى أصوات الطبيعة والأشياء من حوله التي تثير مخيلته ورغبته في اكتشاف العالم خارج محيط أسرته »شعر برغبة ملحة في« المغامرة »..أخذت الأصوات والصور تثير مخيلته وتصحو فيه اهتمامات غريزية لاستكشاف« العالم الغامض خارج محيط بيته : عالم الأشياء والناس.. « ص122. إن الحواس من سمع وبصر وشم وتذوق ولمس هي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف العالم والتعرف عليه ومن ثم تكوين علاقة الحب والألفة بيننا وبين أشياءه وتفاصيله الصغيرة, وعندما نمتلك حواس طفل يتلقى الأشياء لأول مرة في حياته نكتشف أن لهذه الأشياء جماليات مدهشة, ومعاني جديدة, فالبحر الذي نراه دائما  ليس هو البحر الذي رأيناه لأول مرة!, فذلك البحر كان آخاذا  مدهشا  ومثيرا, أما البحر الذي نراه بشكل دائم فهو بحر فقد سحره, بحر مستباح, لا يثير المخيلة ولا يو لد الدهشة, ولهذا فإن ضعف علاقتنا بالمكان هي في أحيان كثيرة ترجع لضعف علاقة حواسنا بالأشياء من حولنا, وطغيان الذاكرة على العقل, والتي لا تفتأ في استرجاع عالما  قديما  ومحفوظا  وفي ترسيخ حضوره في أذهاننا بكل معانيه الرتيبة, وهي لذلك تهمل الجديد, ولا تحفل بالاكتشاف, باعتبار أن ما كان سوف يكون.. عالم مثل هذا تتشابه فيه الأشياء, ويتوقف فيه الزمان, وتضمر فيه حتى اللغة, وتتشابه فيه الكتابة والإنتاج الأدبي, لأنه وليد أذهان وحواس فقدت علاقتها الحيوية والمتفاعلة مع الأشياء والعالم.. في الجزء  الثاني  «الريحان والدخان»  نتعرف على المكان بحواس طفل لم يفقد دهشته حيال الأشياء والعالم من حوله لهذا تحضر الطبيعة, والأشياء, والمفردات, والتفاصيل الصغيرة حضورا  ملفتا  وفريدا  إننا نتابع سيرة المكان بعيون «عوض» وحواسه  منذ أن فتح عينيه على »الناس والأشياء« ومنذ أن أصغت أذناه إلى الأصوات التي استثارت مخيلته, وبدأت حاسة شمه في تمييز روائح المكان, وبدأ في التعرف على ملمس الأشياء ومذاقها وطعمها.

 يبدأ السرد في الجزء الثاني »الريحان والدخان« من البيئة البدوية التي ولد فيها »عوض« الشخصية الرئيسية في العمل الذي يتعرض في طفولته إلى ثقب أذنه اليسرى لوضع حلق فضي بدعوى طرد الأرواح الشريرة, واكتشافه للبيئة من حوله التي تحضر في النص بتفاصيلها القديمة المميزة, وأشكال الحياة المختلفة فيها والمتنوعة. بعد ذلك ننتقل مع عوض في رحلته من البادية عبر قافلة النوق إلى مدينة صور في منتصف الستينات حيث كانت هذه المدينة في تلك الفترة من أهم الموانئ البحرية في الخليج العربي, حيث يسجل لنا «عوض»  بعينيه أو يجعلنا نرى مرة أخرى كيف رأى بعينيه الأشياء لأول مرة, كيف وقف مدهوشا  لمرأى البحر الغريب »هذا هو البحر إذا«. كان يظن أن الصحراء فقط لا حدود لها, لكن البحر بدا أكثر اتساعا. خطا عدة خطوات نحوه, اقترب أكثر فأكثر من هذا المجهول..  »ص141. أما حين ترى عيناه الطفوليتان قرص الشمس الطالع عند الفجر من البحر »عندما التفت إلى مكان النور في أفق البحر رأى قرصا  ذهبيا  يبزغ من عرض البحر, تمعن النظر أكثر إليه, وصرخ بشكل لا إرادي »الله أكبر.. هذه الشمس تطلع من البحر« فرح كثيرا  لهذا الاكتشاف تزاحمت الأسئلة في رأسه ولم يطق لها صبرا, وعاد والسؤال يكاد يطير من فمه:

 »بويه.. شمس البدو غير شمس أهل البحر ? « ص142.

يصل عوض إلى المدينة من جهة الشرق ويدخل هو وقافلة النوق من بوابتها القديمة التي لم يعد لها وجود, وبعيني عوض الطفوليتين نشاهد اللقاء الأول بهذا الفضاء الجديد, البحر, منازل الطين التي توجد بها جدران تحجب الناس عن بعضهم البعض على عكس البادية!, أزقة المدينة المكتظة بالسكان, مشهد دخول القافلة إلى وسط المدينة وبين الحارات وما توفره من تسلية للأطفال الذين يعبرون السكة الضيقة بين سيقان الجمال وهي تمشي  ؛كان منظر الرجال وهم يتحركون بين السكك الضيقة وعلى أكتافهم الأمتعة يشبه كثيرا  قافلة الجمال التي تربط اخطمتها في ذيول بعضها البعض, حيث كانوا يضطرون في زوايا السكك إلى السير بالتتابع والمناورة لتمرير الأحمال دون تعريضها للاصطدام بجدران المنازل العالية. أثارت المنازل الفخمة ذات الطابقين التي دهنت بمسحوق النورة البيضاء وابوابها ونوافذها الخشبية المحفورة بنقوش جميلة وأقواسها المبلطة بقوالب من الجص فائقة الجمال, دهشة الصبي عوض الذي كان يتخلف عن المسير وهو ينظر إليها بانبهار حتى يأتيه صوت والده يحثه على اللحاق بهم. وإذ وصلوا إلى المنزل كانت دهشته أكبر وهو يرى ساحل البحر يكاد يلامس جدران البيت. وعندما انفتح الباب كانت المفاجأة أشد من سابقتها حين استقبلوا بالأحضان داخل حوش لا تتجاوز مساحته المئة متر من قبل أكثر من عشرين شخصا  : جميعهم سكانه!. « ص157, 158 .

بعد وصول عوض إلى المدينة يبدأ في التعرف على أماكنها, وشخصياتها, وألعابها الشعبية, والتفاعلات الإنسانية والحوادث والاهتمامات التي كانت تشغل أناس ذلك العهد, فنتعرف على برزاتها أو المجالس التي يلتقي فيها الرجال للحديث وتبادل أخبار الدنيا, وعلى سوقها وما يجري فيه من حوادث وقصص ممتعة تكشف نفسيات الناس وبساطتها العذبة, وفي المجمل شخصية وروح هذه الأمكنة ؛وجاء قريب له ليرافقه إلى السوق: كالبحر أيضا.. السوق سر آخر من أسرار المدينة! لا أبوه ذكر شيئا  عن السوق ولا أمه. كل ما يعرفه عنه ما سمعه من مبالغات شباب الوادي عندما كان يعود أحدهم من المدينة, وإن اقتصر حديثهم عن السوق على وصف حريم ؛البنايين« "التجار الهنود" ومهارتهم في تسيير القوافل المحملة داخل أزقتها الضيقة. قال له أحدهم يوما  : عندما تكبر وتذهب إلى المدينة لا تنس أن تشتري ؛القشاط« "حلويات تصنع محليا  من السكر والنشاء والمكسرات".. عند مدخل سوق المسباخ " الساحة المفتوحة من السوق " توقف الصبي.نظر: ساحة واسعة تغص بالناس على اختلاف مهنهم : دلالون وبائعو سمك وسقاة مع حميرهم المحملة بقرب الماء والبرسيم, ونساء يعرضن الحلويات, وحمالون.. وآخرون لا يعرف ماذا يفعلون أو يبيعون, وبدهشة ملأت عينيه نظر إلى تبريزة ضخمة جلس على طرفها القرفصاء رجل لم يشاهد مثله من قبل: لا لحية له ولا شارب!.. « ص262,261.

يرسم محمد عيد عبر السرد القصصي خارطة لمدينة صور القديمة, وأشهر المواقع والأماكن التي كان يتجمع فيها الناس وسماتها المختلفة, المحلات والدكاكين التي كانت موجودة في السوق وأصحابها والأشياء التي كانت تباع فيها, البضائع التي يتم احضارها من الهند والموانئ المختلفة من عطورات وتوابل ومواد غذائية, الأنشطة التجارية والحرفية, المناخ النفسي والثقافي والاجتماعي الذي كان سائدا  في تلك الفترة, المهن من نجارة وخياطة وصياغة وتصليح الأدوات المنزلية وحلاقة وصيد الأسماك, وبعض أشهر العمال من صيادين وسقاة ونجارين ومزارعين وخياطين وحمالين, باعة الأسماك وما يدور بينهم من منافسات وأساليب في البيع والشراء, البائعات اللواتي يصطففن في وسط السوق لبيع بعض الأطعمة والحلويات التي تجذب رائحتها النفاذة الصبي عوض وتدفعه للتردد بشكل دائم, التباريز الكبيرة التي يصفها لنا في الهامش على أنها صندوق خشبي ضخم يقترب طوله من ثلاثة أمتار وعرضه متران وارتفاعه متر ونصف المتر.. كان يستخدم كمخزن ومعرض للبضائع في السوق الشعبية بمدينة صور حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي, وأشهر هذه التباريز, وكيف كانت تقدم ماء الشرب والسيجارة والتبغ, أدوات صيد السمك, ومعدات السفن, والمواد المستخدمة في بناء المنازل من أحجار وطين وصاروج, المواد الغذائية التي يشتريها الناس من الدكاكين, اللعبات الشعبية في المدينة مثل »المقراع والسيكل والتوفة واللكد والغويزية..إلخ« وكيف كانت تلعب أو تمارس, مدارس القرآن وما يدور فيها من قصص, أسماء بعض أشهر الوجبات والأطعمة الشعبية في المدينة, أشهر البرزات أو الجلسات التي يتجمع فيها رجال المدينة, المقاهي وبعض ما كان يدور فيها من أحاديث واهتمامات وتفاصيل صغيرة جدا  تكمل لوحة الفسيفساء التي يرسمها السرد عن المدينة, بحيث أنه وبشيء من التخيل يمكن للقارئ تكوين صورة عن الحياة في مدينة صور القديمة وعلى نحو قد يثير الدهشة والاستغراب ؛سكة البنايين الجزء الثاني من السوق, عالم آخر تردد الصبي كثيرا  قبل دخوله. فمن فتحة أحد الأزقة على الركن الشمالي للمسباخ تنبعث روائح البخور والعطور الممتزجة بروائح التوابل النفاذة والتبغ وروث الجمال. وتزدحم السكة بالتجار والزبائن وقوافل الجمال وحمير النقل ونساء البنايين "التجار الهنود" البيضاوات لابسات الساري كاشفات البطون.. « ص216.

إن المكان هو البطل الرئيسي في الجزء الثاني من كتاب مذاق الصبر وليس عوض, وهو ما يبرر نسيان السرد لعوض في بعض الفصول وتذكره في فصول لاحقة, أو حتى نسيانه في ذات الفصل حيث يندفع السرد لملاحقة تفاصيل المكان, وكأنها تضغط على ذاكرة المؤلف كي تولد من جديد في النص.. إن الصبي عوض الشخصية الرئيسية في «الريحان والدخان»  أقرب ما يكون إلى التقنية الفنية التي لجأ إليها المؤلف كي يسجل ذاكرة للمدينة التي عاش فيها, وهو في هذا يشبه إلى حد ما, ما قام به الروائي العربي عبدالرحمن منيف حين كتب »عمان في الأربعينيات« حيث كانت شخصية الطفل هي التقنية السردية التي أرخ عبرها منيف مظاهر الحياة في ع مان الأربعينيات.. فعوض كان هو العين الرائية أو الكاميرا التي تتيح لنا أن نرى من خلالها المكان والحياة التي كانت موجودة في هذا المكان في يوم من الأيام.

 إن محمد عيد هنا يكتب وهو ممتلئ بحب المكان, مسكون بناسه وتاريخه, لهذا جاءت الكتابة ملتحمة بالهواء والتراب, بالبحر والسماء, بالكثبان الرملية والأماسي المضيئة, برائحة الحارات والنباتات, بمرأى السفن وألوان الأشياء, بأصوت الباعة وأغاني المطربين.. روائح ومناظر وأصوات لازالت تسكن ذاكرة محمد عيد الطفولية وظلت تلح عليه كي تكتب نفسها من خلاله. لهذا يكتسب المكان في هذا الجزء «الريحان والدخان»  أهمية كبيرة وحضورا   جميلا  وفريدا, فالسرد هنا, وبجمالية فنية عالية, يحرص على تثبيت منظر, ومذاق, وملمس, وأصوات, وروائح الأمكنة القديمة, إنه يبحث كما قلنا عن ريحان الأمكنة القديمة حيث كان الغربي ذلك البائع القديم في سوق صور يقدم لزبائنه شربة ماء معطرة بالريحان, وربما أن ذلك المذاق, وتلك الرائحة لا تزال عالقة في ذاكرة المؤلف, وهي تهديه إلى السوق والأماكن القديمة ذات العبق الذي لا يزول, وهو ما يحيل إلى دلالات العنوان «الريحان والدخان» .. »..ويعطر الغربي بعض الكريوات "أنية فخارية" بأوراق الريحان لمنح زبائنه الاختيار ما بين الماء العادي أو شربة بعبير الريحان« ص165. وأحسب أن محمد عيد يقدم لنا في هذا الجزء «الريحان والدخان»  شربة ماء بعبير الريحان تعطر الذاكرة, شربة ماء لم يعد أحد يقدمها الآن !.

النماذج الإنسانية وقابليتها الروائية

إن ما يعطي المكان أي مكان شخصيته وروحه هم البشر الذين يعيشون فيه, ومحمد عيد في الجزء الثاني من الكتاب «الريحان والدخان»  كان حريصا  على استحضار نماذج إنسانية فريدة عاشت في مدينته, وشكلت جزءا من شخصيتها, وهي في الغالب شخصيات شعبية وبسيطة, تنتمي للسوق أو للقاع في أحيان كثيرة, وما يلفت الانتباه هو تعدد هذه النماذج الإنسانية وتنوعها, وقدرته على توصيفها أو تناولها بطريقة تكشف شيئا من روحها, وبشكل يبعث على الشعور بإمكانية التعامل مع هذه النماذج البشرية روائيا.. يقول محمد عيد في توطئته  للجزء الثاني »لا شك أن بث الروح في الماضي يحول المكان والناس إلى كلمات, وغني عن القول إن الكلمات مهما كان صدقها ودقتها لا تكفي للتعبير عن نبض حياة.. « ص118. ويضيف محمد عيد في مكان آخر من هذه التوطئة »بيد أنه يمكن التأكيد أني كنت مخلصا  للحقيقة من خلال روحية التناول وكان الرسم, بحكم آخرين, قد لامس الأصل إلى درجة أنه أتاح لبعض من عاش تلك الفترة التعرف, من خلال الإطار العام لمكونات التوليفة, على مكان ما وفلان ما ! وهذا يكفي للإدعاء أن« النص » فيه من الواقع ما يمكن إرجاعه إلى تاريخ محدد وحيز معلوم وملامح وجوه معروفة« ص119. إن الفن هو هذه القدرة على التعبير عن روح الأشياء ونبضها, دون الاكتفاء بتوصيفها الخارجي, وهو ما استطاعه محمد عيد من خلال حرصه كما قال على »روحية التناول« إن ما يعنينا هنا ونحن نتناول مذاق الصبر على ضوء الكتابة السردية العمانية المعاصرة هو قدرة هذا الكتاب على التعبير الصادق عن روح الأمكنة, وروح البشر الذين عاشوا فيها, وبشكل عفوي, تلقائي, على عكس الكثير من الكتابات السردية العمانية التي تتعامل مع الشخصيات إما بشكل فتوغرافية يكتفي بتوصيف ملامحها الخارجية أو بشكل إسقاطي يجعلها انعكاسا لذاتية الكاتب وما يعانيه من اكتئاب أو اضطراب.. إن أهمية مذاق الصبر كعمل فني أنها استطاعت أن تلفت انتباهنا إلى هذا الكم الكبير من النماذج البشرية العمانية, بطبيعتها وأرواحها المتفردة, وتكشف لنا بشكل أو بآخر قابلية هذه الشخصيات لأن توظف في أعمال روائية أو قصصية أصيلة, فكل هذه البيئة الإنسانية الغنية التي لامسها محمد عيد ملامسات متفاوتة, واقترب من روحها بطريقة فنية جميلة تؤكد موهبته المتميزة وأصالته الإبداعية العالية.

يقدم لنا الجزء الثاني نماذج إنسانية عديدة اختفت من حياتنا منها : »سليم مغاني« الذي كان مغني الوادي الذي يتجمع الناس حوله في السهرات وما شكله دخول الراديو إلى الوادي من منافسة له, الشايب مرزوق الحائر أمام جهاز الراديو, الغربي صاحب التبريزة الذي كان يبيع التبغ »الدخان« والماء المعطر ب»الريحان«, والشايب خميس ود مطر الذي لم تكن تعنيه أحاديث السياسة ويقاطعها باستمرار بإشعال البوري والأسئلة عن سعر البرسيم والسمك وخلافه مع الصيادين, هاشل والأستاذ ناصر اللذان لا يكفان عن أحاديث السياسة وبالعربية الفصحى, علي الغاوي صاحب الدكان الصغير الذي يبيع المواد الاستهلاكية للمدينة والذي يتجمع عنده في جلسته عدد من رجال المدينة في العصر للحديث, اسحاق الشمار الإسكافي السمين الذي يفترش حصيرته ويخيط النعل ويتطلع بين الفينة والأخرى إلى النقاش الدائر في برزة علي الغاوي مشاركا  لهم بضحكته المجلجلة, الشاعر سعيد ود وزير ومساجلاته الشعرية, »محمادي« صاحب الدكان الذي يبيع التمر والدبس وسعف النخيل بعد أن يجدله على شكل حصيرة تستخدم للجلوس أو سقف للمنازل, وكيف كان يطلق النكات والتعليقات المضحكة, وقدرته على وارغام الزبائن على شراء ما يريدونه ولكن بالسعر الذي يريده, »زباد« الذي كان سرا  من الأسرار حيث لا يعرف أحد  من أين جاء وكيف جاء, وما يروى عنه من قصص لا تخلو من المبالغات كأن  يروى عنه أنه جاء هاربا  من سجون قوات الحلفاء في جنوب الجزيرة العربية بعد أن رفض الانضمام إلى فرق المستعمرات الإنجليزية في آسيا, والتدليل على ذلك بالوشم الذي في جبينه والذي يغطيه بطاقية لا تفارق رأسه ويمسك عليها دائما  بقبضته القوية, وما يرويه الأستاذ ناصر عن هذا الوشم الذي في جبين »زباد« من أنه صليب وشم به عقابا  على رفضه الخدمة العسكرية والاشتراك في الحرب ضد القوات النازية وغيرها من الحكايات الغريبة التي تروى عنه وتثير حيرة رجال المدينة, وما يروى عنه أيضا  من أن »زباد« ليس اسمه الحقيقي وإنما لقب أطلقته عليه النساء حين كان يتجول في بداية قدومه إلى المدينة بين الحارات مناديا  ببضاعته من العطور ومعاجين الزينة »زباد.. زباد, عندي زباد, عندي مسك, عندي خضاب, عندي كحل, عندي بخور, عندي ورد, عندي ذرور.. زباد..زباد, عندي زباد«, وحكمته وجنونه التي تعري الناس وتقول الحقيقة دون تستر وكيف كان يطوف في أرجاء المدينة حاملا  »خرج التصق بظهره, كسنام جمل أجرب, كثرت رقعه وتمزق بعض صوفه.. « ص178, "الشمروخ" الفتاة المختلفة بسلوكها عن فتيات المدينة, وكيف كانت تلعب الورق والقمار مع فتيان »تلاحقهم دونية السلوك ووضاعته«  وسيطرتها عليهم وما شكلته بسلوكها من ظاهرة مثيرة للجدل, وكيف أخذت تنافس الرجال في بيع وتقطيع السمك.. إلخ. إن كل هذه النماذج الإنسانية وغيرها التي عاشت في فترة من الفترات تشكل نماذج إنسانية خام وبالإمكان وبشيء من المخيلة التعامل معها فنيا  وتشكيلها, وإفساح المجال أمامها للتعبير عن نفسها, والتخلق كشخصيات شديدة الغنى والثراء, خاصة وأن البيئة التي عاشت فيها وما سادها من مناخ اجتماعي ونفسي وثقافي وسياسي ذي طبيعة محددة تمنحها خصوصية فريدة.. إن محمد عيد في الجزء الثاني «الريحان والدخان»  يزيح الغطاء عن هذه البيئة الإنسانية, ويكشف شيئا  بسيطا  من روحها لكنه شديد الأهمية خاصة وأنه ينير أذهاننا ويفتح قلوبنا على هذه النماذج الإنسانية المختلفة وهذه البيئة الفنية الغنية.

بين السيرة والرواية

رغم هذا التعامل الفريد مع المكان ومع الإنسان إلا أن »مذاق الصبر« تظل حائرة بين السيرة والرواية, فهي تكتب سيرة ناقصة عن ذاتها وعن مكانها, وتحاول الاقتراب بحياء من الرواية لكنها لا ترتفع بالسرد إلى مستوى الحدث الروائي وبالنماذج الإنسانية إلى مستوى الشخصيات الروائية, ففي الجزء الأول من الكتاب الذي يتناول فيه المؤلف تجربته مع الإعاقة يتفاوت العرض للسيرة بين السرد القصصي من جهة وبين المقالة الأدبية من جهة أخرى كما أنها تتناول أجزاء من سيرة الذات وتصمت عن أجزاء أو أنها تتناولها بعمومية, على عكس فن السيرة الذاتية الذي هو أقرب للاعتراف أو للمرآة الصادقة التي ترينا كل جوانب الذات, قوتها وضعفها, نجاحها وإخفاقها, مزاياها وعيوبها, وتجربتها الحياتية وانعكاساتها الجوانية على الذات, وهشاشة هذه الذات أحيانا, وروح الصراع من أجل بناء كينونتها من بين أنقاض الخراب والهباء.

كما أن الجزء الثاني من الكتاب «الريحان والدخان»  وإن كان يحاول أن يكتب سيرة المكان وتاريخه, ورغم نجاحها في أن يؤرخ للمكان القديم, وأن يعكس شيئا  من مناخه النفسي والاجتماعي, إلا أنه يظل سيرة ناقصة جدا  للمكان أو للمدينة لأنه أغفل الكثير من تاريخه وتفاصيله ومفردات حياته وهو لم ينظر إليه إلى من زاوية محددة هي ذاكرة الطفولة التي يمثلها عوض »الشخصية الرئيسية«, ولذلك فإن هذه السيرة لم تر سوى جوانب معينة ولم تذكر سوى تفاصيل محددة قد لا تكون هي الأهم. إن سيرة الأمكنة أو المدن ينبغي أن تقدم صورة متكاملة لها وهي لذلك ينبغي أن تعتمد على البحث والسؤال وجمع المعلومات لا على الذاكرة فقط أي أنها يمكن أن تستفيد من أكثر من ذاكرة تمتلك رؤيتها ومعلوماتها الكثيرة عن تفاصيل المكان وأحداثه, إن التاريخ البحري العريق للمدينة كان يفترض أن يذهب بالسرد نحو البحر مثلا, كذلك الحياة الغنية والشعبية للمدينة وأحداث تاريخية كثيرة وكبيرة مر عليها محمد عيد إما لمحة أو أغفلها وصمت عنها في أحيان كثيرة وهو ما يجعل هذه السيرة عن المكان ناقصة حين ننظر إليها نظرة كلية.

إذا انتقلنا إلى النماذج الإنسانية التي يقدمها محمد عيد في الجزء الثاني من الكتاب كتأريخ لبعض الشخصيات التي عاشت في المدينة أو كشخصيات متخيلة نلاحظ أن السرد الذي يأتينا بأسلوب قصصي يحكي عن ولادة عوض »الشخصية الرئيسية« في البادية وانتقاله إلى المدينة يقدم لنا نماذج إنسانية شاهدها وتعرف عليها عوض , إلا أن السرد لا يخلق أحداثا  مترابطة, تنبع من بؤرة محددة وتنمو بنموها هذه النماذج وتتخلق على هيئة شخصيات فنية لها روحها وطبيعتها الفريدة ورؤيتها الخاصة للحياة والعالم , وهذا يحتاج انطلاقا للمخيلة في بناء الأحداث وخلق الحياة والشخصيات , إلا أن المؤلف ظل حائرا  بين الأمانة للذاكرة المحدودة والمحددة وبين الانسياب مع الخيال , وهذا ما أدى إلى لجم الخيال وبالتالي هذه الحيرة التي تبدت في ثنايا العمل بين السيرة والرواية والتجاذب فيما بينهما خلال فصول العمل .

كذلك رغم جماليات السرد التي تصل أحيانا  ذروتها الرائعة , إلا أنه يحدث أحيانا  نسيان خيط السرد الرئيسي والاندفاع للحديث عن بعض الموضوعات في ما يشبه المقالة الأدبية , وهذه كلها أشياء كان بالإمكان تجاوزها والتعامل معها بشكل أفضل يدمجها في بنية فنية واحدة محددة , ومع كل هذا تظل »مذاق الصبر« عملا  رائدا  ومميزا  من نواح  كثيرة , ويتمتع بمزايا عديدة , وبجماليات فنية في السرد والعرض والتناول وفي الروح الفريدة التي تمتلئ بها الكتابة , والحياة الحقيقية التي يحفل بها النص .. إن محمد عيد العريمي يكشف في عدد من الفصول عن قدرة فنية مدهشة , وبراعة عالية في السرد .. فهذا السرد الذي يأتي متدفقا  وبشكل عفوي وشيق , وكأنه أحد الرواة القدامى الذين يخاطبون جمهورا  من المستمعين , هو الذي يمنح الكتاب بساطته وقدرته الفائقة على جذب القراء ودفعهم لإتمام قراءته دفعة واحدة , كما أن هذه اللغة الأدبية البسيطة المنسابة كجدول , والمليئة بروح الحياة , والمعبرة بشاعرية في كثير من الأحيان عن المواقف والشخصيات .. كل ذلك وغيره يجعل من »مذاق الصبر« عملا فنيا جميلا , وقابلا للقراءة دائما  وأبدا «.  
ــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وناقد من عمان

مجلة نزوى: العدد الثاني والثلاثون