قراءات رواية "مذاق الصبـر"

حين تصير الكتابة معادلا للجسد المشلول

الدكتور ضياء خضير *

 هذا كتاب فريد في بابه ، يحتل ، أو ينبغي أن يحتل ، مكانة متميزة بين الأعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة . وإذا كنا غير قادرين على تحديد نوع الكتاب وإدراج الكتابة في خانة إبداعية معينة ، فلأنه "الكتاب " ينأى بطبيعته عن التصنيف الذي اعتدنا أن نقرأ النصوص والأعمال الأدبية المختلفة في ضوئه . وإذ يكتفي المؤلف بتقديم مادة خام ، ولا يعني بالشكل وطريقة الكتابة على الأسس النوعية الشائعة ، فليس لأنه يجهل أو يتجاهل مثل هذه الأسس والقواعد ، وإنما لان الرغبة الضاغطة في الكتابة عن التجربة ومحاولة الكشف عن ملابساتها ضمن الوضع البشري الاستثنائي الذي عاشه صاحبها ، هي التي  تسبق ماعداها ، وتجعل من الممكن أن يحرز النص هذا القدر الطيب من النجاح والتأثير ، ويحقّق جماليته الخاصة بصرف النظر عن شكل الكتابة والنوع الذي تنتمي إليه . ومعروف لنا أن تصنيف النصوص الأدبية إلى أنواع أو أجناس مرتبط بواقع أن وجود النوع أو الجنس الأدبي يقلِّص من دور المصادفة ويمنع الفوضى في الكتابة، لأنه يوفر قواعد محدّدة لإنتاج النصوص وسبل تلقيها في الوقت نفسه. غير أن الأمر هنا يتعلق ، قبل كل شئ ، بتلك الحقيقة الجوهرية المتصلة ببساطة الكتابة التي تجعلها روحا قبل أن تكون مظهراً ، وفكرةً قبل أن تكون حادثة. وهو ما يُثبت ، مرة أخرى ، أن موضوع الكتابة ومضمونها يمكن أن يصنعا شكلها المناسب ويجعلا النص مقروءاً ، بصرف النظر عن طبيعة الجنس الأدبي الذي يوضع فيه ، إذا ما توفر لصاحبه قدر مناسب من الإرادة والوعي بضرورات الكتابة.

وإذا كان كتاب محمد عيد العريمي "مذاق الصبر" أقرب بطبيعته إلى "السيرة الذاتية" فإنه يتضمَّن ، إضافة لذلك ، تعبيراً عن رؤية تتعدى وصف الواقعة أو الوقائـع الشخصية لتشكِّل ، في الوقت نفسه ، واقعةً أو وقائع اجتماعية وثقافية محدّدة ؛ أي وجهة نظر ملتحمة ومتداخلة مع مجموع الوقائع الخاصة بإنسان ما ، ووضع بشري ما ، ومجتمع ما ، أيضا.

وهو أمرُ لا يصادر ، بطبيعة الحال ، خصوصة التجربة التي عاشها الكاتب بعد تعرضه لحادث سير أفقده القدرة على الحركة وأصابه بشلل رباعي ، وإنما هو يضيف إليها بُعْداً خاصا يتألف من الصدق الذي يترقرق تحت إهاب العبارة ، ويكشف عن الأبعاد الثَّرة للموقف الإنساني من تجربة المرض والإصابة . وهو ما يجبر الكاتب على أعادة النظر في وجوده ، بل وجود الآخرين من حوله وطريقة تعامله معهم ، وتعاملهم معه ، والوقوف المتأمِّل على ذلك الحد الفاصل بين الحياة والموت بعـد أن زُعزعت الذات وأُصيبت في الصميم . وقرار القناعة والاكتفاء بنوع من الحياة الناقصة وقبول  الاستمرار في العيش في ذلك الوقت الضائع المهدد بالتلاشي والصمت ، يحتاج إلى قدر من الشجاعة والثقة بالنفس لا يعرفهما أولئك البعيدون عن التجربة وغير المكتوين بنارها المحرقة. ولذلك فان نمط الكتابة وأسلوبها يفرضان الابتعاد عن الثرثرة أو الانشغال بالبحث عن جماليات مزيّفة وبلاغات ميّتة وزخارف زائدة . إنها الكتابة الحقيقية البسيطة التي تهدف إلى التعبير عن وجود مصادَر ومحاصَر في أعز ما يملك وهو حريته . ولذلك فليس غريبا أن تُصبح الكتابة معادلاً حيّاً لجسد مصاب ومشلول ، وبحثاً عن طاقة روحيّة إضافية ، وتحريراً لأرادة من شأن امتلاكها أن يقلب الصورة ، ويضفي معنىً جديداً على الأشياء والكائنات ، ويجعل الاستمرار في الحياة ، أو ما تبقّى منها ممكناً ، بل مرغوبا فيه أيضاً .

صحيح أن الكتاب يكتفي بوصف التجربة وطريقة تأهيل المعوّق من الناحية العضوية والنفسية ، ولا يناقش قضايا وجودية أو فلسفية عميقة ، ولكننا نشعر أن وعي الكاتب بهذه الحقائق وموضوعيَته ، وعقلانيته ، وتبصّره بالإمكانات المتاحة أمامه ، وحرصه على استغلال ما يتوفر لدية منها إلى أقصى حد ممكن ، هو الذي يضفي على الكتاب حيويَته. وربما كان التناقص بين هذه الروح العلمية والوعي العقلاني من ناحية ، والرغبة المشلولة للجسد من ناحية أخرى ، هو الذي يؤلف البطانة الداخلية المتفجرة لقوة التعبير في الكتاب. وهو ما يجعله درساً منهجياً بليغاً لكل أولئك اللذين كتُب عليهم أن يمّروا بتجربة قاسية من هذا النوع ، بل إن في هذا الدرس من عناصر النضج والأصالة ما يمكن أن ينتفع به كل أولئك المعوقين من الداخل ، على الرغم أنهم يبدون أصحاء معافَين ولا يعانون من عوق خارجي ظاهر و" محمد عيد العريمي" يكرّر أمامنا بأنه ليس "بطلاً" ولا يطلب "بطوله"، وهو يقول ذلك بإرادة لا تنقصها القناعة ولا تفرضها الظروف أو الإحساس بمركّب النقص .

فـ "بالانسجام مع الذات والثقة بالنفس والاعتزاز بها ، يستطيع المرء تجاوز تحديات الإعاقة من خلال معالجتها بعقلانية بعيداً عن  أية ردود انفعالية وفهم ردود الأفعال السلبيّة على أساس خلفيتها الاجتماعية ، ومن ثم استيعابها خاصة إذا صدرت من شخص لم يحظ بمستوى من الوعي والثقافة ". وعلى الرغم من أن الجزء الثاني من الكتاب المسمّى "الريحان والدخان" يبدو جزءاً  مكمِّلاً وخلفّية ضرورية تُوجَّهُ فيها الأضواء على الماضي البعيد للشخصية نفسها، فان علاقته بالجزء الأول من الكتاب تبقي ضعيفة مع ذلك . فهـو ، أعني الجزء الثاني ، كتاب مستقل بكل مافية من ذكريات وشخصيات ووقائع عاشها صبي عُماني في مكان وزمان بعيدين كلَّ البعد عن الواقع الحالي للشخصية الموجودة في الجزء الأول من الكتاب ، وحينما يلجأ الكاتب في هذا الجزء إلى ضمير الغائب بدلاً من ضمير المتكلم المستخدم في جزء الكتاب الأول ، فإنه يؤكد على بنية الانفصال هذه على صعيدين: زمني _ نفسي ، وجسدي _ مادي . إذ أن هذا الضمير يوفر مسافة مناسبة يستطيع فيها الراوي النائب عن المؤلف الحديث عن شخصيته في الماضي كما لو كانت غربية عنة وطارئة عليه . وعلى الرغم من الحس الحكائى الغالب على الكتاب ، فإنه ليس رواية ولا قصة تقليدية . وربما كان من السهل على الكاتب أن يصنع شيئاً من هذا القبيل ، ولكنه فضَّل، كما في المرة السابقة ، أن يبقي الكتاب ، أو هذا الجزء منه ، في تلك المنطقة الوسطى الواقعة بين السيرة الذاتية والرواية ، حاشداً فيه كمّاً هائلاً من المعلومات عن واقع المدينة "صور" وجغرافيتها وتاريخها وناسها وبعض نواحي التطور الاجتماعي والتجاري والثقافي فيها. وكما فعل في  الجزء الأول يقدم "محمد عيد العريمي" مادةً خاماً جاهزة للاستخدام ، من دون أن يفشل في خلق شخصية مركزية نامية ، وشخصيات أخرى عديدة تؤلف ملامحُها وحركتها وعلاقاتها بالبطل والمكان فضاءً روائياً وأرضية حكائية بالغة الحيوية والغنى . ولذلك ، يمكن القول إنه إذا لم يكتب "محمد عيد العريمي" في هذه الجزء رواية بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنه نجح في أن يقدم شكلاً سردياً قريباً من الشكل الروائي ،كما ذكرنا. وهو ، مثل الجزء الأول أيضاً لا يخلو من جماليات خاصة به دون غيره . ففضلاً عن هذه العناصر الحكائية  والسردية الواضحة ، تلعبُ ميّزات الضبط والتوازن والوضوح الفكري وتحديد الأهداف والواقعية والبساطة دوراً في تأشير العناصر الأسلوبية والبنيوية السائدة في هذا النوع من الكتابة . إنه قصة اكتشاف الصبي  لنفسه والعالم من حوله وقصة تطور وعيه بالمكان وهو يتردد بين الصحراء والماء .

ولئن كانت الكتابة تفتقد ، أحياناً ، الخيال الخلاّق الذي يحتاجه الروائي فإنها لا تعدم وجود عناصر أخرى فاعلة يتكفّل الواقع والتاريخ الشخصي ووقائع الماضي نفسه بتزويد الكاتب بها . وهي التي نجحت ، في مجموعها ، في أن تبُقي الكتاب في تلك المنطقة الوسطى التي يرتفع فيها النص عـن أن يكون مجرد سيرة ذاتية عابرة لشخصٍ مـا ، وجزء من تاريخ غابر لمدينة ما على الخليج ، ليكون نوعاً مـن الجدل الحي بين ذات وموضوع ، واقع وخيال ، لا تفصله غير خطوة واحدة للدخول في العالم الرحيب للراوية . وهو ما نعتقد أن المؤلف مؤهل لأن يفعله في أعمال قادمة ، خصوصاً إذا عرفنا أَنـّه تجاوز في جزئي كتابه هذا كثيراً من الحقائق المتصلة بحياته وحياة المدينة التي كتب عنها . وهو يفعل ذلك اعتماداً على شيء يشبه ما كان يقول "كولريدج" من أن أية حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعةً إذا رويت بصدق. ويتجاوزه في الوقت نفسه نتيجة شعور بذاته ويقظته النفسية التي أعقبت الحادث ، ووضعت الكاتب على تلك الحافة الخطرة من زوال الألفة والإحساس بالتغيير العميق في شكل العلاقة العاطفية ووظائف الجسد ؛ فضلاً عن تلك الحقيقة العامة التي تكتسبُ فيها كل كتابة لها طابع السيرة الذاتية أهمية خاصة في واقع أدبي غفل يشكو من الإهمال على صعيد تسجيل الوقائع التاريخية العامة والذاتية الخاصة.

وإذا كان هـذا شيئاً خاصـاً بنـا نحن القـرَّاء ، فإن المؤلف نفسه يضطرُّنا أيضاً إلى طرحه ، ويشاركنا التفكير فيه ، حينما يسأل في أولى صفحات كتابه عما هو الأدب ، وما وظيفته . وهو سؤال لا ينطلق  عنده من محاجَّة نظرية مجرَّدة ، بل مـن ضرورة عملية محددة .. من حاجة إلى الفهم ، وليس من تأملات وتهويمات . ولذلك فاءن المزج بين جدّية الأدراك الحسِّي ، وجدية الإحساس الفني والجمالي يبدو طبيعياً حتى إذا بدا صوت الفن خافتاً وغير واعٍ بنفسه على نحوٍ كافٍ أحياناً .

والواقع أن جانبي المتعة والفائدة مندمجان في الكتاب على نحو غريب ، مع  علمنا أن الكاتب غير معني ، بأن يقدّم شكلاً صافياً محمولاً على صورة زخرف عربي لا شأن له بالانفعالات البشرية والتفاصيل اليومية المختلفة ، أو يستبدل الخبرة المباشرة ببدائل وهمية عن الحياة . وهـو يقول لنا في كـل لحظة ، إن الإنسان يربـح حينما يقبل بالخسارة . ويعلَّمنا ،كذلك ، أن خسارات المؤلف وأرباحَه هي خساراتنا وأرباحُنا جميعاً . وذلك لا يحدث فقط لأننا نعاني مثله من محنة الوجود ، ومـن هشاشة الذات ، وخفّة الكائن الإنساني ، وإنما ، لأننا كبشر، معرّضون مثله للخسارة بل لما هـو أسوأ منها ، وهوـ الموت في الحياة ، اعني فقدان الإحساس بجدَّة الأشياء ، وعدم الشعور بمعاناة الآخرين . وهو أمرٌ يتساوى ، إن لم يتفوق في تأثيره ، على ما أحسّه محمد عيد العريمي يوماً في محاولته الحياة في الموت ، أو ما بدا للكثيرين أنه الموت . وفضلاً عن ذلك فإنه لا يعاني فقط من هذا المرض الوبيل الذي حل على جسده ضيفا ثقيلاً كالكابوس، وإنما من الآخرين الذين رثوا لحاله وتأثروا له ، ولكنهم كانوا حريصين ، مع ذلك ، على أن ينتهوا منه ويفرغوا من أمره . فهو، ببساطة ، معوّق . وإذا أصرَّ على أن يكون موجوداً، فلابدَّ أن يتقبل حقيقة أن يكون موضوعاً ، نعم موضوعاً لا ذاًتا فاعلة ومشاركة . أي محلاً لاهتمام الآخرين وعطفهم . وحكاية تلك الممرضة التي كانت تتكلم عن شأن من الشؤون خاصة بالمؤلف مع مرافق له بأنكليزية لا يحسنُها هذا المرافق ، مثال على ذلك . فهذه الممرضة التي فوجئت بـ "المعوّق " يفتح فمه ويتكلم معها بأنكليزية سليمة لا تشكو من أيّ أثر للعوق ، كانت مدفوعة في موقفها ذاك ، بإحساس داخلي غير مصرّح به ، وهو أن الإنسان إما أن يكون سليماً في كل شئ ، أولا يكون سليماً في شيء . وهي غير مستعدة لتقبُّل هذا الوضع الغريب الذي يكون الإنسان فيه قادراً بعقله ولسانه ، ولا يكون قادراً بيده ورجله. وهو أمرٌ إذا لم يكن ساراً تماماً ، فهو يبعث على الدهشة ! .

هذه هي الحال التي وجد "محمد عيد العريمي "نفسه فيها ، يناضل من اجل وعي ضروراتها الاجتماعية والنفسية وتبديد الأوهام التي نشأت عند كثيرين من الآخرين حولها . وهي حال من الصعب تلخيصُها بضرورة مساعدة "المعوّق" أو ذي "الاحتياجات الخاصة" والتعاطف معه ، وإنما الاعتراف به ، وعدم تغيير النظرة إليه ، واحترام حقه في الوجود الطبيعي ، وعدم المسّ بكبريائه بوصفه إنساناً قادراً على الوجود والفعل ، على الرغم مما فرض عليه من إصابة في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء جسده.

وتلك هي فيما أظن ، الحكمة والرسالة الأساسية التي حملها إلينا الجزء الأول من الكتاب . وكان محمد العريمي رائداً فيها ، لأن فيها من عناصر البيان والبلاغة ما نستطيع معه أن نُطَمئنَ المؤلف بأَنها قد وصلت ، وأن كثيراَ من الناس سيكونون مستعدين للاستماع إليها والتأمُل في تفاصيلها . وعند ذاك ، يمكننا الزعم بأن "مذاق" التجربة يمكن أن يتغيرّ، ويتحوّل إلى شئ يشبه العسل والسكَّر طالما كان  "الصبر " جميلاً ، والأمل في توسيع الممكنات الإنسانية كبيراً .  

ــــــــــــــ

*جريدة الخليج: العدد 8331 - 11 مارس 2002/ عالم الكتب/ الملحق الثقافي.
 الدكتور ضياء خضير: كاتب وناقد من العراق