حوار : جريدة الاتـحـاد

الروائي العماني محمد العريمي
روح توّاقة.. تترجم القيد إلى قوّة بما تبّقى ســــالما من الجسد

 

حاوره: عبد الجليل السعد ومحمد الحلواجي / جريدة الاتحاد

"محمد عيد العريمي، كاتب عماني متمكن في عناده وإصراره على كتابة الرواية من تراب الأرض وعبق المكان واستشراف الزمن الآتي في إطار تصور شخصي وثقافي فرضته التجربة الشخصية والأبعاد الإنسانية والفكرية. وفي فضاء يفتقر لكتاب الرواية الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وتجارب لا تتعدى الرواية الواحدة، حفر العريمي بصمت وعناد ـ خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات وهي عمره الإبداعي ـ خمسة كتب توزعت بين السيرة والرواية والقصة إلى جانب تعريبه للرواية العالمية المشهورة "مزرعة الحيوان".. عدى عدد كبير من النصوص القصيرة والمقالات والاجتماعية. يكتب في السياسة كما يكتب في الأدب، وترجمت بعض أعماله إلى الانجليزية.

التقينا العريمي على غير موعد، لتدور بيننا رحى الحديث بعد شهادة قدمها خلال ندوة احتفت بتجربته وبروايته "حز القيد" عبر القراءة النقدية التي قدمها مؤخرا الناقد والكاتب العراقي الدكتور ضياء خضير في النادي الثقافي بالقرم بسلطنة عمان، وهي ورقة كاشفة حملت عنوان "المتخيل السردي وبناء الشخصية في رواية حز القيد"، ناقش فيها خضير الجوانب الموضوعية والتقنية للرواية، مركزا على الكيفية التي استطاع بها العريمي بناء شخصياته، وشخصية "علي الناصر" على وجه التخصيص، حيث قدم رصدا للأبعاد المختلفة التي تتركب منها تلك الشخصية من منطلق قيادتها لبقية الشخصيات الأخرى، وتحديد مواقعها السردية بكيفيات مختلفة، في سبيل الكشف عن الموضوع الأساس للرواية وهو السجن السياسي.

 رواية لا تنتهي
 كان السؤال البديهي الذي يواجه العريمي كمبدع هو:  هل الألم محرك فاعل للإبداع؟

فيقول بصراحة: "إذا كان السؤال يؤشر إلى أن "الإعاقة" هي وراء ما حققته في هذا الجانب من حياتي، على تواضعه،  فالجواب قطعا لا. فالإعاقة ليست السبب المباشر للكتابة، ولكن الظروف التي فرضت علي نتيجة إصابة الجسد، هي من دفعتني إلى البحث عن جوانب مغايرة في شخصيتي، أعني مناطق يمكن التركيز عليها، عبر استنفار طاقات ما كانت لتظهر، لو لم أبحث عنها وأوظفها لإثراء تجربة حياتي. ولكن لا أنفي يقيني من أن الكتابة تعتبر بصورة ما مسكنا جيدا للألم، فالاشتغال على الكتابة السردية وإطلاق العنان للمخيلة لرسم الأحداث والأمكنة والأزمنة وتشكيل تفاصيلها بالحرف والكلمة، مثل لي ولا يزال شعورا ممتعا للغاية، وهو الأمر الذي أتاح لي تجاهل الألم وتناسي وجع الإعاقة. لذلك صرت اعتبر الكتابة اليوم، فعلا وجوديا يعزز قناعاتي بحقي في الحياة ويقوي رغبتي في مواصلة العيش بروح تواقة للحياة، حتى وإن كانت قابعة داخل جسد حبيس".

 ونقول للعريمي: "يقال لا يوجد كاتب لا يشبهه نصه.. هل في "حز القيد" ما يشبهك ككاتب"؟!

فيؤكد قائلا: "ليست لدي مشكلة في الإجابة بـنعم، فيما لو عشت فعلا تجربة مماثلة، وهذا ما أحاول التأكيد عليه دائما فيما اكتب - على تواضعه- أعني أن تكون محاولاتي انعكاسا لتجارب إنسانية.. سواء كانت ذاتية أم لأحد عرفته أو سمعت عنه. لعل في إعاقتي بعض مما في السجون من مناخات وإرهاصات، شيء من تجربة "علي الناصر" في "حز القيد" على نحو أو آخر، وإن كان نزيف الإعاقة لا يتوقف! قد تتلمس في بعض مشاهد الرواية جوابا من تجارب مختلفة، ولا أرى ما يعيب الكاتب فيما لو قام بتوظيف بعض تجاربه فـي نصوصه، لكن ما إن تكتب حتى تغدو خيالا لا علاقة له بواقع الكاتب".

 وهنا نسأل العريمي: هل تسعى من خلال الكتابة للحصول على "اعتراف الآخر بك"؟

فينفي قطعا بقوله: "أنا لا أربط حقي في الوجود باعتراف الآخر، ولست مسكونا بهاجس إثبات نفسي للآخر، أو تقديم نفسي من خلال بديل يعوضني ما أعانيه من قصور في أعضاء جسدي، ولم أشعر يوما ما مثلا، بمركّب نقص يحول دوني وقول كلمتي، ولم أضطهد نفسي قط، رغبة في أن أكون أحدا غير ما أنا عليه، ولكن دون ريب تهمني بطبيعة الحال معرفة الآخر لي". لكنك قلت في مذاق الصبر "انك تعيش في صراع دائم مع تداعيات الإعاقة، من أين تستمد القدرة على مواصلة مقاومة تحديات الإعاقة؟ وهنا يقول العريمي: "يعزي البعض ذلك إلى قوّة الإرادة، وهي عند آخرين إيمان بالقضاء والقدر، وهناك من يطرح أن الوعي العلمي ومدارك العقل هما الدافع وراء تحويل الهزيمة إلى نصر، والضعف إلى قوة".

لسبب ربما يتصل بجادة التواضع ونكران الذات بالمعنى النقدي، كان العريمي يتفلت عامدا عن صراحة الخوض في غمار الفكرة السابقة بصورة مباشرة، فنعيد إليه تلك الإشارة ثانية ونضعها أمامه مرة أخرى فنسأله قائلين: "وأنت ماذا تقول؟ كيف تتحدى إعاقتك داخليا؟ فيجيب: "بالنسبة لي أعتقد أن هذا يتحقق عبر تضييق هوّة الكارثة، بالاشتغال أكثر على ما تبّقى سليما من الجسد، ومشيئة استنفار طاقات داخلية كامنة، لا يمكن لها أن تظهر دون وجود رغبة ونزوع قويين تجاه في الحياة. وهذا في ظني، هو مكمن القوة: فالرغبة العارمة في الحياة، هي التي - متى ما توفرت- أعطت الإنسان مبررا كافيا للمقاومة من أجل أن عيش يوم آخر، قد يكون أجمل من الأمس، وقد يكون أكثر منه مرارة، ولكنه لن يعرف ذلك إلا إذا عاشه، وهذه هي المفارقة".

 هلوسة في مشهد غائم
 وهنا نستفز العريمي بالسؤال التالي: إذا لم تكن الإعاقة هي الدافع الأساسي للكتابة لديك، فما هو الذي أشعل فتيل تجربتك في الكتابة؟

فيرد قائلا بهدوء: "لا افشي سرا، ولا أخجل من الاعتراف أني دخلت عالم الأدب متأخرا جدا.. وقد دخلته بالمصادفة ومن باب الـ"الهلوسة" تحديدا!!، إذ لم أكتب شيئا قبل كتابي "مذاق الصبر"، أو لنقل كتبت أعمالا لا تذكر، من بينها "هلوسة في يوم غائم". تلك القصة التي لم تكن سوى هلوسة بكل ما تحتمله الكلمة من معنى! خاصة وأنها جاءت في سياق اجتاح المشهد الثقافي العماني حينها بموجة من النصوص التي يقف الإنسان عاجزا عن فك طلاسمها، وكان يحزّ في نفسي - وأنا الذي كنت اعتبر نفسي مثقفا آنذاك - أن أقف عاجزا عن فهم ما كنت أقرأ. لذلك كتبت "الهلوسة" في محاولة لركب الموجة السائدة، وإذا بالهلوسة تفوز بالمركز الأول في مسابقة سنوية للقصة القصيرة"!!

 تثير فينا تلك المفارقة فضولا لنسأل محمد عن الكتاب الذين شكلوا له أمثلة بارزة في مجال القص والسرد الروائي العربي فيقول: "كثيرا ما سُئلت عن تجربتي في الكتابة، وفي كل مرة كنت أرد بأن تجربتي في القراءة هي الرافد والمعين الأساس، رغم أن بداياتي مع الحرف والكلمة جاءت متأخرة مثلما كانت بداياتي مع الكتابة. كانت القراءة بالنسبة لي تهدف للمتعة والاستفادة وإثراء محصلتي الثقافية، فتراوحت قراءاتي بين الروايات والكتب السياسية وبعض الكتب العلمية. وخلال مراحل الدراسة كانت روايات كلا من نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وغيرهما، أشبه ما تكون بمقررات دراسية، ثم انقطعت عن القراءة بالعربية خلال دراستي في أمريكا لفترة امتدت لخمسة أعوام. أما في الآونة الأخيرة فصرت أقرأ بهدف رفد مخزون ذاكرة الكتابة، قرأت للروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، وحنا مينا وأمين معلوف وبعض الروايات المترجمة لروائيين من روسيا وأمريكا اللاتينية. وخلال الفترة التي سبقت مخاض كتابة روايتي "حز القيد" قرأت بعضا من أدب السجون على قلته، إضافة إلى مذكرات سجناء سابقين وتقارير لمنظمات إنسانية حقوقية وهيئات كرست نفسها للدفاع عن سجناء العالم. لا أستطيع تحديد من تأثرت بهم، ممن قرأت لهم،  ومن السخف أن أقول أني أرسم لنفسي طريقا خاصا، فانا مجرد لاعب مجتهد يعرف جيدا أن يقع اسمه في سلم الأدب والإبداع الإنساني".

 وأخيرا نسأل العريمي كيف ينظر لتجربته اليوم عندما يسترجع شريط ذكريات تجربته أمام عينيه؟

 فيقول: "بعد عشرين عاما حاولت خلالها أن أكون مترجما جيدا، بعد أن وجدت نفسي مجبرا على الجلوس وسطَ كومة من القواميس والمراجع اللغوية في وظيفة لم تخطر لي على بال، حين اخترتُ الهندسة تخصصا للدراسة ومن ثم مجالاً للعمل، لا سيّما أني لم أكن على وفاق مع اللُغتين خلال دراستي الأساسية! ولكن المفارقة حدثت من خلال سعيي المُسْتَمر لتحسين أدائي "كمترجم" بالقراءة المتنوعة والإطلاع على نصوص مترجمة، فاكتسبتُ بطريقة أو بأخرى بعضَ أدوات الكتابة. كان هدفي أن أكون مُتَرجما جيدا، وإذا بي أغدو قاصا، وأظل بالنسبة لعملي كما كنت عليه في البدايات، مُتَرجما متواضع الحال".