مزرعـة الحيـوان

مقدمـة "مزرعة الحيوان"..

لن أزعم أن ترجمتي لرواية "مزرعة الحيوان" أفضل أو تختلف عن سواها من ترجمات سابقة للرواية، بيد أن ما دفعني الى الاضطلاع بهذه المهمة هو الإساءة التي تعرضت لها هذه الرواية التي استطاع كاتبها بمهارة فائقة ان يجمع فيها بين قوة الموضوع وجمال الصياغة.

لقد صدرت ترجمات عديدة للرواية إلى العربية، وما وقع منها بيد يدي أساءت لهذا العمل الروائي العظيم أيما إساءة. وأنا هنا لا أتحدث عن مستوى الترجمة وإنما عن شكل الطباعة. فـ"دكاكين" النشر والطباعة في عالمنا العربي تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية ولا تلتزم بتقاليد النشر ولا تقيم وزنا لحقوق الملكية الأدبية.. المادية منها والمعنوية أيا كانت طريقة أو شكل التعبير عنه!

فخلال سعيهم لتحقيق العائد المادي تتساوى عند أصحاب هذه المطابع مواضيع النصوص، فلا فرق لديهم بين رواية "مزرعة الحيوان" أو سواها من نصوص هابطة. وكنت قد اطلعت مؤخرا على طبعة جديدة للرواية، وهالني ما رأيت! فقد طُبع النص في "كتاب" لا يختلف كثيرا في الطباعة وشكل الغلاف والورق عن كراس مدرسي زهيد الثمن.

إن اشتغالي على ترجمة هذه الرواية، واختيار جهة النشر وشكل الكتاب، جاء انطلاقا من تقديري الجم لـ"جورج أورويل".. الروائي وإنسان. فسيرة حياة "جورج أورويل" تكشف عن روائي متميز ورجل ملتزم إلى أقصى حدود الالتزام. فقد غادر "جورج أورويل" بريطانيا عام 1921 لينضم إلى سلك الشرطة الإمبراطورية الهندية في بورما، لكن سرعان ما إستقال امتعاضا من سياسة ممثلي حكومته في الشرق كما تبين روايته الأولى "أيام بورمية" 1934. وعاد إلى بريطانيا بعد ذلك حيث عاش سنوات عدة فقيرا بين الصعاليك والمتشردين وسجل مشاهداته عن تلك التجربة في روايته "صعاليك في باريس ولندن". وفي نهاية عام 1936 ذهب إلى أسبانيا للقتال إلى جانب الجمهوريين ضد قوات الدكتاتور فرانكو فأصيب بجراح. ويعتبر كثيرون روايته للحرب الأهلية الأسبانية "بيعة كاليدونيا" من أعظم إنجازاته الأدبية.

صدر لأورويل كتب عدة، ولكن شهرته ذاعت بعد نشر رواية "مزرعة الحيوان" التي رفضت بعض دور النشر إصدارها في البداية، ونفد منها، خلال الأسابيع الأولى من توزيعها، مليون نسخة. وتعززت شهرته بعد صدور روايته "ألف وتسعمائة وأربع وثمانين" وهي نبوءته بمستقبل العالم سنة 1984 التي تقع فيها أحداث القصة، وحين ينقسم العالم إلى ثلاث قوى عظمى: أورشينيا وإريشا وإستاشيا التي تخوض حربا أزلية بعضها ضد البعض الآخر. وفي أورشينيا يحكم الحزب قبضته على الدولة من خلال أربع مصالح حكومية تتمتع بسلطة مطلقة: وزارة السلام التي تتولى شؤون الحرب ووزارة الحب "المقر الرئيسي لشرطة الفكر المرعبة" التي تضطلع ببسط الأمن وتطبيق النظام ووزارة الوفرة التي تعنى بتوزيع حصص المُؤَن ووزارة الحقيقة التي تتولي الدعاية ونشر الإشاعات. وتتعاون هذه الهيئات معا على فرض مراقبة دقيقة لكل حركة وكلمة وإشارة، أو رأي. وتعد هذه الرواية التي كتبها تحت وطأة المرض واحدة من أكثر القصص إثارة للعواطف التي صدرت آنذاك.

أثار أورويل الجدل حول كثير من كتاباته، ومع أنه لم يكن فيلسوفا أو منظرا سياسيا، إلا أنه دفع الناس إلى التفكير جدياً بالعقائد والقيم التي يدعو لها الآخرون دون الرضوخ إلى المعاناة الاجتماعية والاقتصادية. كان يؤمن بقدرة الإنسان على تصحيح مسار حياته والتغلب على المصاعب من خلال سلوك راديكالي جِذْرِيِّ سهل: أن يفكر ويمارس حق التفكير وحده ولا يدع الآخرين يفكرون نيابة عنه.

أمضى "أورويل" الفترة ما بين عام 1947 و1950 يتردد على المستشفيات إثر إصابته بمرض السل وتوفي عام 1950 عن عمر يناهز السادسة والأربعين وهو في أوج عطائه.
 

محمـد عيـد العريمـي
صور، سلطنة عمان