مـذاق الصبـر

توطئة / مذاق الصبر

بعد عشرين عاما من الصراع المتواصل مع الإعاقة وتداعياتها الصحية على الجسد والنفس، قررت أن الوقت حان للبوح، وإطلاع الآخرين على ماذا يعني أن يجد الإنسان نفسه فجأة وقد فقد الإحساس في معظم أعضاء جسده، ولم يعد يقوى حتى على حك أنفه!
وقد يُعزى تأخري في الكتابة عن تجربتي هذه إلى الخوف من استعادة تفاصيل أيام كانت هي الأسوأ في حياتي.. لاسيما تلك المرتبطة بمعاناة السنوات الأولى.. الأكثر ألما..الأكثر ترسخا في ذاكرتي، إلا أن تواضع قدرتي على صياغة هذه التَجربَة وبلورة عناصرها المختلفة في قالب أدبي يتيح لي التعبير عن مختلف مكامنها.. المظلمة منها والمشرقة، دون الوقوع تحت تأثير وجع المعاناة الشخصية ومن ثَمَّ الانحراف عن مصداقية البوح، كان وراء ترددي في خوض تجربة كنت أظن أني لست مؤهلا لها!
فالسيرة الذاتية، كما هو معلوم، استحضار للماضي ومعايشة جديدة له في الحاضر. ورغم أن صورة هذا الماضي ـ في تجربتي ـ مؤلمة ومضنية، إلا أنه كان يطغى عليّ كلما توغلت أكثر داخل النفس لاستحضار تفاصيل بعض جوانب حياتي لاسيما تلك التي تعود إلى السنوات الأولى ـ رغم وجع الكتابة ـ شعورا مريحا أقرب إلى "التطُّهر والإزاحة".
أن تكتب سيرتك الذاتية يعني أن تكون مستعدا لتعرية نفسك.. صادقا معها لكي يصدقك الآخرون، وأن تعرض تفاصيل من حياتك ليطلع عليها الآخر أيا كان نوعه: بينهم المتعاطف الباحث عن الحقيقة، والشغوف بمعرفة خصوصيات الآخرين، وبينهم أقرب الناس إليك ولعلهم الأقدر على تأكيد صدق شهادتك!
وإذ ذاك توقفت أثناء كتابة هذا النص كثيرا أمام جوانب شديدة الحساسية من حياتي.. البوح بها لا يعنيني أنا وحسب وإنما يمس حياة آخرين غيري.. بعضهم مازال يعيش بيننا ـ أطال الله في أعمارهم ـ وآخرين غيبهم الموت ـ رحمهم الله وغفر لهم.
وكان عليّ المفاضلة بين خيارات صعبة لأسلوب تناولها: بين "التخفي" وراء صور بلاغية لا تؤكد الشيء ولا تنفيه، أو"انتقاء" مشاهد بذاتها ولو كان ذلك على حساب "مصداقية" السرد، أو قول "الصدق" حتى وإن كان جارحا أو محرجا.
وبعد طول تفكير، قررت أن أمارس الصدق مادام هذا الصدق لا يعني أحدا سواي، ولا يحرج أو يجرح غيري من الناس.. الأمر الذي حجب جوانب من حياتي لم يكن من حقي الحديث عنها، وهذا ما عاتبني عليه بعض أصدقائي!
ويجدر التنويه هنا أني لست بصدد كتابة سيرة حياة كاملة، وإنما سيرة تجربة في حياة، والغاية من إطلاع الآخر عليها ليس الحديث عن استثنائية صاحب التجربة أو الإعلان عن بطولة، وإنما رصد تجربة عادية يعيشها آلاف الأشخاص وإن تفاوتت شدتها من شخص لآخر ومن إعاقة إلى أخرى.
"مـذاق الصـبر" ليس سوى رَغبة لاقتناص المعنى من تجربة ما حدث.. محاولة أردت من خلالها كشف تجربتي مع الإعاقة، والأبعاد المختلفة لتجربة المرض والإصابة، وإعادة النظـر في طبيعة وضعي الصحي الجديد، ووجـود الآخرين من حولي، والتوضيح أن التصالح مع الإعاقة لا يعني قبول تبعـاتها والرضوخ لشروطها، وإنما يعني توظيف تلك التبعات لتعزيز مقومات شخصية تصـر على حقها الكامل وغير المنقوص في الحياة.
إنها محاولة لإزالة طنين الأسئلة.. تلك التي تدور في رؤوس ناس كثر.. سواء المقربين الذين يجدون في السؤال المباشر تجرعا للألم، أم لدى الغرباء الذين تملأ عيونهم الدهشة والرثاء تجاه الشخص المعاق، والافتراض أنه لا يحتمل السؤال وليس لديه الرغبة ولا الاستعداد للإجابة عن ما يدور في أذهانهم من تساؤلات يترددون في طَرحِها تفاديا للإحراج.
بيد أن الكتابة عن الإصابة وما تسفر عنه من تداعيات على حياة الإنسان في كافة جوانبها وما يتعرض له المعاق من تمييز يحول دونه والاستفادة من الحقوق التي يتمتع بها أفراد المجتمع الآخرون.. ليست إشارة استجدي بها شفقة الآخرين تجاه المعاقين، وإنما هي رسالة لإثارة الانتباه، ودعوة بعضهم إلى أن تتجاوز نظراتهم للمعاق الأجهزة التعويضية التي يستعين بها للتغلب على قصور وظيفي في عضو من جسده، وأن عليهم إعادة صياغة علاقتهم بالمعاقين وفق منظور حضاري لا تقوم فيها المفاضلة بين الناس على الجنس أو لون الجلد أو الإعاقة، وإتاحة الفرصة لهم لممارسة حياتهم وتحسين مستوياتهم المعيشية ومشاركتهم في الحياة العامة بكافة أبعادها على قدم المساواة مع الآخرين.
ورغم أن بعض من قرأ الكتاب أو نقده يُعزي كتابته إلى الحاجة التي أفرزتها المعاناة الدائمة مع الإعاقة، إلا أن كتابة "مذاق الصبر" وما قبلها وبعدها من محاولات متواضعة للكتابة لم تكن ـ بالنسبة لي ـ تعويضا عن قصور أصاب جسدي، فأنا لا أشعر بأي نقص ولست مسكونا بهاجس إثبات الذات للآخرين وبالتالي البحث عن بدائل تعوض ما أفتقره.
أستميح القاري العذر عن ما اعترى هذا النص من قصور. فلم أكن معنيا كثيرا بشكل الكتابة قدر عنايتي بمضمونها، ولعلي لست على إطلاع واسع بهذا النوع من مستويات الكتابة. وغايتي كانت تقديم تجربتي كما عشتها بتجلياتها المختلفة.. بما فيها من لحظات ألم وأمل، ترح وفرح، ضعف وقوة بغض النظر عن شكل اللغة ومستواها.
 

المؤلف