|
|
|
|

حوار : جريدة الزمان اللندنية
القاص العُمانى محمد العريمي: الكتابة بالنسبة
لى وسيلة وليست غاية
حوار: محمد القذافي مسعود / جريدة الزمان
اللندنية
الأديب محمد عيد العريمي من أبرز الأسماء
الأدبية في عمان والوطن العربي وقد احتفي
الوسط الثقافي العماني قبل خمس سنوات، وهذا
عمره الابداعي، بصدور كتابه "مذاق الصبر..
سيرة الذات والمكان" الصادر عن دار الفارابي
ببيروت، والتي سجل فيها تجربته مع الإعاقة.
كتب عنه نقاد وكتاب كثر وقد ترجم عمله "مذاق
الصبر" إلى اللغة الإنجليزية، كما صدر للعريمي
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية
بعنوان "حز القيد". والتي تعد من أشهر وأهم
أعماله الأدبية . وفي هذا الحوار يتحدث
العريمي عن تجربته الإبداعية .
هل كانت الإعاقة وراء بوحك الذي وضعته في كتاب
"مذاق الصبر" أم ثمة أسباب أخرى؟
إذا كنت تشير إلى أن "الإعاقة" هي وراء كتابة
"مذاق الصبر" وما حققته في هذا الجانب من
حياتي.. أي الكتابة الإبداعية، على تواضعها،
فالجواب لا.
الإعاقة ليست السبب المباشر للكتابة ولكن
الظروف التي فرضت على نتيجة إصابة الجسد هي
التي دفعتني إلى البحث عن جوانب في شخصيتي
يمكن التركيز عليها واستنفار طاقات ما كانت
ستظهر لو لم أبحث عنها وتوظيفها لإثراء حياتي.
ولكن، ومن دون شك، الكتابة مسكن جيد للألم،
فالاشتغال على الكتابة السردية وإطلاق العنان
للمخيلة لرسم الأحداث والأمكنة والأزمنة
وتشكيل تفاصيلها بالحرف والكلمة.. لهو شعور
ممتع.. ممتع للغاية يتيح لي تجاهل الألم
وتناسى وجع الإعاقة. والكتابة فعل وجودي يعزز
قناعاتي بحقي في الحياة ويعزز من رغبتي في
مواصلة العيش بروح تواقة حتى ولو كانت داخل
جسد حبيس.
الكتابة والألم
هل دخلت الكتابة من باب التجربة الشخصية
كوسيلة للتعبير عن ما كان يختلج داخلك لحظة
الألم الجسدي والنفسي؟
لم أفكر بهذا الموضوع كثيرا، فقد أمضيت عشرين
عاما منذ إصابتي، كنت خلالها متصالحا مع
الإعاقة وتداعياتها المختلفة على الجسد
والنفس! وعندما كتبت "مذاق الصبر" لم أكن
معنيا كثيرا بالشكل الأدبي للنص قدر عنايتي
بمضمون الكتابة. كان هدفي اطلاع الآخر على
ماذا يعنى أن يجد الإنسان نفسه فجأة وقد فقد
الحركة في معظم أجزاء جسده وأنه لم يعد يقوى
حتى على حك أنفه، وهذا ما اعتبره بعض النقاد
قصورا حال دون ترك العنان للمخيلة لتفعل فعلها
السحري في النص.
الرواية فن بدون قوانين!
تشدد مارث روبير في كتابها "رواية الأصول
وأصول الرواية" على أن الرواية فن بدون قوانين
ولا فرامل مفتوحة على كل احتمال، وبصيغة أخرى
فهي غير محددة من كل الجوانب وهذا هو السبب
الرئيسي في انتشارها المستمر وذيوعها في
المجتمعات المعاصرة ما رأيك في هذا الرأي؟
الرواية من دون شك عالم مشرع الأبواب.. نص
النهايات المفتوحة على كل الاتجاهات. فمهما
بدا موضوع الرواية ذا بعد محلي، فهو ذو بعد
عالمي وبقدر ما يتموضع النص واقعا حول مكان ما
وزمان ما، فإن الخيال فيه ينفتح على أمكنة،
وأشخاص وثقافات وعلاقات.
ففي "مئة عام من العزلة"، على سبيل المثال،
رغم تموضع النص الضيق، فإن الفضاءات التي
صنعتها مخيلة ماركيز أعطت المكان أبعادا كونية
غير ذات حدود. ولعل ترجمة الأعمال الروائية هي
التي ساعدت على انتشار الرواية وقراءتها على
نطاق واسع وهذا ما لم يتحقق للأجناس الأدبية
الأخرى كالشعر والقصة القصيرة والسير الذاتية.
وظني أن نجاح الرواية العربية، المحدود، يتجلى
في منافستها للشعر على عرش الأجناس الأدبية
المختلفة بعد أن ظل "ديوان العرب" يشغل تلك
المكانة منذ أن كتب العربي أبجديته! وقد تعزز
وجودها في المشهد الثقافي العربي منذ منتصف
القرن الماضي، وبلغت ذروتها مع ظهور الروائي
العربي الكبير نجيب محفوظ.. لاسيما بعد حصولها
على اعتراف عالمي بفوز نجيب محفوظ بجائزة
"نوبل" وتظل الرواية العربية، شأنها شأن غيرها
من صنوف الإبداع المقروء، محدودة الانتشار،
وقرأها ككتابها محدودي العدد.
الشعري والسردي
المزج بين الشعري والسردي أتراه حقا يخرج
المتلقي من دائرة الاستسلام إلى حالة
المشاركة؟
القدرة على توظيف الشعر في السرد وإدارة
الحوار يشير إلى مهارة الكاتب وتنوع تقنياته،
وللأسف تجربتي في الكتابة الإبداعية اقتصرت
على السردي منها. الشعر عالم لم أطرقه، ولا
أجد في نفسي القدرة على نظمه. بيد أن هناك من
يعتقد أن في "مذاق الصبر" من النفس الشعري
شيئا رغم أن نبض النص ينز ألما.
ولا أظن أن حس المشاركة الذي يسعى إليه كل
كاتب لا يتحقق إلا من خلال المزج بين السردي
والشعري للنص، وإنما أحداث الرواية وزمنها
وتنوع مستوى السرد وكثافة الحوار وتنوع صيغه
حسب اختلاف شخوص الرواية هي التي تجذب المتلقي
للمشاركة.
الرواية أداة شديدة التأثير، إذا عرف الروائي
كيف يمسك بزمام السرد، في تكييف الخيال وعرضه
على نحو يستدرج القارئ ويدفعه إلى ترك دور
المتلقي واتخاذ دور المشارك. وهنا أتذكر
تعليقا لقارئة حين انتهت من قراء رواية "حز
القيد" حيث قالت: " تدخل "حز القيد" في جنبات
حياة الناس كما تدخل خيوط النور خلسة بين
فتحات النافذة، تسلط ضوءها على الجانب
الاجتماعي والسياسي بشكل مباشر أحيانا ومستتر
أحيانا أخرى .. وتنقل أشخاصها إلى ظلمات الأسر
ووحشة القبر وآلام التعذيب في محاولة لتوريط
القارئ لا كمتلق وحسب وإنما إثارة حس المشاركة
فيه ليتخذ موقفا من أحداث القصة بشيء من
الحقيقة حتى وكأنه أحد شخوصها.
فكرة كتاب
ثمة فكرة بداخل كل كاتب تنتظر موعد ولادتها
وخروجها إلى النور فما هو الكتاب الذي تحلم
بإنجازه؟
أتوق إلى كتاب سيرة جيل بالكامل من الشباب
العمانيين الذين اضطرتهم الظروف، خلال
الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إلى
ترك وطنهم وأسرهم وهاموا حول العالم بحثا عن
فرص للتعليم. إنها قصة ذلك الفتى الذي ذهب
سعيا وراء ما يحقق له فرص أفضل للمستقبل في
عواصم دول أوربا الشرقية والدول العربية، فعاش
يتعلم نهارا ويعمل ليلا ويتجول متسكعا في
محطات القطارات بحثا عن زاوية دافئة أو حجرة
مهجورة لمد فراشه ووسادته، وربما حالفه الحظ
فوجد له مكانا في مساكن طلاب العالم الثالث
المكتظة، ولم يثنه عوز الحال ومشقة التوفيق
بين دراسته وعمله عن التفاعل مع الأوضاع
السياسية والفكرية في تلك الدول.
حياة هؤلاء الشباب ثرية بالتجارب والمفارقات،
إلا أن تقصى تفاصيل تلك التجارب تحتاج إلى نفس
وطاقة لا قدرة لي عليها، لذا سأكتفي مضطرا
بتسجيل تجربتي الشخصية التي تمثل جانب صغير
للغاية من تلك المرحلة.
لقد بدأت حياتي في قرية نائية صغيرة قابعة وسط
بحار من الكثبان الرملية على التخوم الشرقية
لصحراء الربع الخالي الرهيبة حيث بدأت دراسة
القرآن الكريم في الهواء الطلق تحت ظل شجرة.
ومن هناك واصلت تعليمي الأساسي متنقلا بين مدن
الخليج العربي، وأكملت دراستي الجامعية في
الولايات المتحدة الأمريكية.
وبين المكانيين: الأول والأخير، سافرت إلى
مناطق أخرى كثيرة ثرية بالتجارب والممارسات
الحياتية! تربيتي في الصحراء العربية، رغم
المكابدة وشظف العيش، تركت في نفسي تقديرا
كبيرا للإنسان والمكان.. للبدو والبادية.. لقد
سُكنت بحب ذلك المكان وتاريخه، وتقاليد أهله
وأساطيرهم وأسلوب حياتهم. لذا سأحاول في جانب
من تلك السيرة أن أكتب عن هذا المكان وعن
هؤلاء الناس.
من هو متلقيك؟
لا استهدف قارئاً بعينه ولا شريحة بذاتها.
تجربتي في "مذاق الصبر"، وبسبب خصوصية
الموضوع، وصلت إلى مختلف القراء: منهم الصغير
والكبير.. وفيهم الناقد والطالب. أنا لا أكتب
في الفكر ولا فلسفة لي أناقشها في كتاباتي
ولست مسكونا بهاجس الحذلقة المعرفية، ولا أومن
بمقولة الفن للفن.. الكتابة بالنسبة لي وسيلة
وليست غاية! وأحسب أن كل ما كتبت إبداعيا، كان
التزاما.. أي أنه يؤدى رسالة.. يناقش قضية
ويتخذ موقفا ليس بهدف إيجاد الحلول وفك
الطلاسم وإنما بهدف إثارة السؤال!
هل للصمت ثمن؟
قالت العرب إن السكوت من ذهب، أما في العصر
الحديث فإن الصمت يندرج في قائمة الخيانة..
خاصة صمت المثقفين والكتاب.
إن ما نعيشه الآن من هوان وامتهان على مستوى
الأرض العربية الشاسعة ما هو إلا نتيجة طبيعية
للصمت الذي مارسناه جميعا طوال قرون، ولعل
ثقافتنا الاجتماعية لعبت دورا رئيسا في إبقاء
مستوى أصواتنا منخفضا إلى حد الصمت!
مفهوم الإبداع
ما هو الإبداع بالنسبة لك؟
الإبداع هو الإتيان بشيء لا نظير له.. أي
إيجاد الشيء من عدم. هذا هو التفسير المعجمي
للكلمة، أما في الأدب فالإبداع هو إعادة صياغة
الشيء المألوف الذي يعرفه كل الناس وتقديمه
لهم في إطار وكأنهم يروه لأول مرة. ذلك أن
الإبداع له مرجعيته الخاصة. انه تحويل ما هو
واقعي إلى ما هو متخيل.
والمبدع الحقيقي هو من يستطيع أن يدهش المتلقي
ويحافظ ويستحوذ على قلبه وعقله حتى ينتهي من
قراءة النص! مكان المرأة " هل أعطيت المرأة
حيزا فيما تكتب؟ - للمرأة حضور بارز ومتنوع في
نصوصي، ويؤخذ عليّ استخدامي مفردات مؤنثة في
عناوين القصص القصيرة. كانت "فاطمة" الزوجة ــ
رحمها الله ــ هي البطل الحقيقي في "مذاق
الصبر".
فقد اختارت ــ وبمحض إرادتها ــ أن تعيش
التجربة التي فُرِضَتْ عليّ، وكانت الأم
القوية التي اضطلعت بدور الأب أيضا ــ في غياب
والدي ــ رحمهما الله ـ هي الأكثر تأثيرا على
شخصية "عوض" في "الريحان والدخان"، وأثارت
الفتاة المتمردة "الشمروخ" في نفس النص من
اللغط ما لم تثره أي فتاة أخرى على أرض واقع
ما كتبت عنه.
أما بتول"حز القيد" فقد تحولت بين ليلة وضحاها
من "العهر" إلى "الطهر" بعد أن اُكتشف أمرها
وتبين أن الصخب والمجون الذي يشهده بيتها ليلا
ليس سوى وسيلة للتمويه وصرف الأنظار عن حقيقة
ما كان يدور داخل المنزل "المشبوه"، وهى التي
اختارت الموت مُغْتَصَبَة على أن تعترف
للجلادين بما كانوا يريدونه.. على افتراض أنها
هي التي ماتت في معتقل "مراغة البعير الأجرب".
وهى الأم التي قال عنها على الناصر في "حز
القيد" .. " لن تدعني أترك دراستي وأضيع
مستقبلي. وقالت إنها ستعمل خادما في بيوت
الأغنياء من اجل أن أكمل تعليمي". وهى التي
قال عنها سيف في قصة "فطيرة التفاح" عندما
تفاجأ بوقوفها أمامه: ".. تراقصت شفتاها
الطريتان حين زمتهما قبل أن ينفرج مبسمها عن
خميلة تدلت على أغصانها قناديل بلون الشمس
ورهط من حور الجنة"، ولكنه اعترف بخطأ انطباعه
الأولى عنها حين عرفها عن كثب قائلا: ".. وما
لبثتُ أن اكتشفتُ حين ردت عليّ: ككل
الشرقيين.. أنبياء أو مجانين! إن رفيقة قطار
الليل ليست فقط عيونا زرقا واكتناز صدر
واستدارة خصر وروايات عاطفية!".
هل يعنى ذلك أن موقفك تجاه المرأة يتجاوز
الواقع القائم في بعض المجتمعات العربية
لاسيما الخليجية منها؟
لن أقول يتجاوز ولكن يختلف!
وما سـبب هذه الرؤية المختلفة؟
التربية والتجربة. لقد نشأت في بيئة تحتل
المرأة فيها مكانة إنتاجية متقدمة لا تقل عن
الدور الذي يضطلع به الرجل. فإلى جانب المهام
المنزلية، تتولى المرأة في البادية تربية
الماشية، وتقوم بغزل خيوط الصوف والشعر لحياكة
مشغولات يدوية كألحفة الشتاء والشمائل والخروج
والساحات والزرابيل "أحذية من الصوف يلبسها
البدو ليلا لتفادى لسع العقارب"، وتعتبر هذه
المنتجات مصدراً هاما للدخل لشريحة واسعة من
البدو. ومن الطبيعى أن يكون للبيئة الاجتماعية
التي عشت فيها خلال سنوات طفولتى وصباى تأثير
على طريقة تعاملى مع الجنس الآخر وتقديرى
لمكانة المرأة والدور الذى يمكن أن تلعبه في
المجتمع!
________________
جريدة الزمان اللندنية/ الأحد 26 نوفمبر 2006

|
 |
|
|
|
|