حوار : محمد بن سلمان الحضرمي

محمد عيد العريمي لشرفات:
تجرعت مرارة الايام فكتبت "مذاق الصبر"
أحن إلى رحلة سندبادية عبر سفينة صوت العرب كانت قد أقلتني إلى أكثر من  مدينة بحرية

حوار: محمد بن سليمان الحضرمي


هل كنت ميالا إلى قراءة الكتب الأدبية قبل أن نعرفك كاتبا لسيرة ذاتية ورواية وقصص قصيرة ومقالات؟..

- لم أكن على وفاق مع الكتابة، كنت أقرأ الكتب العلمية، وأستسيغها منذ أن كنت طالبا فـي المدرسة، وبلا شك انحزت إلى القسم العلمي، وواصلت دراستي فـي علوم الهندسة، وحين كبرت بدأت حواسي الأدبية ترشدني إلى قراءة بعض الروايات لنجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف السباعي، وبعض روايات الأدب العالمي، كالشيخ والبحر لهمنجواي، وغيرهم وغيرها من الروائيين والروايات التي وقعت فـي يدي.

هل كانت الإعاقة سببا فـي دخولك عالم الكتابة؟.. وهل الكتابة صورة من صور التحدي ومقاومة الموت؟

- أنا خريج هندسة.. ووجدت فـي تجربتي مع تحدي الإعاقة مادة ثرية يمكن أن يتابعها القارئ، وهي تجربة عِشتها بكثافة فـي السنوات الأولى من إعاقتي، حاولت أن أثبت لنفسي أن الشلل لا يمكن أن يوقف الألق الذي فـي داخلي والرغبة فـي إثبات الذات.. لذلك كتبت بشفافية وصدق، كي تصبح تجربتي دافعا لكل من يعيش الإعاقة معي فـي إثبات الذات، وعدم الاستسلام للأقدار المؤلمة، أحيانا يستطيع الإنسان أن يوجه دفة أقداره بنفسه، لكن بقليل من الصبر والتريث والمثابرة، فبها يصبح تسلق العقبة الكؤود أشبه باجتياز القنطرة الصغيرة.. لقد كان التحدي الكبير من قبلي هو أن يفهم زملائي فـي العمل، ما أكتبه، وبقليل من المثابرة صرت أقوى على الكتابة، وبدأت أصابعي تعتاد على النقر فـي لوحة مفاتيح الحاسوب الذي سهل لي عملية الكتابة

حكايتي مع وجبة الغداء

التحديات كثيرة .. ما هي أبرزها لديك؟

   مجالات التحدي كثيرة، أنا أبذل قصارى جهدي، وأحاول مسك القلم، وحين تمكنت منه اعتبرت تلك المحاولة نجاحا، سأقص عليك حدثا واجهته بكل جراءة، ولعله حدث ليس ذو بال لكنه بالنسبة لي كان تحديا، فقبل سنوات كنت فـي طاولة الغداء، وكانت الوجبة ساخنة، وأنا أحب الطعام ساخنا، وبينما كنت على وشك تناول الملعقة إذ بها تسقط على الأرض، كانت رائحة الطعام تغوي بالتهامه لقمة واحدة، وتذكرت حادثة وقعت لعميد الأدب العربي طه حسين الذي سجلها فـي كتابه "الأيام"، يذكر فيها حبه للشوربة، لكنه كلما كان يشربها يندلق شيئا منها فـي ثيابه، مما يثير ضحك وسخرية إخوانه عليه، لذلك ترك شربها رغم حبه لها، أما أنا فلم أترك الغداء، بل انحنيت برأس على السحن، وبدأت فـي التهام وجبتي مباشرة من السحن بلا ملعقة، وبلا شك فقد تناثر الكثير من الطعام على ثيابي وفـي أجزاء من الأرض والطاولة، وبعد أن أجهزت على الوجبة شعرت بالنجاح، حيث تمكنت من أكل غدائي ساخنا كما أشتهيه، ومثل هذا الموقف قد لا يعني شيئا لدى الكثير، لكنه بالنسبة لي يعني لي الشيء الكثير، حين قررت أن أتحدى، وأن أنحي الخجل عني جانبا، وأرضى بقضاء الله.

من مهندس إلى مترجم .. هل واجهت صعوبة فـي هذه المهنة، وهل كانت خيارك الوحيد؟

درست اللغة الإنجليزية، وتولدت لدي قدرة على الترجمة، كانت هذه الوظيفة هي الأنسب لظرفـي الصحي، حيث تبقيني على صلة مع عملي، ولذلك أنا مدين للشركة التي أعمل بها، حيث تفهمت ظروفـي الصحية، ووافقت على إبقائي موظفا بها، ولقد خدمتني الترجمة كثيرا، فبها تعلمت الكتابة، وتعودت على القراءة والمتابعة، ووجدت نفسي أتعامل مع لغتين.. لذلك الآن أحاول أن أكون مترجما ناجحا، أرجو أن أكون كذلك.

واقع تجرعت مرارته سنين طويلة
مذاق الصبر.. كتابك الأول.. حُظِي بحفاوة المثقفين.. هل كنت تخطط لذلك قبل كتابته؟

بعد أكثر من عقد من السنين، تذكرت ذلك الحادث الأليم، كما تذكرت حياتي قبل الحادث وبعده، فوجدت فيها مادة غنية ومشوقة، يمكن متابعتها، وقد كتبت مذكراتي بصدق، وبتجرد تام، واستفدت من تجربة عبدالرحمن منيف فـي كتابه "سيرة مدينة"، الذي أوحى لي بالشيء الكثير، ووجدت نفسي أكتب تفاصيل من حياتي ما يشبه العمل الروائي، فالواقع أكثر سحرا، وما كتبته فـي "مذاق الصبر" هو واقع تجرعت مرارته سنين طويلة، إذ الإعاقة والإحساس بها شيء مؤلم، لكن تجاوزتها، ووثقتها فـي كتاب، لقد تجرعت مرارة الايام، ولذلك كتبت مذاق الصبر، بمعناه المادي والمعنوي..  ولم أجد أمر منه، وبعد الصبر تفتحت مغاليق الأقدار، أشعر وكأني كتبت فصولا من حياة الكثيرين من المعوقين، حيث تختلف أشكال الإعاقة، ويختلف زمانها، لكن أثرها فـي النفس متشابه، يصل إلى حد الشعور بالعجز.. ومعنى أنك معوق أي أنك عاجز عن الحركة، لكني لم أكن عاجزا عن الكتابة، فكتبت بصدق وبحب، وكتبت كل ما اعتمل فـي داخلي من خواطر ورؤى وانفعالات، وأشعر الآن أني تخلصت من حمل ثقيل كان يسكن خلدي وذاكرتي.

قبل مذاق الصبر.. هل جربت الكتابة؟.. هل كانت لك محاولات؟

نعم فقد كتبت مقالة حول تجربتي مع الإعاقة، نشرتها فـي مجلة "الفحل" التي كانت تصدر عن الشركة التي أعمل بها "شركة تنمية نفط عمان"، ثم نشرتها بعد ذلك فـي مجلة "أصداء المُعوقين" اللبنانية، وهي مجلة شهرية تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، وكان لها ردود فعل طيبة، حيث كلمتني موظفة فـي الشركة، كانت تبكي بحرقة، فشعرت أن للكتابة القدرة فـي التأثير على الناس، بعدها قررت أن أكتب سيرتي وذلك عام 1999م أي بعد 17 عاما من تاريخ الحادث الأليم.

لم أخرج عن إطار الحقيقة

هل نسجت شيئا من خيالك الأدبي فـي أحداث "مذاق الصبر"، أم أن تلك التفاصيل هي كما عايشتها بصدق؟

مذاق الصبر عمل أدبي، وبالتالي فهو لا يخلو من أحداث تخيلية فـي بعض تفاصيله، وبشكل عام لم أخرج عن إطار الحقيقة، إذ لم أعد الكتاب للنشر لحظة كتابتي له، لكن تشجيع الأصدقاء الذين قرأوا العمل كان دافعا لنشر تلك المذكرات.

بعد الحادث وتعطل بعض قواك الجسدية عن العمل، هل أحسست بحزن؟

أتذكر اليوم الذي عدت فيه من العلاج خارج السلطنة بعد شهور طويلة من العلاج، كنت مقعدا فـي كرسي متحرك، وكنت خائفا من مواجهة أهلي، وأصدقائي، ومواجهة الحياة، ترى هل سينصدم أقربائي من إعاقتي؟.. أسئلة مزعجة كالكوابيس، كيف أقابل زوجتي، وكيف تتقبلني؟.. لا شك إنها كانت فترة حرجة، ولم أتجاوزها إلا بعد أن روضت روحي لهذه الحياة الجديدة.

ماذا تعني لك الإعاقة؟

الآن؟.. لا شيء .. أنت تستخدم قدميك فـي الحركة، وأنا أستخدم عجلات الكرسي، فقط تزعجني نظرة الشفقة إلى المعوق، وكأنه أشبه بكائن غير مرغوب فيه، هذه نظرة سلبية، ومثل هذه النظرات تربكني جدا، لكني كنت أعيش حياتي وكأني سليم الجسد.. أتذكر فـي إحدى المرات أني كنت جالسا فـي مقهى مع بعض الأصدقاء، وكانت قبالتي فتاة جميلة، فلم أجد بدا من النظر إليها، كنت أرمقها بين الفترة والأخرى وقد أحست هي بذلك، لكنها تماسكت.. كان يمكنها إحراجي بكلمة، ولكن هذا ما لم يحدث، وبالمقابل تصرفت مع الموقف ذاته بروح الشاب السليم المعافى..  وأحد أصدقائي أصيب بعمى، كان يخشى مواجهة الناس، الآن بعد العمى انفتحت نفسه لهم، صار لا  يخشى نظراتهم له، وصار لا يكترث بنظرات عيونهم، حيث يعيش فـي سواد وظلام دامس.

هل أحببت؟.. وهل انفتح قلبك على نسائم الحب؟

نعم أحببت كثيرا، ودائما ما أعيش حالة حب.. وبدونه تصبح حياتي لا معنى لها، وفـي قلبي ينمو الحب كبذرة تينع من أول زخة مطر، فيغمرني جماله، ويجعلني أكثر سعادة.. وشكرا لمن أحببته وبادلني الحب، لأنه منحني تلك السعادة الجملية التي يفتقدها الكثيرون.

الرحلة عبر صوت العرب

عد هذه التجربة .. إلى ماذا تحن؟

أحن إلى القارب وفـي يدي صنارة، وإلى رحلة بحرية على ظهر سفينة اسمها "صوت العرب"، وقد كتبت عنها شيئا من الذكريات، تلك سفينة العائلة، وهي أول سفينة تعلمت فيها القراءة، انطلقت معها من مدينتي صور بالمنطقة الشرقية إلى مدن الساحل العماني مثل "صوقرة" و"جزر الحلانيات" بالمنطقة الشرقية، و"سدح" بمحافظة ظفار، ثم إلى مدينة "المكلا" باليمن، ثم رحنا الى المرافئ فـي رحلة سندبادية، كان هذا عام 1966م، وقتها كان عمري 12 سنة تقريبا، وفـي تلك الرحلة مع أفراد أسرتي "أبي وأعمامي وغيرهم" وقد واجهنا الكثير من المصاعب، أتذكر هبوب عاصفة كادت أن تغرق سفينتنا، أتذكر جوعنا وحاجتنا إلى لقمة طعام، تلك الرحلة استغرقت خمسة أسابيع، أما أفرادها فكانوا فنانين وعشاق حياة.

أين هي الآن.. أعني سفينة "صوت العرب"؟

لا أدري .. لعلها بيعت، أو تقاعدت عن العمل، كانت السفينة ذات شهرة عالية فـي الستينيات، كانت تنقل المواد الغذاء بين صور ومسقط، وأكثر من مرة قطعنا البحر بين صور ومسقط، وتلك رحلات تكررت كثيرا، ولها فـي قلبي شجون، وبمناسبة حديثي عن الرحلات البحرية فإن لي فصلا فـي كتاب مذاق الصبر يحمل عنوان "الريحان والدخان"، وحاليا أعيد صياغته، لأسرد فيه سيرة صبي يتنقل بين الضفاف فـي مثل تلك الرحلات البحرية، هي سيرة كل صبي وجد نفسه فـي ظهر سفينة تقله من مدينة الى أخرى، وسأغير عنوان الفصل الى "بين الصحراء والماء".

القيد.. حزام الفقر
هل كانت رواية حز القيد تمشي فـي نفس وتيرة مذاق الصبر من حيث اللغة، والشحنة العاطفية، أما إنها تجربة مختلفة.. وهل لبعض شخوص الرواية جانب من الحقيقة.. هل اقتربت بحميمية من أولئك السجناء الذين تحدثت عنهم؟

بعد أن أصدرت سيرتي "مذاق الصبر" نبا إلى سمعي كلام أن مذاق الصبر ليست إلا بيضة الديك للكاتب، وهذا يعني أني لن أكتب.. فتولد فـي داخلي تحدي، أن أتواصل فـي الكتابة ما دمت بدأت، ومادام القراء تلقوا العمل الأول بالحفاوة والحب، فجاءت فكرة رواية "حز القيد"، وهي  تجربة مختلفة عن "مذاق الصبر"، ففيها أشتغل على عمل روائي لا علاقة له بشخصي وحياتي كما فـي التجربة الأولى، والقيد هو حزام الفقر، والحز هو الأثر الذي يتركه القيد فـي الأرجل، الذي ينم عن المعاناة، ولا شك أن فـي ذهن القارئ سيتولد سؤال آخر هو لماذا حز القيد؟.. وتأتي إجابتي بأن هذا العنوان له علاقة بمنشأي، إذ إن ولدت فـي بيئة بدوية، وألفت النياق المقيدة والهجن فـي المرعى، ولم أجد أنسب من التعبير عن الفقر والمعاناة الإنسانية إلا بالتعبير عنه بـ"حز القيد"، وبدأت فـي كتابة النص الروائي، وفجأة وجدت أنساق شخوص القصة وهي تحتفي بواقعها الخاص، فأجد نفسي أمام فكرة معينة، لكن كيف كتبتها؟.. لا أدري، أحيانا أستسخف ما أكتب، ولا أرى فيها إلا بوحا وكتابة إنشائية، أما النصوص القصصية القصيرة فهي مجرد أفكار صغيرة تعبر الذاكرة، أما شخوص الرواية فبعض تلك الأسماء حقيقية، أعني بعض الشخصيات، وأعرفهم فـي الحياة، ويعرفونني، ويعرفون أني كتبت عنهم، ومن الصعب على الكاتب أن ينفصل  عن واقعه، بل يغترف منه ما يتوافق مع العمل الأدبي ويغذيه وينميه، كما أن كل كتابة ليست هي محض خيال.. و"حز القيد" تجربة عامة، غير معنية بمكان ولا بزمان، وهي توصيف لحالات كثيرة دون البحث عن حل، وفيها رصدت حالات الفقر وحياة السجون وكبت الحرية الإنسانية.

كما يعيش البسطاء

سأتدخل فـي خصوصياتك الحياتية لعلى أستشف منها ما يضيء الجانب الإبداعي لديك، لأسألك: كيف تعيش يومك؟

أعيش فـي شقة صغيرة فـي مرتفعات رأس الحمراء، فأنا موظف فـي شركة تنمية نقط عمان، وقد حولت شقتي إلى مكتب، حيث أتلقى من الشركة ملفات أقوم بترجمتها من العربية الى الإنجليزية او العكس، وعمل الترجمة هو الأنسب لحالتي الشخصية، واستخدم الحاسوب فـي الكتابة، ولا أستغني عنه، لقد أصبح رفيق حياتي، كما أن الكتابة على لوحة المفاتيح أجد فيها الكثير من المشقة، وليست هينة، كما يتصور البعض، ومع ذلك أجاهد فـي إنجاز عملي، ويومي يبدأ من الساعة السابعة صباحا، وفـي المساء أبدأ فـي قراءة الصحف، ومتابعة ما ينشر من صفحات ومجلات، أو أشرع فـي الكتابة، وأدخل على المواقع الإلكترونية فأشارك فيها أحيانا، وأستمع الى آراء القراء حول أعمالي، ولا أهتم بالمديح ولا يعنيني ذلك، بل أبحث عما يضيء تجربتي، وينقد أعمالي لو وجدت، وفـي المساء أستقبل أصدقائي الذين يتواصلون معي يوميا، وعادة لا أخرج من شقتي إلا قليلا، وفـي الظروف اللازمة، وحاليا أعيش حياتي بكل بساطة كما يعيشها البسطاء أيضا، وأتابع الندوات التي تقام فيما يخص الإعاقة، وأحيانا أشارك بورقة تسند إلي، واكتب فـي الصحف العمانية وبعض الصحف الخليجية.
 ماذا عن أيام ما قبل الكتابة .. هل تشعر الآن بإرهاق بعد أن جربت طريق الكتابة الصعب؟
- أحن لأيام ما قبل الكتابة، وأشعر أن الكتابة أرهقتني حقا، حيث أكتب وألغي ما أكتب،  وأعيد الصياغة أكثر من مرة حتى أستقر على الصياغة النهائية، وأنقد كتابتي بحس القارئ لا بحس الكاتب، بودي الآن أن أتفرغ لمتابعة الصحف باستمرار، وكذلك البرامج التلفزيونية التي تستهويني، وبصدق ينتابني شعور أن مقيد، لعل هذا الشعور تولد بعد كتابتي لحز القيد، لعل استمرار كتابتي لكلمة القيد والحديث عنه ولد فـي داخلي شعور التقييد لذاتي، حقا أشعر أني مقيد، لذلك أحلم فـي إجازة طويلة.

 ذكرت فـي إحدى كتاباتك أنك تحب الزحام؟

- نعم أحب الزحام فهو يمنحني فرصة الإحساس بالناس وبالحركة والأصوات، وأحب الزحام لأني أحب الحياة، الزحام دليل على الحياة، ومتى ما يوجد الناس توجد الحياة، أحب التفحص فـي الوجوه.. أعتقد إن من يكتب نصوص معنية بالبشر لابد له أن يخوض تجربة معهم، وأن يقترب منهم أكثر.

بين الصحراء والماء

 ماذا عن مشاريعك القادمة؟

- الآن منشغل بإعادة صياغة فصل "الريحان والدخان"، وسميته "بين الصحراء والماء،"، كما آن "كلية عمان الطبية" اختارت مذاق الصبر كمقرر دراسي لطلبة السنة الأولى، وسيدرس باللغة الإنجليزية بترجمة صالح بن عبدالله الخمياسي.